“يبدو الماركيز الشاب مختلفًا تمامًا عن الصورة التي سمعتُها عن تاجر سبنسر في دوقية أوديلو.”
“لماذا؟ كيف تبدو صورة الماركيز الشاب في أوديلو؟”
“سمعتُ أنه رجلٌ يفعل أيّ شيءٍ ليحصل على ما يريد. علاوةً على ذلك، فهو لا يرحم في التخلّص من أيّ شخصٍ يعرقل عمل الشركة أو يبدو عديم الفائدة.”
“… حقًا؟”
عبستُ قليلًا من شدّة الشك. شعرتُ أنه مختلفٌ تمامًا عن إيدن سبنسر طيب القلب الذي أعرفه. فجأة، عاد إليّ شعورٌ غريبٌ بعدم الارتياح كنتُ أشعر به تجاهه من حينٍ لآخر.
تلك الشروط الغريبة التي تُفرَض على خدمات إيدن. في ذلك الوقت، كنتُ أفترض أنه كان كريمًا بهذه الشروط التي تبدو تافهة. لذا، مع أن إيدن كان تاجرًا يُعطي الأولوية للربح، فقد افترضتُ أنه مستعدٌّ لتحمّل الخسائر من أجل منطقة صديقه. في ذلك الوقت، كان تركيزي مُنصبًّا على المال فقط. لم أُفكِّر حتى في احتمالاتٍ أخرى، وافترضتُ ببساطةٍ أنه شخصٌ ذو نفوذٍ وافق بسهولةٍ على فعل شيءٍ لن يُجدي نفعًا.
«هاه، صديقي؟ أنتِ لا تعرفين حتى لماذا فعل ذلك الوغد- »
لا شعوريًا، تذكّرتُ غضب بنديكت من مساعدة إيدن الأخيرة في تحضير العشاء. دارت في رأسي خيوطٌ مُتشابكةٌ من الأحداث. لكن صوفي تابعت بهدوءٍ على أيّ حال.
“يعمل ابن عمي في شركةٍ تجاريةٍ صغيرةٍ في أوديلو. لذا سمعتُ قصصًا عن شركة سبنسر التجارية.”
“شركة سبنسر التجارية… هل من الصحيح أنها تحتكر التجارة بين دوقية أوديلو وإمبراطورية آريا؟”
“نعم، سمعتُ ذلك. لقد سيطروا على التوزيع داخل الدوقية وعاقبوا بشدّةٍ الشركات التجارية الصغيرة في أوديلو.”
“يقولون إنهم كانوا ينقضون العقود بالقوّة، وإذا رفض تاجرٌ الامتثال، فإنهم يلجؤون إلى العنف، ويحشدون بلطجية الشوارع. وإذا لم ينجح ذلك، فإنهم يستخدمون علاقاتهم وأموالهم لقطع التمويل عنه. في النهاية، يُقال إن بعض التجار لم يخسروا كلّ عقودهم التجارية فحسب، بل أصبحوا مفلسين تمامًا وخسروا ممتلكاتهم حتى.”
دُهِشتُ. لقد كانت صدمةً حقيقية. لطالما ظننتُ أن إيدن شخصٌ طيبٌ وهادئ الطباع. للناس جوانب متعدّدة، لكنني لم أتخيّل أبدًا أنه يمتلك مثل هذا الجانب.
‘ربما حتى الشروط التي طلبها…’
فجأةً، خطر ببالي أن حتى تلك المطالب التافهة – كأن يطلب مني أن أكون شريكته في الحفل أو أن أناديه باسمه – قد تخفي دوافع خفية. عندما رأت صوفي تعبيري الجاد والمتفاجئ، بدت وكأنها حسمت أمرها، فتابعت حديثها بحذر.
“وفي الحقيقة، لم أُخبركِ من قبل لأنني لم أظنّ أن الأمر يستحق إبلاغكِ يا سيدتي …”
“ما الأمر؟”
الآن، انتابني القلق حقًّا ممّا سيُقال عن إيدن. تردّدت صوفي للحظة، ثم فتحت عينيها فجأة.
“عندما كنتُ أتسوّق لشراء لوازم الوليمة.”
“أجل، لا بد أنه كان من الصعب جمع كلّ تلك المستلزمات الضرورية في إمبراطوريةٍ أجنبية. لقد كان عملاً شاقّاً.”
أومأتُ برأسي، وقد فوجئتُ قليلاً بهذا التغيير المفاجئ في الموضوع، متذكّرةً جهد صوفي الدؤوب. فقد اشترت بجدٍّ كلّ أنواع البضائع من عددٍ لا يُحصى من التجّار.
“لم يوزّعوا أيّ منتجٍ من منتجات شركة سبنسر التجارية.”
وبينما كانت صوفي تتحدّث، خطرت ببالها قائمة الـ ٢٨٣ منتجًا التي أعدّتها وقدّمتها للوليمة. كانت قائمةً منظّمةً بدقّة، تتضمّن المنتجات والكميات والأسعار ومصادر الشراء. والمثير للدهشة أن أيًّا منها لم يكن من شركة سبنسر التجارية، أكبر شركةٍ تجاريّةٍ في الإمبراطورية.
“آه… الآن وقد فكّرت في الأمر. هل كان السبب هو سوء سمعة شركة سبنسر التجارية في أوديلو لدرجة أنكِ لم تُكلِّفي نفسكِ عناء شرائها؟”
نظرتُ إلى صوفي، وقد فاجأني هذا الكشف غير المتوقّع. حتى لو كان السبب هو ابن عمّها فقط، تساءلتُ عمّا إذا كان الخلاف العاطفي عميقًا لدرجة مقاطعة منتجات شركة سبنسر التجارية. لكن صوفي هزّت رأسها نفيًا.
“كيف يُعقل هذا، سيدتي؟ لا يمكن لخادمةٍ أن تسمح لمشاعرها الشخصية بالتدخّل في عمل سيّدها.”
“إذن…؟”
توقّفتُ عن الكلام، وتجعّد أنفي بعبوس. إن لم يكن الأمر كذلك، فقد كنتُ في حيرةٍ من أمري لماذا تكشف لي صوفي عن حادثةٍ كهذه من الماضي.
“لأكون دقيقة، لم أتمكّن من شراء أيٍّ من منتجات شركة سبنسر التجارية.”
“لم تتمكّني من شراءها؟ ماذا تقصدين؟”
“للتحضير للوليمة، تواصلتُ بطبيعة الحال مع شركة سبنسر التجارية، أكبر مجموعةٍ تجاريّةٍ في الإمبراطورية. لكن، ولسببٍ غير واضح، رفضوا التعامل مع عائلة الأرشيدوق ريتشارد.”
“ماذا…؟ لماذا؟”
صُدِمتُ لدرجة أنني لم أستطع كتم صرختي. كانت عائلة سبنسر والأرشيدوق ريتشارد متورّطين بالفعل في أعمالٍ تجاريّةٍ أخرى، حتى أن إيدن عرض المساعدة شخصيًا في تحضير الوليمة، مستخدمًا وضعه داخل العائلة كصديق. لكن لماذا هذا الرفض المُفاجِئ للصفقة؟
“كما قلتُ، لم يُذكَر سببٌ مُحدَّد. تلقّيتُ ببساطةٍ ردًّا يفيد بأنه لا يمكن توريد البضائع لظروفٍ أخرى.”
“…..”
“في البداية، ظننتُ أن هناك ضغينةٌ قديمةٌ بين الماركيز الشاب سبنسر والأرشيدوق ريتشارد. حتى في دوقية أوديلو، من الشائع أن تتجنّب العائلات المتناحرة التعامل التجاري. في النهاية، استفسرتُ من عدّة تجّارٍ آخرين واشتريتُ البضائع.”
بدت صوفي متردّدةً بعض الشيء، وربما قلقةً من أن يبدو كلامها تدخّلاً غير لائقٍ منها تجاه سيدتها، لكنها تابعت بهدوء.
“لكن سرعان ما علمتُ أن العائلتين تربطهما علاقة تعاون. علاوةً على ذلك، كان الماركيز الشاب الشهير إيدن سبنسر مقرّبًا جدًا للأرشيدوقية لدرجة أنه كان يعقد معكِ اجتماعاتٍ خاصّةٍ لأغراض تجارية.”
“…..”
“منذ ذلك الحين، انتابني شعورٌ بأن هناك شيئًا ما ليس على ما يرام. واليوم، بعد أن رأيتُ الطريقة التي عاملكِ بها الماركيز الشاب، شعرتُ أنه من واجبي إخباركِ، حتى وإن بدا ذلك غطرسةً مني.”
أخذت صوفي، التي لم تتوقّف عن الكلام، نفسًا عميقًا ونظرت إليّ بنظرةٍ صادقة.
“أقول هذا لأني أخشى أن يكون ذلك الرجل الشرير يُدبِّر مكيدةً ضدكِ.”
ارتجفت عيناي، وهما تحدّقان في صوفي بصمت، وشعرتُ ببرودة أطراف يديّ المتشابكتين. كان قد عرض مساعدتي أولًا، لكنه كان يتدخّل في تحضيرات العشاء سرًّا من خلف ظهري.
شعرت أن نظرة إيدن لم تتأثّر بقصّتي عن العشاء الناجح. ربما كان ذلك صحيحًا.
‘لكن لماذا …؟’
تزاحمت الأسئلة في ذهني المشوّش.
هل السبب هو رفضي لعرضه؟ أم أنه لم يكن صادقًا عندما عرض مساعدتي في العشاء من البداية؟ هل كان يتظاهر بالمساعدة بينما كان ينوي إفساده؟
“على. مَن يريد أن يُفسِد عمله؟ أنا أم بنديكت؟’
كلّما تسارعت أفكاري، ازداد شعوري بالقشعريرة.
شكرتُ صوفي لإخبارها لي، ثم صرفتُها وجلستُ على كرسي مكتبي. بعد أن أخذتُ نفسًا عميقًا، استجمعتُ قواي. وكأنني أعود بالزمن إلى الوراء، بحثتُ في الذكريات التي لا تزال عالقةً في ذهني.
“الآن وقد فكّرتُ في الأمر، حتى ذلك الشرط…”
تذكّرت الاختفاء المفاجئ لعقد ‘شريك الرقص’ الخاص بإيدن.
«شكرًا لكَ على منحي معروفًا في حفل الصيف الماضي. لقد كنتَ لطيفًا بما يكفي لتغيير شروط العقد، لكنني تأخّرتُ شُكرِك.»
« كنتُ منشغلًا بما طلبته السيدة، لذا طلبتُ من بنديكت أن نتجاهل شروط العقد.»
في ذلك الوقت، لم أُعِر الأمر اهتمامًا كبيرًا. لكن ماذا لو لم يستسلم إيدن أولًا، بل أن بنديكت هو مَن تدخّل وألغى العقد؟
“لماذا قد يكذب الماركيز الشاب هكذا؟”
تذكّرتُ العلاقة المتوتّرة بشكلٍ غير معتادٍ بين بنديكت وإيدن. في مرحلةٍ ما، لم يلتقِ إيدن ببنديكت شخصيًا حتى عند زيارته لمقرّ الارشيدوق.
ربما كان بنديكت يعلم طوال الوقت؟ أن لإيدن غايةٌ أخرى.
“كان ذلك بالتأكيد بعد عودتي من دوقية أوديلو.”
استرجعتُ أحداث أوديلو واحدةً تلو الأخرى. وبينما كنتُ أستعرض تلك المشاهد العبثية مع الملك المتعصّب، ووصولي إلى حديقة المتاهة المُحترقة، عاد رعب تلك اللحظة إلى ذاكرتي، فارتجف جسدي. وبينما كنتُ على وشك الانتقال إلى مشهدٍ آخر، توقّف المشهد الذي يدور في ذهني فجأة، كما لو أنني ضغطتُ زر الإيقاف المؤقت.
“……!”
استقبلني إيدن، وكنتُ قد أفقتُ لتوّي من غيبوبتي. بشعره المرتّب، وبدلته الكريمية الأنيقة كما لو كانت جديدة. قال إنه كان يراقب غرفتي طوال الليل حتى استيقظتُ. ولكن كيف يمكن للشخص الذي أنقذني من ذلك الجحيم المستعر أن يكون بهذه السلامة والنظافة؟
«على أيّ حال، كنتِ في ورطةٍ حقيقية. كنتِ محاصرةً في حديقة المتاهة المحترقة، فاقدةً للوعي، وبالكاد تم التمكّن من إنقاذكِ.»
جُملةٌ بلا فاعل.
«شكرًا لك، ماركيز. بفضلكَ، أنا على قيد الحياة.»
«لا داعي للشكر.»
بالتفكير في الأمر، لم يعترف قط بأنه أنقذني من النيران.
“إذن… الشخص الذي أنقذني حينها…”
كان إدراكًا صادمًا. قفزتُ فجأةً من مكاني، بعد أن كنتُ أُتمتم بغير وعي.
التعليقات لهذا الفصل " 75"