فكّ بنديكت، الذي خرج إلى الحديقة حاملاً سيفه الأثمن، أزرار قميصه بتعبيرٍ عازم. إذا كان فيكتور مُحقًّا، فمن الواضح أن إيلينا كانت تعاني من فترةٍ وجيزةٍ من ‘الملل’.
«للتغلّب على الملل، يحتاج شعادة الأرشيدوق، أعني، يحتاج ذلك الشخص إلى استحضار سحره، ليُعيد قلب الطرف الذي سَئِم منه.»
«فهمت. سأحرص على إيصال هذا إلى الشخص المعني. بالمناسبة، ما رأيكَ فيما قد يكون سحري؟»
«سـ سحر صاحب السعادة؟»
حرص بنديكت على التظاهر بأنه ليس هو المَعنيّ حتى لا يلاحظ فيكتور. وبفضل براعته، بدا فيكتور غافلاً.
«يا صاحب السعادة، تبدو في غاية الرّوعة عندما تلوّح بسيفك. إضافةً إلى ذلك، لا يمكن لأيّ امرأةٍ ألّا تُفتَن بجسدكَ مفتول العضلات. عضلات صدر رجلٍ متعرّقة! هذا هو سرّ الجاذبية.»
«…..!»
اتسعت عيناه وهو يُدرِك الأمر. بالنظر إلى الوراء، كانت إيلينا تُحدِّق في جسده منذ توقيعهما العقد، وبالأمس فقط، أثنت على عضلات صدره أمام ولي العهد وزوجته. لا شك أن إيلينا كانت مفتونةً بعضلاته.
لذا، قرّر بنديكت أن يُظهِر مفاتنه على أكمل وجه، أينما مرّت إيلينا.
“هذا يكفي.”
في لمح البصر، أنجز مئة تمرين ضغط، ثم نظر على صدره وعضلات ذراعيه البارزة بنظرةٍ راضية. كانت قطرات العرق التي تشكّلت على بشرته المشدودة والناعمة تمامًا كما نصحه فيكتور.
“أخبرتني أنها ستستكشف الحديقة اليوم.”
راجع الجدول الذي شاركته معه إيلينا عرضًا أثناء الإفطار. أخيرًا، كانت إيلينا تسير نحوه.
“حان الوقت.”
لوّح بنديكت بسيفه بحماسٍ لم يسبق له مثيل. في يده، شقّ نصلٌ حادٌّ طريقه عبر الريح كالعاصفة.
ضربة – ووش!
بترهيب، بضراوة، بنيّة قتل. بذل بنديكت كلّ ما في وسعه. حتى أعداءه في ساحة المعركة كان سيصيبهم الذهول وسيشعرون بالرهبة تجاهه في آنٍ واحدٍ إن شاهدوا مهارته الفائقة في المبارزة. كان جماله الجسدي كافيًا لأسر إيلينا مرّةً أخرى.
تحت أشعة الشمس الساطعة، لمع النصل الحاد، وبرزت عروقه على عضلاته المفتولة. عند هذا المنظر، انفرج فم إيلينا دهشةً.
‘يا إلهي … ما هذا!’
كان مشهد بنديكت، عاريًا يرقص بسيفه في وسط الحديقة، مُحيّرًا للغاية، بل مُرعِبًا.
‘يـ يا لك من وغد…؟’
كان لديه من الشراسة ما يكفي لذبح سجين. علاوةً على ذلك، كانت عضلاته منتفخةً بشكلٍ لا يُصدَّق، وقوّته لا يمكن إنكارها، وكان مُرعبًا لدرجة أن أيّ شخصٍ يقترب منه يشعر وكأنه لا يستطيع حتى التقاط أنفاسه. علاوةً على ذلك، سرت قشعريرةٌ في جسدها عند رؤية النصل يلمع بتهديدٍ في الهواء.
غمرها جوٌّ خانقٌ جعلها تشعر وكأنه قادرٌ على قتل أيّ شخصٍ في أيّ لحظة، فتردّدت إيلينا وتوقّفت عن المشي.
“…..!”
ما إن توقّفت، حتى اشتعلت عينا بنديكت بنظرةٍ حادة. حدّق في إيلينا بتمعّن، كما لو كان ينتظر هذه اللحظة، ولوّح بسيفه بشراسةٍ أكبر.
‘ألا يُعَدُّ هذا تهديدًا صامتًا؟ كأنه يُنبِّهُني إلى توخّي الحذر في تصرّفاتي مستقبلًا…؟’
ابتلعت إيلينا ريقها، وشعرت بجفافٍ في فمها.
كان بنديكت قد تبادل النظرات مع إيلينا، على أمل أن تتوقّف وتُبدي اهتمامًا بجسده، على أمل أن يزيد هذا من جاذبيته في نظرها. لسوء الحظ، لم تُثمِر نواياه الحسنة إلّا الخوف في قلب إيلينا.
‘أظن أن هذه هي الهوية الحقيقية للقاتل.’
سرت قشعريرةٌ في جسدها. شعرت وكأنها اكتشفت أخيرًا حقيقة اللقب الذي أطلقه الناس على ‘الأرشيدوق ريتشارد’. في النهاية، تملّكها الخوف، فأسرعت بالرحيل متجنّبةً نظرات بنديكت الثاقبة.
* * *
في ذلك المساء، في مكتبه، مسح بنديكت ذقنه، بدا عليه التردّد حيال الموقف. كان تعبير وجهه جادًا.
“ألم يكن ذلك كافيًا لتتخلّص من مللها اتجاهي؟”
هذا الصباح، بدت إيلينا متأثّرةً قليلًا بسحره. لكن تلك كانت للحظةٍ فقط. قبل أن يتمكّن من استعراض أسلوبه المميّز في لفّ السيف، استدارت فجأةً، وعادت إلى القصر.
“إذن، أعتقد أنني سأُعوِّضُ ذلك على العشاء.”
استعدّ بنديكت لفرصةٍ أخرى بتعبيرٍ يوحي بالإصرار.
وأخيرًا، حان وقت العشاء. كانت مائدة الطعام في غرفة الطعام بالمنزل أكثر فخامةً من المعتاد. كان الطعام مُرتّبًا ببذخ، والشموع تُضفي جوًّا دافئًا. حدّقت إيلينا في صوفي بعيونٍ واسعة.
“أوه، صوفي. ما المناسبة اليوم؟”
“لا، ظننتُ أنكِ كنتِ مشغولةً للغاية في الفترة السابقة بتحضير العشاء لصاحب السمو، لذا أعددتُ لكِ شيئًا مميّزًا.”
ضيّقت صوفي عينيها وابتسمت، ثم نظرت إلى بنديكت. أومأ بنديكت برأسه قليلًا. كان قد طلب من صوفي بلطفٍ أن تُولي اهتمامًا خاصًّا للعشاء هذه الليلة.
“شكرًا لكِ، صوفي. لا بدّ أن طهي قطعة اللحم الكبيرة هذه كان صعبًا.”
حدّقت إيلينا بإعجابٍ في لحم البقر المشويّ السميك والشهي على الصينية التي أحضرها الطاهي.
“آحم، احم.”
بعد قليل، سعل بنديكت بخفّةٍ ونهض بهدوءٍ من مقعده. ثم اقترب من صينية لحم البقر المشوي، متذكّراً نصيحة فيكتور الثانية.
«هل تُحبّ النساء الرجال الأشرار؟ لا، هذا خطأ. قد ينجذبن إلى الصراحة في البداية، لكنهن في النهاية سيرضين برجلٍ لطيف. رجلٌ يُعطي من أجلها ما تشاء – هذا هو الأهم.»
أومأ برأسه مرةً واحدة، وكأنه يُطمئن نفسه، ثم اقترب من الصينية.
“….؟”
توقّف الطاهي للحظةٍ أمام الحركة المُفاجئة. كان على وشك تقطيع لحم البقر المشويّ الضخم والساخن إلى قطعٍ صغيرةٍ وتقديمه للأرشيدوق والأرشيدوقة.
“سأفعل أنا ذلك.”
“هاه؟”
بينما كان الطاهي مذهولًا من هذا الموقف غير المسبوق، انتزع بنديكت شوكة التقطيع وسكين اللحم من يديه.
حدّقت إيلينا في بنديكت بدهشة، وهو يُمسِك بالسلاحين الحادّين. كان يُقطِّع اللحم السميك بمهارةٍ فائقة. مع كلّ حركةٍ بارعةٍ من يديه، كان الدم القرمزي يسيل من شقوق اللحم متوسّط النضج. كان المنظر مُرعبًا لدرجة أن كتفيّ إيلينا ارتجفتا. مدّ بنديكت قطع اللحم التي قطّعها.
“ما رأيكِ بهذا؟ هل هذا يكفي؟”
“نـ نعم…”
أومأت إيلينا بتردّد، عندها غرز بنديكت شوكة التقطيع في اللحم. انطلقت شهقة دهشةٍ من بين أسنان إيلينا. أخيرًا، وضع بنديكت، ممسكًا اللحم بحرصٍ بشوكة التقطيع وسكين اللحم، شريحةً سميكةً من اللحم على الطبق أمامها.
“شـ شكرًا لك، بنديكت.”
رفعت إيلينا عينيها بتردّدٍ لتُعرِب عن امتنانها. أخيرًا، التقت عينا بنديكت بعينيها وابتسم ابتسامةً عريضةً كاشفًا عن أسنانه.
«أهمُّ ما يُميِّزُ الرجل اللطيف هو الابتسامة الرقيقة والتواصل البصري المُحِبّ.»
وبينما كان يُطبّق نصيحة فيكتور الثالثة بإخلاص، سقطت الشوكة من يد إيلينا.
رنين!
أحدثت الشوكة الساقطة صوتًا حادًّا على طبق الخزف الأنيق. ارتجفت يدا إيلينا الشاحبتان. كانت ابتسامة بنديكت، وفمه المفتوح على مصراعيه، وهو يُمسِك سكينًا ملطّخًا بالدماء في إحدى يديه، مُرعِبةً بحدّ ذاتها.
‘في الصباح، ثم الآن أيضًا، تهديدٌ جديد…’
سال العرق البارد على عمودها الفقري. في الصباح، أراها كيف يلوّح بالسيف في الهواء، والآن كان يقطع اللحم بوحشية. وفوق كلّ ذلك، هو الذي عادةً لا يرتجف وجهه ولو قليلًا، كان يحدّق الآن في عينيها مباشرةً، وابتسامةٌ مُرعبةٌ تعلو شفتيه!
“امم، لـ لديّ بعض العمل لأُنجزه…”
في النهاية، بالكاد أنهت إيلينا نصف شريحة اللحم قبل أن تغادر غرفة الطعام، مُسرِعةً إلى مكتبها.
في تلك الليلة.
كان بنديكت يتنهّد وهو يجرّ قدميه في الممرّ الهادئ المُظلم.
‘فيكتور ذلك! يا له من أحمق!’
لقد اتّبع تعليماته بدقّةٍ وإخلاصٍ كوسيلةٍ للتغلّب على الملل. ولكن بدلًا من التغلّب عليه، بدا الأمر وكأنه زاد الطين بلّة. لم يقتصر الأمر على ازدياد التوتّر بينه وبين إيلينا منذ شجارهما، بل إن إيلينا بدأت تتجنّبه علنًا.
‘,لم يقدّم لي أيّ نصيحةٍ أخرى.’
فرك بنديكت وجهه بيده بنفاذ صبر.
لم يُعطِه فيكتور سوى ثلاثة خيارات. لكن لم ينجح أيٌّ منها، وكان وضعه ميؤوسًا منه.
“هل هذه هي النهاية…؟”
أطلق تنهيدةً عميقة، تنهيدة يأس. لم يُرِد أن يبتعد عن إيلينا مجدّدًا. مع هذه الأفكار في رأسه، توقّف فجأةً عن المشي وأدار رأسه ببطء. عندما استعاد وعيه، كان يقف أمام مكتب إيلينا.
وأخيرًا، كما لو كان مسكونًا، امتدّت يده نحو الباب.
التعليقات لهذا الفصل " 73"