بالتفكير في الأمر، كان الأمر مشابهًا لما حدث عندما انتشرت شائعاتٌ عن حبّ بنديكت بفيفيان. كانت كلّ القصص التي قُدِّمت آنذاك على أنها دليلٌ على حبّه لها لم تكن تخلو من أفعالٍ أو كلماتٍ صدرت عنه فعلًا. لم تكن تلك نيّته قطعًا، لكن حين جرى تلفيقها وصياغتها بمهارةٍ بدت مقنعةً إلى حدٍّ لا بأس به.
بالطبع، في ذلك الوقت، تجاهل تعليقات أيّ شخصٍ لأنها لم تكن تهمّه. لكن الأمور مختلفةٌ الآن. انفجر بنديكت غضبًا، وكأنه يُبرّر أفعاله.
“لقد قلتُ لكِ من قبل، لم أُحبّ فيفيان قط.”
“أجل، أجل، أعلم. لقد قلتَ ذلك في المُحاكمة الأخيرة أيضًا—”
شعر بنديكت بعدم الارتياح من ردّ إيلينا العابر، وكأنها لا تأخذ تفسيره على محمل الجد بتاتًا. أومأت برأسها مُوافقة، مُصدّقة كلامه أمامه، لكنه كان قلقًا من أن يكون لدى إيلينا حتى أدنى شكٍّ في علاقته بفيفيان. على الأقل، هذا ما ظنّه الجميع في الإمبراطورية. حتى فيكتور أبدى قلقه سرًّا وقتها، مُشيرًا إلى أنه من الأفضل عدم البدء في علاقة حبٍّ لن تُكلَّل بالنجاح.
فجأةً، تداعت إلى ذهنه ذكرى من زمنٍ بعيد، حين كان هو وإيلينا يستعدّان للمحاكمة.
«لم أُحِبّ فيفيان ولو للحظة.»
«لستَ مُضطرًا لإخفاء الحقيقة عني.»
«لا، إنها كذبة. لهذا السبب أُوضِّح سوء الفهم هذا.»
«معظم من يأتون إليّ يقولون الشيء نفسه. إنه ظلم، إنه سوء فهم، إنه يكذب.»
بالتفكير في الأمر، لم تُصدِّق إيلينا في البداية أنه لا يُحبّ فيفيان. ربما حتى الآن هي غير مُقتنعةٍ بكلماته، لكنها تتظاهر فقط بالتصديق.
أضاف بنديكت، وهو يشعر ببعض القلق من احتمال أن تُسيء إيلينا فهمه، دون قصد.
“هذا صحيح. الحقيقة هي أن الشخص الذي أُحِبّه…”
“…..!”
عند هذا الاعتراف الغريزي، اتّسعت عينا إيلينا فجأةً وهي تحدّق به.
تجمّد بنديكت هو الآخر في مكانه، عاجزًا عن تذكّر الكلمات التي تفوّه بها. حدّق في إيلينا، غير قادرٍ على إكمال حديثه.
“الشخص… الذي تحبّه…؟”
اختفت الابتسامة من وجه إيلينا. كان تعبيرها مُعقّدًا، مزيجٌ من الخوف والفضول لما سيُلقى فيما بعد، رغبةٌ في المعرفة وتردّدٌ في الوقت نفسه.
على بُعد خطواتٍ قليلة، تلاقت عيناهما.
“أنا…”
تسارع نبض قلب بنديكت وهو يحدّق في إيلينا. أشعلت رغبته في إخبارها في تلك اللحظة ‘أنتِ يا إيلينا، أنتِ هي مَن أهواها’ طرف لسانه.
لكن…
«لن نكنّ لبعضنا أيّ مشاعر شخصيةٍ أبدًا.»
«وخاصةً ليس حبًا.»
أثقلت عليه وطأة الكارثة التي جلبها على نفسه. لم يستطع بعد أن يُفصِح عن حقيقة مشاعره لإيلينا.
“…أنا، لا أحبّ أحد.”
في النهاية، قدّم بنديكت إجابةً ساذجةً أخرى.
“أوه، بالطبع.”
تنهّدت إيلينا بهدوءٍ وأجابت بصوتٍ مُنهَك. كان صوتها مزيجًا من الارتياح والندم. فبينما شعرت بالارتياح لأن بنديكت لا يحبّ أيّ شخصٍ آخر، كانت أيضًا مُحبَطةً للغاية لأنه لا يحبّ أيّ شخصٍ آخر.
كان الأمر غريبًا. ليس من شأنها إن أحبَّ أو مَن يحبّ. وحتى لو كان مُعجبًا بشخصٍ ما، فلن تكون إيلينا هي الشخص المناسب أبدًا. بسبب العقد، على الأقل.
بعد أن نفضت إيلينا هذه الأفكار السخيفة، أطلقت صوتًا مَرِحًا.
“على أيّ حال، لا فائدة من نشر شائعة إعجابكَ بفيفيان. هناك مشكلةٌ قانونية، ولن يؤدّي ذلك إلّا إلى استفزاز لورانس.”
توقّفت إيلينا للحظة، واتسعت عيناها في نبرةٍ جادة.
“في مثل هذه الأوقات، نحتاج أن نُظهِر أن علاقتنا ما زالت قوية.”
“بالطبع، علينا فعل ءلك.”
أومأ بنديكت برأسه بسرعة.
“في مناسبة يحضرها عددٌ أكبر من النبلاء مقارنةً بحفل الخريف، وفي حدثٍ يتركّز فيه اهتمام الجميع، لنكن ملتصقين ببعضنا البعض. لدرجة أن الشائعات عن حبّكَ لفيفيان ستبدو أسخف من التفكير فيها حتى.”
“هذا ما كنتُ أتمنّاه تمامًا.”
اتّسعت عينا بنديكت عند سماعه كلمات إيلينا. لم يتخيّل يومًا أنه سيتطلّع إلى تجمّعٍ اجتماعيٍّ للنبلاء. والآن، هو مَن يتطلّع إلى الحفل أكثر من أيّ شخصٍ آخر.
وقريبًا.
جاءت فرصة إظهار شغفهما أسرع ممّا كان متوقعًا. ركضت إيلينا إلى مكتب بنديكت، ولوّحت بدعوة الحفل التي وصلت إلى القصر.
“سيقيمون حفلًا خاصًّا في القصر الإمبراطوري قريبًا!”
“بالفعل؟”
أمال بنديكت رأسه قليلًا في حيرة. لم يمرّ شهرٌ حتى على مأدبة الخريف. لم تُعقَد المناسبات الإمبراطورية بهذا التواتر من قبل. شرحت إيلينا لبنديكت ما لمّحت إليه مدام بوفاري، المعروفة أيضًا باسم الأميرة كلير زاكرياس، وهي سيدة المجتمع الراقي.
“الهدف من هذه الحفلة هو تعويض ما حصل في مأدبة الخريف التي تعطّلت بسبب حادثة فيفيان.”
“هذا منطقي. لورانس يُقدِّر سُمعة النبلاء، وغالبًا ما يستخدم المكافآت الماديّة لكسب تأييدهم.”
أومأ بنديكت متفهّمًا. بالعودة إلى الوراء، لم تُحسَم نتيجة مسابقة الرماية حتى، لأن لورانس وبنديكت كانا يهرعان إلى الغابة بسبب حادثة الخنزير البري. بالطبع، كان لورانس يفوز دائمًا، لكن حتى الوصول إلى المراكز الخمسة الأولى كان يُتيح جوائز قيّمة، لذا كان من الضروري إرضاء النبلاء الساخطين لعدم حصولهم على جوائزهم.
وافقته إيلينا في الرأي.
“صحيح. في النهاية، فشلت رحلة البحث عن الكنز أيضًا.”
تمامًا كما كان النبلاء الذين لم يفوزوا بجوائز في المسابقة منزعجين، كان لا بد من إرضاء السيدات النبيلات والآنسات اللواتي جابنَ الغابة بحثًا عن الكنوز. قيل إن الجوائز نادرةٌ ويصعب العثور عليها في الإمبراطورية. فلا عجب أن وليّة العهد فيفيان كانت شغوفةً جدًا بالبحث عن الكنوز.
“هل سيُقام الحفل في القصر؟”
“نعم. سيكون حفلًا فخمًا وباهرًا لم يسبق له مثيل! لن يقتصر الحضور على النبلاء الذين حضروا مأدبة الخريف، بل سيحضره الكثيرون غيرهم. لذا، إنها فرصةٌ ذهبيّةٌ لنا.”
غمزت إيلينا، ثم فتحت عينيها وابتسمت لبنديكت.
“في ذلك اليوم، ممنوعٌ عليكَ حتى النظر إلى فيفيان، لن تُعيرها أيّ اهتمام. انظر إليّ فقط.”
“أمرُكِ.”
انقبضت شفتا بنديكت في خطٍ حازمٍ وهو يُجيب باقتضاب. حتى دون أن تطلب ذلك، كان يتوق لإخبار إيلينا أنه يُراقبها دائمًا، أن عينيه تُلاحقها دون جهدٍ منه، وأنه لا يرى ولم يرَ من النساء غيرها. كانت الكلمات التي أراد قولها، لكنه لم يستطع، تتراكم في صدره.
‘لا يمكنني أن أبقى جبانًا إلى الأبد.’
حسم بنديكت أمره أخيرًا. فإلى جانب الفرصة التي ذكرتها إيلينا، سيغتنم فرصةً أخرى في حفل البلاط الإمبراطوري هذا.
لم تُدرِك إيلينا على ما يبدو أن تاريخ حفل البلاط الإمبراطوري الخاصّ المذكور في الدعوة يتزامن مع عيد ميلادها. عرف ذلك من خلال مراجعته المتكرّرة للعقد وشهادة الزواج.
هذه المرّة، كان مصمّمًا على مصارحة إيلينا بمشاعره الحقيقية في عيد ميلادها وإنهاء عقدهما العبثي.
* * *
في الأيام التي تلت ذلك القرار، تذبذب مزاج بنديكت بين السعادة والحزن. في بعض الأيام، كان يغمره الأمل في الاعتراف لإيلينا وتأكيد مشاعرهما المتبادلة. وفي أيامٍ أخرى، كان يتخيل وجه إيلينا عابسًا ورافضًا فيعتريه الحزن.
وهكذا، كافح بنديكت سرًّا عذابه الداخلي، مُجهِزًا اعترافه الخاصّ حتى لا تُلاحظ إيلينا شيئًا.
“فيكتور، هل يعاني بنديكت من مرضٍ ما؟”
وبالطبع، لاحظ كلّ مَن كان بالقصر، بمَن فيهم إيلينا، سلوك بنديكت الغريب. بعد أن راقبت إيلينا حالات بنديكت المتقلّبة بين الهوس والاكتئاب لعدّة أيام، استدعت فيكتور سرًّا إلى مكتبها واستجوبته.
“حـ حسنًا… كيف لي أن أعرف شيئًا لا تعرفه صاحبة الشعادة عن سعادته؟”
تظاهر فيكتور بالبراءة. في الواقع، بالأمس فقط، خرج ليبحث عن خاتمٍ لإيلينا بناءً على طلب بنديكت. كان خاتمًا ماسيًّا كبيرًا طلبه بنديكت خصّيصًا. بالطبع، كا كان فيكتور يعرفه هو أنه ليس اعترافًا، بل هديّةٌ لزوجته في ذكرى زواجهما الأولى.
حدّقت إيلينا في فيكتور، الذي التزم الصمت.
“كُـن صادقًا معي. أنتَ تعلم يا فيكتور أن الأرشيدوق يتصرّف بغرابةٍ بعض الشيء مؤخّرًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 85"