إذا كان حفل السادة النبلاء في مأدبة الخريف عبارةً عن مسابقة رماية، فإن حفل الآنسات النبيلات كان أشبه بنُزهة. يمكن وصفه بأنه نزهةٌ ممتعةٌ في الغابة، وكان جوهره البحث عن الكنز.
تبحث الآنسات النبيلات عن كنوزٍ مُخبّأةٍ في أرجاء الغابة، لكن هذا الحدث الذي يبدو سلميًّا وممتعًا كان يخفي فخًّا خطيرًا.
“فقط … شعرتُ أن النُزهة لن تكون ممتعة.”
“مستحيل، سيدتي. سيكون من الممتع الاستمتاع بأوراق الخريف الجميلة في الغابة، أليس كذلك؟”
بدت صوفي في حيرةٍ تامة. لكنني كنتُ أعرف حجم المتاعب التي تكبّدتها فيفيان في ذلك الحدث في الرواية الأصلية.
كانت الغابة المهجورة مكانًا مثاليًا للشخص الذي يبحث وحيدًا ليقع في المشاكل. في الرواية، كادت النبيلات، بدافع الغيرة من فيفيان، أن يقتلنها في الغابة. استغربن دعوة ولي العهد لشخصٍ من غير النبلاء للمشاركة في حدثٍ أرستقراطي.
‘إذن كيف لي أن أكون بخير؟’
مثل فيفيان تمامًا، أنا من عامة الشعب، وهذه أوّل مشاركةٍ لي، لذا ربما يكون أحدهم قد نصب لي فخًّا. علاوةً على ذلك، إذا كانت فيفيان قد غادرت المأدبة الأخيرة وهي تحمل ضغينة، فربما تُخطِّط لفخٍّ لي بنفسها. تمامًا كما حاول ولي العهد أن يخدعني في تلك المأدبة. يُسمى هذا ‘مضايقة مَن بأسفل الهرم’.
‘الجميع في القصر يُعاديني.’
لكن لا يُمكنني رفض الحضور ببساطة.
لم يكن لديّ خيارٌ آخر، فتنهّدتُ بعمقٍ وأنا أنظر إلى الدعوة المختومة بالختم الإمبراطوري.
* * *
في يوم مأدبة الخريف، كانت الغابة الإمبراطورية تتلألأ بأوراق الخريف الزاهية، بجمالٍ آسرٍ لا يُضاهَى.
في ميدان الرّماية المُقام على أحد جوانب الغابة، وُضِعت عدّة أهدافٍ أمام خلفيّةٍ من الأشجار الملوّنة. كان الجوّ احتفاليًّا داخل الساحة المُغطّاة بالخيام البيضاء. تجمّع السادة النبلاء في مجموعاتٍ صغيرة، يدخّنون السيجار أو يحتسون الشمبانيا الخفيفة. كانوا جميعًا يتباهون بوفرة أراضيهم هذا الخريف وبمقدار عائدات الضرائب التي جمعوها.
وسط حشد النبلاء الشباب المتجاذبين أطراف الحديث، وقف بنديكت متوتّرًا، وكأنه يشعر بعدم الارتياح.
“أليست هذا أوّل مرةٍ تحضر فيها مأدبةً خريفية، سعادتك؟”
أومأ بنديكت برأسه فقط ردًّا على ذلك. فخلال خدمته في الجيش الإمبراطوري، لم تُتَح له حتى حضور مأدبةٍ خريفية. الخريف، حتى إن كان موسم الحصاد، لم يكن يعني توقّف القتال.
“لقد كنتَ مشغولًا طوال الوقت، من الجيد أن لديكَ بعض وقت الفراغ هذا العام. هاها.”
“نعم.”
كانت هذه سخريّة مبطّنةً من إقالته من منصبه كقائدٍ للجيش الإمبراطوري، لكن بنديكت أقرّ بها على الفور. لم يكن ذلك بدافع الكرم، بل لأنه لم يلحَظ نواياهم. كان تركيزه منصبًّا بالكامل على الغابة، لدرجة أنه لم يستطع تمييز دلالات أحاديث النبلاء.
«إن سمعتَ صراخي في الغابة، فعليكَ أن تأتي لإنقاذي!»
كانت هذه مناشدة إيلينا وهي تتّجه نحو مكان النُزهة. رغم أنه لم يكن يعلم ما يجري، كانت هذه أوّل مرّةٍ تطلب فيها مساعدته. عند سماعه هذا، تخلّى بنديكت فورًا عن تركيزه على مسابقة الرماية وقرّر الذهاب معها في النُزهة. لم يكن مهتمًّا بمثل هذا الحدث التافه على أيّ حال. كان الهدف من تجمّع النبلاء واضحًا.
«لا تكن سخيفًا! السادة النبلاء لا يرافقون النساء إلى النُزهات، والتواصل بين النبلاء ضروريٌّ للبقاء في الأوساط الاجتماعية للعاصمة!»
لكن إيلينا رفضت بشدّةٍ السماح له بالتغيّب عن المناسبة. انفجرت إيلينا غضبًا في وجه بنديكت، مُطالبةً إياه بمعرفة ما إذا كان قد نسي كيف اتُّهِم زورًا بالخيانة لمجرّد خلافه مع نبلاء العاصمة، ليجد نفسه في النهاية مسجونًا في الزنزانات لأن أحدًا لم يجرؤ على المطالبة ببراءته.
كان يريد أن يشمخ بأنفٍ ساخرٍ قائلًا إن سلامتها أهمّ بكثيرٍ من تأييد أولئك النبلاء الانتهازيين التافهين، لكن بندكت اكتفى بأن أومأ برأسه مُطيعًا. كان منظرها، وهي تُضيّق عينيها الدائريتين قلقًا عليه، لطيفًا على نحوٍ لافت.
وبينما كان شارد الذهن، يتذكّر وجه إيلينا الجميل للحظات، دخل آل وينستون، الذين يدّعون سيطرتهم على أخصب أراضي الإمبراطورية، متبخترين.
“هاها، لقد جمعت ضيعتنا في وينستون ملياري قطعةٍ ذهبيةٍ كضرائب على محصول القمح. ماذا عن سعادتك؟”
شعر بنديكت برغبةٍ جامحةٍ في الاكتفاء بالإيماء برأسه.
«أساس بناء العلاقات هو الحوار! لا تتجاهل أيّ شخصٍ يتحدّث إليك؛ شارِك بفعاليةٍ في الحديث.»
لكن توسّلات إيلينا أجبرته على الكلام. ظلّت نظراته مثبّتةً على الغابة حيث تُقام النُزهة.
“أوه، تقصد الضرائب المُحصَّلة من حصاد القمح؟ همم، أعتقد أنها كانت صفر ذهب.”
حتى أن بنديكت تذكّر التقرير الذي أرسله ألبرت. انتشرت ضحكةٌ غريبةٌ بين المجموعة عند سماع إجابته البسيطة. رفع السيد الشاب وينستون حاجبيه، وكأنه أدرك أنه قال كلامًا في غير محلّه.
“أوه… أعتذر عن وقاحتي. ممتلكات ريتشارد فقيرةٌ للغاية. أنا قلق بشأن كلّ شيء.”
غمز لبنديكت، مُحرَجًا من وقاحته، لكنه بالطبع لم يقصد ذلك. ربما كان يسخر من الأرشيدوق ريتشارد، الذي لا يملك أيّ عقاراتٍ سوى لقبٍ أجوف.
«صاحب السعادة ليس بارعاً في التحدّث مع الآخرين، لذا إذا شعر أيّ شخصٍ بالحرج بعد سماع إجابتك، فيجب عليكَ توضيح أنه لا داعي لذلك.»
لكن بنديكت لاحظ خجل السيد الشاب وينستون المصطنع. وكأنه روبوتٌ تُملي عليه إيلينا الأوامر، بادر إلى التصرّف فورًا. كان ذلك كلّه من أجل السيد الشاب وينستون، الذي أحرجه ردّ فعله.
“لا داعي لكلّ هذا الاعتذار. أرباح المشروع الجديد في الدوقية الكبرى وحدها تجاوزت خمسة مليارات قطعةٍ ذهبية.”
“خـ خمسة مليارات؟”
حدّق النبلاء الآخرون، بمَن فيهم الشيد الشاب وينستون، في هذا الرقم الهائل، الذي يفوق بكثيرٍ أرباح حصاد القمح. أضاف بنديكت، مُحاوِلًا تهدئة مخاوف مَن يخشون على أراضيهم.
“إنهم يصنعون الأسلحة هذه الأيام، تملكُ من القوّة بحيث يمكنها تدمير منطقةٍ كبيرةٍ بسهولة.”
ابتسم بنديكت ابتسامةً خفيفة، تكاد تكون غير مبالية. في الوقت نفسه، تجمّد النبلاء المحيطون به في لحظة. الطريقة التي ذكر بها الأسلحة، مع ارتسام ابتسامةٍ خفيفةٍ على شفتيه، بدت وكأنها تحذيرٌ مُبطَّنٌ من وقاحتهم.
“هـ هاها… ا-الأرشيدوق مختلفٌ حقًا.”
“لم أكن أعلم أنكَ تُدير أراضيكَ بهذه الكفاءة.”
أصبح النبلاء، الذين كانوا يُحاولون السخرية من بنديكت، الغريب عن المجتمع، مُذعِنين فجأة.
“إ-إذا كنتَ تُعاني من نقصٍ في القمح، يُمكننا إرساله لكَ من أراضينا بصدرٍ رحب.”
“يـ يُمكننا إرسال الخضراوات والفواكه من أراضينا أيضًا!”
سارعوا لإرضاء بنديكت، خوفًا من أن يُدمِّر قاتلٌ غاضبٌ أراضيهم.
‘أوه، هذا ينجح بالفعل.’
لم يُرسِلوا قط كيسًا واحدًا من القمح إلى الأرشيدوق، مهما كثرت حالات فشل المحاصيل التي واجهوها. ومع ذلك، كانوا في غاية اللُّطف والاستعداد لإرسال المحصول الآن. كانت هذه هي المرّة الأولى التي يُظهِر فيها نبلاء الإمبراطورية مثل هذا اللطف. اتسعت ابتسامة الرضا على وجه بنديكت وهو يرى نصيحة إيلينا تُؤتي ثمارها. تعهّد بالاستماع إلى إيلينا بانتباهٍ أكبر من الآن فصاعدًا.
“يا للعجب، يبدو أن الجميع منغمسون في حديثٍ شيّق بدوني.”
قاطعهم لورانس، الذي كان يتحدّث مع النبلاء رفيعي المقام هناك. انزعج بنديكت، الذي اعتاد الوقوف جانبًا والمغادرة قبل الآخرين، من اختلاطه بالنبلاء.
عندما ظهر ولي العهد لورانس، مُضيف المسابقة، انحنى النبلاء المحيطون ببنديكت.
“على حدّ علمي، يشعر الأرشيدوق براحةٍ أكبر مع التواصل الجسدي من الحديث.”
“…..”
التزم بنديكت الصمت. لطالما شعر أخوه غير الشقيق بعدم الارتياح اتجاهه. وينبع هذا الشعور من كونه ابنًا غير شرعي. أدرك بنديكت أن لورانس عاجزٌ بطبيعته عن محبّته. لذا، تقبّل بنديكت عداء لورانس كقَدَرٍ محتوم. لأنه كان ‘خطيئته الأصلية’. لم يكن يحمل أيّ ضغينةٍ تجاه لورانس، ولم يرغب في قتاله.
“أتساءل عن مهارات الأرشيدوق الجسدية.”
بهذه الكلمات، التقط لورانس القوس الموضوع في الساحة وشدّ وتره.
“…..!”
ساد الصمت الساحة الصاخبة، كما لو أن وابِلًا من الماء البارد قد انسكب عليها. شدّ لورانس قوسه وصوّبه مباشرةً نحو بنديكت. تبادلت وجوهٌ مذهولة، شاحبةٌ ومصدومة، النظرات بين لورانس وبنديكت.
التعليقات لهذا الفصل " 79"