تساءل فيكتور بجديّةٍ عمّ إذا كان الخنزير البريّ قد هاجم رأس بنديكت، لا فخذه. وإلّا، كيف يُعقَل أن يكون قائده، الجندي بالفطرة الذي يُقدِّر الصحة البدنيّة والقوّة فوق كلّ شيء، سعيدًا بالبقاء عالقًا في السرير لأيام؟
“الراحة هكذا ليست سيئة.”
تظاهر بنديكت بمسح وجهه، بالكاد حاول أن يُخفي تعابير وجهه. كان من الواضح أنه في غاية السعادة. ذلك لأن إيلينا، التي ألقت باللوم عليه في إصاباته، تطوّعت لرعايته.
«أنتَ بحاجةٍ إلى راحةٍ تامّةٍ حتى تتعافى تمامًا! لذا إذا احتجتَ إلى أيّ شيء، نادِ عليّ.»
الليلة الماضية، ربطت إيلينا بنديكت بالسرير، مانعةً إياه من الحركة، ولم تفارقه لحظة. على الرغم من أنهما زوجان، إلّا أنها كانت المرّة الأولى التي تدخل فيها غرفة نومه. مجرّد وجود إيلينا في غرفة نومه كان بحدّ ذاته مُحفّزًا. يا له من شعورٍ رائعٍ أن تجلس بجانبه طوال الليل، تمسح عرقه وتفحص جروحه!
‘أن تُقيَّد وتُحبَس ليس بالأمر السيئ.’
كان يظن أن مثل هذا يحدث فقط لأسرى الحرب أو العبيد. لكن رؤية بنديكت يبتسم برضًا في الموقف الذي هو فيه، جعلته يبدو وكأنه أسيرٌ أو عبدٌ للحبّ بالفعل.
“إذن، ما هو تقرير اليوم؟”
استعاد بنديكت رباطة جأشه، وحدق في فيكتور.
بعد لحظة.
بعد أن أنهى تقريره، نهض فيكتور وانحنى.
“سأذهب الآن. أتمنى لكَ الشفاء العاجل، يا صاحب السعادة.”
“انتظر لحظة.”
أوقف بنديكت فيكتور فجأةً وهو على وشك مغادرة الغرفة.
“هل هناك جريدةٌ هذا الصباح؟”
لسببٍ ما، اختفت الجريدة التي تُرفَق عادةً بالتقرير.
“ماذا…؟”
كان سؤالًا عابرًا، لكن نظرة حيرةٍ ارتسمت على وجه فيكتور للحظة. اشتدّت نظرة بنديكت، مستشعرًا ببراعةٍ تغيّر تعابير وجهه. شعر فيكتور غريزيًا أن لدى فيكتور شيئًا يخفيه عنه في جريدة ذلك الصباح.
“قلتُ لكَ أحضِر الجريدة.”
تحوّل صوت بنديكت، الذي كان هادئًا ولطيفًا، فجأةً إلى صوتٍ بارد. ارتجف ظهر فيكتور عند سماعه.
“هاها… الجريدة. أجل، الجريدة. صحيح. صحيح.”
لم يكن فيكتور ممّن يتذمّرون من أوامره، فواصل الكلام وهو يُدير عينيه. سرعان ما اشتدّ غضب بنديكت.
“فيكتور جينوا، ألم تسمع تعليماتي؟”
“بلى…بلى…”
في النهاية، لم يستطع فيكتور مقاومة استجواب سيّده الحاد. أخرج الجريدة التي كان قد طواها ووضعها في جيبه بتردّد.
“…..!”
انتزع بنديكت الجريدة واتّسعت عيناه. لم تكن هناك حاجةٌ لتصفّح الجريدة لاكتشاف الحقيقة التي يُخفيها فيكتور.
[الأرشيدوق ريتشارد يُلقي بنفسه لإنقاذ ولية العهد في مأدبة الخريف]
كان عنوان الصفحة الأولى أن وليّة العهد تعرّضت لهجومٍ من خنزيرٍ بريٍّ أثناء استمتاعها بنزهةٍ في الغابة. وقبل أن ينقضّ عليها الخنزير، حمى الأرشيدوق بنديكت وليّة العهد وتلقّى الضربة.
[“قبلها بلحظات، خيّم جوٌّ غريبٌ على الأرشيدوق ريتشارد ووليّ العهد في ساحة الرماية. بدا الأمر كما لو كانا يتنافسان على قلب أحدهم.”]
بل إن المقال تضمّن مقابلةً مع أحد النبلاء الذي طلب عدم الكشف عن هويّته. وأضاف المقال، بكل لطف، أن ولي العهد والأرشيدوق ريتشارد هرعا للخروج في الوقت نفسه بعد سماع صرخات وليّة العهد من ساحة الرماية.
“ماذا…؟”
انطلقت ضحكةٌ جوفاء من شفتي بنديكت وهو يقرأ المقال. لقد تم حذف قصّة ولي العهد وإيلينا، الذين كانوا برفقته، بالكامل.
“هااا.”
أثار هراء المقال أعصابه، بل أصابه بالغضب الشديد.
لم يكن في القصّة أيُّ خطأٍ على الإطلاق. صحيحٌ أنه اشتبك مع لورانس في ميدان الرماية، وصحيحٌ أنه خرج مُسرِعًا بعد سماعه صرخة. وصحيحٌ أيضاً أنه تعرّض لهجومٍ من خنزيرٍ بريٍّ أمام فيفيان.
لكن السبب كان خاطِئًا.
السبب الوحيد لكلّ هذا كان إيلينا. لتحذير لورانس من لمسها، لأنه يسمع صرخاتها، ليحميها من هجوم خنزيرٍ بريّ. ومع ذلك، لم يُذكَر شيءٌ عن إيلينا.
«شكرًا لك، أيّها الأرشيدوق ريتشارد. بفضلك نجوت.»
هل يُعقل أنه كُتِب هذا المقال بسبب شُكر فيفيان له؟
بسبب تلك الكلمة البسيطة التي نطقت بها علنًا، تم تغطية كلّ ما فعله تحت ستار التضحية من أجل فيفيان. وكأنه كان يكنّ لها حُبًّا خالصًا منذ الأزل.
“حسنًا… كان مجرّد كلامٍ فارغٍ من الصحفيين، كالعادة. أليس الأمر دائمًا هكذا؟”
تأمّل فيكتور وجه سيده المشوّه بعناية.
قاتلٌ عديم الرحمة، لا يذرف دمعةً في ساحة المعركة، قاتلٌ قاسٍ لم يُقدِّر لطف مَن احتضنه كطفلٍ غير شرعي. نُشرت مقالاتٌ لا حصر لها تُسيء إلى رئيسه أو تُضلِّل الحقيقة بذكاء. حتى عامّة الناس الذين لا يهتمّون كثيرًا بسياسة الأرستقراطية يعرفون لقبه، ‘الأرشيدوق القاتل’.
لكن لم يسبق لأيّ مقالٍ أن أثار لديه هذا النوع من ردود الفعل. رفع فيكتور صوته، متفاخرًا بلا داعٍ.
“سيظنّ الجميع أن هذا سخيف. الجميع يعرف قصّة الحب المشتعلة بين صاحب السعادة والأرشيدوقة، التي أحرقت العاصمة منذ وقتٍ ليس ببعيد.”
‘الجميع’ ها؟
ضغط بنديكت على أسنانه. لم يكن يكترث حتى برأي الآخرين. المهم هو ما إذا كانت إيلينا من ضمن هؤلاء ‘الجميع’.
‘ألن تُصدِّق إيلينا مثل هذه القصة؟’
ظنّ أنها ستعتبر مثل هذا المقال سخيفًا بطبيعة الحال، لكن من جهةٍ أخرى، شعر بموجةٍ من القلق. فكرة النبلاء وهم يتناقلون الأحاديث في الغابة بالأمس جعلته يشعر بمزيدٍ من الاكتئاب.
«إذن ماذا عن الأرشيدوقة؟»
«أليست مجرّد بديلة؟»
«صه! اصمت!»
بالأمس، تجاهل الأمر ببساطة، معتبرًا إيّاه مجرّد ثرثرةٍ من شخصٍ أحمق، لكن ظهور مقالٍ بهذه الجرأة في صحيفة ‘الإمبراطورية اليومية’ كان أمرًا مختلفًا تمامًا.
لاحظ بنديكت اسم المُراسل، ‘ديسبارتس’، المكتوب في نهاية المقال. كان مصمّمًا على الانتقام من ذلك الوغد، بأيّ طريقةٍ كانت. في تلك اللحظة، وقع نظر بنديكت على السيف الكبير في زاوية الغرفة.
دق، دق-
بدّد صوتٌ مَرِحٌ وقرعٌ للباب الجو الكئيب في الغرفة.
“بنديكت، أحضرتُ لكَ العشاء.”
في تلك اللحظة، طارت الصحيفة الملفوفة من يد بنديكت كنجمة نينجا، مصحوبةً بصوت صفير الأوراق الحاد. خفق قلب فيكتور بشدّةٍ وهو ينظر إلى الصحيفة التي كادت تلامس أنفه قبل أن تسقط في سلّة المهملات في زاوية غرفة النوم. أُعجِب برشاقة رئيسه، مجدّدًا، لكنه عاهد نفسه ألّا يغضبه أبدًا، واثقًا من قدرة بنديكت يومًا ما على قتل عدوٍّ بمجرّد ورقة.
“سـ سعادتكِ. هل أنتِ هنا؟”
فتح فيكتور الباب وانحنى لإيلينا. التفت للفلف فرأى بنديكت، وقد اختفت ملامحه المشؤومة، مستلقيًا بلا حراكٍ على السرير، وكأنه أضعف من أن يُحرِّك ساكنًا حتى. أثار هدوؤه قشعريرةً في جسده.
“إذن، أستأذنكم للعودة الآن!”
استغل فيكتور وجود إيلينا كذريعة، وخرج مُسرِعًا من الغرفة. وضعت إيلينا الصينية التي أحضرتها على الطاولة الصغيرة بجانب السرير.
“كيف حال ساقيك؟”
في مواجهة قلق زوجته، حاول بنديكت السيطرة على تعابير وجهه. كانت رؤية إلينا تنظر إليه بقلقٍ تجعل قلبه يفيض بالسرور في كلّ مرّةٍ يراها
مباشرةً بعد الجُرح، كان الجُرح يؤلمه بشدّة. لكن منذ زيارة الطبيب الليلة الماضية، لم يعد الأمر خطيرًا.
لم يكن أقلّ حساسيةً للألم فحسب، بل سمحت له قوّته البدنية بالتعافي بسرعةٍ أكبر. في ساحات المعارك الصعبة، غالبًا ما يدع الجروح الأكثر خطورةً حتى دون أن يُلاحظها الطبيب، منتظرًا شفاءها من تلقاء نفسها. لذا، بفضل علاج الطبيب، كان بإمكانه العودة إلى القتال فورًا.
“آه، لا أعرف.”
لكن بنديكت سعل وأجاب بإجابةٍ مُبهَمةٍ في هذه الحالة.
“لابدّ أن الجرح كان عميقًا في النهاية.”
“أظن ذلك. إنه يؤلمني قليلًا.”
كان يسخر من الجرح قائلًا إنه مجرّد وخزة إبرةٍ صغيرة. لكن بنديكت بالغ في وصف أعراضه. جلست إيلينا على كرسيٍّ بجانب السرير، وعقدت حاجبيها كما لو كانت هي المُذنبة. ارتعشت شفتا بنديكت عند رؤيتها، فوجدها لطيفة. غير مدركةٍ لحركة شفتيه، تابعت إيلينا بصوتٍ كئيب.
“إذا أكلتَ جيدًا، سيلتئم جرحكَ بسرعة.”
“أظن ذلك. إذا ناولتُني صينية الطعام …”
نظر بنديكت إلى إيلينا بنظرةٍ حائرة، وهو على وشك تناول طعامه. عندها سألتُه بقلق.
“هل يمكنكَ تناول الطعام وحدك؟ قال الطبيب إنه إذا انتشرت العدوى، فقد لا تُصاب بالخدر في ساقك المصابة فحسب، بل ق
د تشعر بالخدر في يدكَ وكتفكَ أيضًا.”
ارتعشت فتحتا أنف بنديكت عندما أدرك على الفور نيّة إيلينا.
التعليقات لهذا الفصل " 83"