اتسعت عينا إيلينا، وكأنها لم تسمع جيدًا. وللتأكد، أزاحت خصلة شعرها المتدلّية على أذنها برفق.
“ليس الأرشيدوق، بل نادِني بيني كما في السابق.”
“امم… لكن كيف أُنادي الأرشيدوق … بـ بهذا…”
تلعثمت إيلينا مرتبكةً من الاقتراح المفاجئ. عندما رأى بنديكت ترددها، ازداد صوته قوّة.
“إذا استمررتِ في مناداة زوجكِ بالأرشيدوق، فقد يرى الناس أن الأمر غريب. لقد رأيتُكِ تنادين ولي العهد باسمه الأول قبل قليلٍ أيضًا.”
اتّسع فم إيلينا ورمشت عيناها، وشعرت أن الموقف قد انقلب رأسًا على عقب. لطالما كانت هي مَن تنصحه بالتصرّف كزوجين حقيقيين، مراعين ما قد يفكّر به الآخرين.
“حـ حسنًا… سأناديك بنديكت حاليًّا.”
بعد أن قالت ذلك، احمرّت وجنتاها. كان من دواعي الارتياح أن ضوء المصباح الزيتي كان خافتًا. أين اختفى ذلك المظهر الأنيق والنبيل الذي حافظت عليه طوال الليل؟ بعد هذه الكلمات، هرعت إيلينا عائدةً إلى المنزل، يكاد مشيها يتحوّل إلى ركض.
وأخيرًا، عندما استدار بنديكت في الاتجاه الذي اختفت فيه إيلينا، تسلّل ضوء المصباح الزيتي الخافت إلى وجهه. ارتسمت على شفتيه، اللتين استرختا تمامًا، ابتسامةٌ خفيفة.
* * *
في صباح اليوم التالي. في مكتب بنديكت الذي يقع في زاوية الطابق الثاني من منزل الأرشيدوق ريتشارد. كانت الغرفة المربّعة الأنيقة والنظيفة، تغمرها أشعة الشمس الصفراء الساطعة، تعجّ بالهمهمات.
“سعادتك، آمل ألّا يكون صاحب السمو الملكي قد دسّ السم في طعام العشاء أمس؟”
حدّق فيكتور، الذي زار المكتب في الصباح الباكر، في المشهد غير المألوف الذي يتكشّف أمامه. عبس بنديكت في مساعده وأجابه بلا مبالاة.
“ربما قد فعل.”
شهق فيكتور، الذي توقّع أن يتلقّى نظرةً حادّةً بسبب حديثه المتغطرس مجدّدًا. تأمّل وجه بنديكت بتردّد، وشعر بشيءٍ من القلق.
“أوه، أ-أنتَ لم تفقد عقلكَ تمامًا بعد، أليس كذلك؟”
“يبدو أنكَ تنسى أحيانًا أنني رئيسُك.”
وبّخه، لكن صوته لم يكن تهديديًا ولا قاسيًا. تراجع فيكتور إلى مقعده متمايلًا، وقد بدت عليه علامات الذهول. كان هذا اليوم أفضل يومٍ شعر به منذ أن التقى برئيسه.
“أشعر ببعض الخوف الآن.”
ارتجف فيكتور، وبدا على وجهه الجدية. لكن بنديكت تجاهله واستمرّ في تصفّح كومة الصحف الصباحية.
“صمت الصحف هذا الصباح يكفي ليجعلني أشعر بالراحة.”
حاول أن يشرح ببرودٍ أنه في مزاجٍ جيد، بفضل عدم وجود مقالاتٍ سلبيةٍ عنه، وبفضل نجاح عشاء الأمس. لكن في الحقيقة، كان سعيدًا للغاية لدرجة أنه كاد يغمى عليه. تمكّن بنديكت بالكاد من كتم ابتسامته.
‘إيلينا عادت كالسابق.’
الليلة الماضية، دافعت عنه عندما أهانه لورانس، بل وابتسمت له. و…
‘حتى أنها نادتني بلقبي بودّ.’
ألم تُثنِ على جسده علنًا واعترفت بأنه حبّها الأول؟
ارتجف أنف بنديكت. هذا الصباح، اقترحت إيلينا حتى أن يتناولا الفطور معًا.
«طوال الوقت، هل كان الشخص الذي كان يحمل وجبة الإفطار إلى غرفتي هو الدوق الأكبر… آه، بنديكت؟»
اقترحت إيلينا، ووجهها مُحمرٌّ قليلًا، أن يتناولا الفطور معًا في غرفة الطعام، فلا داعي لإحضاره بعد الآن، وبدت للوهلة الأولى كالملاك. بالطبع، لم يرَ ملاكًا من قبل.
‘من الواضح أن إيلينا كانت تحبّني دائمًا.’
تراقصت مشاعر الأمل والسعادة في ذهن بنديكت. عند هذه الفكرة، انفرج فمه مرّةً أخرى.
“هل السبب حقًا هو مقال الصحيفة؟”
“إذن ما السبب؟”
أمال فيكتور رأسه مستغربًا من موقف بنديكت المتجاهل.
“يا صاحب السعادة، وجهكَ الآن كوجه مُراهقٍ صغير، يُمعِن النظر في تفاصيلٍ صغيرةٍ تبدو تافهةً مع مَن يُحبُّها، ويُضفي عليها أهميّةً بالغةً مئات المرّات.”
“ألم تَقُل إن لديكَ ما تُبلغني به اليوم؟”
أصبح صوت بنديكت باردًا جدًا، كما لو أنه تعرّض لعاصفةٍ حادّةٍ جليدية. استرخى وجه فيكتور، كما لو أنه عاد إلى منزله.
“الآن فقط بدأت تشبه قليلاً الأرشيدوق الذي أعرفه.”
بتعبيرٍ مُرتاح، أبلغ فيكتور عن حالة إنتاج أسلحة الأقليم. وبهذا المعدل، تسير الأمور بسلاسةٍ كافيةٍ للوفاء بالعقد مع لورانس. وأضاف أنه إذا بدأت الساعات والأسلحة بالتداول في آنٍ واحد، فقد يصبح الوضع المالي للأرشيدوقية قريبًا مُشابهًا لما كان عليه قبل مصادرة ممتلكات بنديكت.
“مَن كان ليتخيّل أن الأرشيدوقيّة ستتغيّر هكذا حتى قبل بضعة أشهر؟ كلّ الفضل يعود لصاحبة السمو الأرشيدوقة.”
ابتسم فيكتور بسعادةٍ وأثنى على إيلينا. ثم سعل بنديكت.
“حسنًا… عندما ذكرتَ التغيير، خطر لي فكرةٌ فجأةً، دون سابق إنذار.”
نظر فيكتور إلى بنديكت، الذي بدا متردّدًا ويُراوغ في كلامه على غير العادة. لم يكن رئيسه من النوع الذي يتّسم بالغموض، بل كان دائمًا يتحدّث بوضوحٍ وصراحة. ولكن ما الذي كان يحاول قوله بهذه المقدّمة الطويلة؟ ضيّق فيكتور عينيه.
“حسنًا… بين الرجال والنساء، ما رأيكَ في سبب تغيّر السلوك والموقف عندما لا تتغيّر مشاعرهم؟”
“هاه…؟”
“مثل أن يصبحوا فجأةً باردين أو يحاولوا الابتعاد بطريقةٍ مُربِكة…”
كانت هذه استشارةً في العلاقات لم يتخيّلها قط، ومن الأرشيدوق أكثر من أيّ شخصٍ آخر. رمش فيكتور، وعيناه متّسعتان، ثم ابتلع ريقه. ثم أبدى رأيه بحذر.
“حسنًا… ربما يكون ‘الملل’؟”
“…الملل؟”
عبس بنديكت عند سماعه الكلمة الغريبة. لقد عاش في عُزلة، غير قادرٍ على تكوين أيّ علاقاتٍ حقيقيةٍ خارج نطاق رفاقه في ساحة المعركة. لذلك، لم يكن لديه أدنى فكرةٍ عن العلاقات الشخصية، وخاصّة تلك التي بين الجنسين.
أومأ فيكتور برأسه إلى بنديكت الذي سأله في دهشة.
“صحيح. خاصّةً بعد الزواج، قد يخبو الحب أو حتى يصبح فاتراً بعد فترةٍ من الزمن. يقولون إنه قد يكون أقوى عندما كانت العلاقة جيدةً أو كان الحبّ عميقاً.”
لعق بنديكت شفتيه، غارقاً في كلمات فيكتور، بعد أن جفّت من التوتر.
“عندما يتسلّل الملل بين شخصين… ماذا عليكَ أن تفعل؟”
“همم، ألا يجب عليكَ التغلّب عليه؟”
“إذن، كيف …؟”
سأل بنديكت مجدّداً، مُحبَطاً. كان جسده مُنحنياً بالفعل، ملتصقاً بفيكتور بشدّة. رفع فيكتور حاجبه مستغرباً.
“هل … تبدو الأرشيدوقة كهذا هذه الأيام؟”
مع هذه الكلمات، انزلق سيفٌ حادٌّ من خصر بنديكت.
“أيّ قانونٍ عسكريٍّ يسمح لكَ برفض الإجابة على سؤال رئيسك وتوجيه سؤالٍ له بدلاً من ذلك؟”
“…..!”
انطبق فم فيكتور فجأةً أمام ذلك المشهد المروّع. كان شعورًا قاتلًا حادًّا لم يختبره منذ زمنٍ طويل. دوّى صوتٌ شريرٌ من أعماق عقل بنديكت.
“تبدو حُرًّا ومتفرّغًا تمامًا.”
“لا! سأعود إلى العمل فورًا!”
قفز فيكتور واقفًا وانحنى بشدّةٍ كتحية. وبينما كان على وشك الفرار محاولًا منع المزيد من الشرارات من التطاير،
“انتظر.”
“نـ نعم…؟”
عند سماعه الصوت الذي أجبره على التوقّف، التفت فيكتور إلى بنديكت، وهو لا يزال مُمسكًا بمقبض الباب بيدٍ واحدة.
“أولًا، دعنا نكتشف كيف نتغلّب على هذا الملل.”
تذبذبت نظرة بنديكت بين الكرسي الفارغ أمامه وفيكتور.
* * *
بعد الإفطار، كانت إيلينا وصوفي في طريقهما لاستكشاف الحديقة. حوّلت صوفي، الخبيرة في تصميم الديكورات الداخلية للقصور، حتى الحديقة المتواضعة المُلحقة بالمنزل إلى ما يُذكِّرهم بقصرٍ ملكي. ورغم صغر حجمها، إلّا أنها كانت تُشبِه حديقة المتاهة الرائعة التي رأتها في قصر أوديلو.
“بفضل صوفي، يبدو أن القصر يكتمل بشكلٍ جميل. أنا ممتنّةٌ لكِ دائمًا.”
“لا داعي لكلّ هذا اللطف. ما زال أمامي طريقٌ طويلٌ لأردّ لكِ جميلكِ، سيدتي.”
بينما كانت إيلينا تتجوّل في الحديقة مبتسمة، تُثني على عمل صوفي.
تشينغ
شقّ سيفٌ حادٌّ الهواء من أحد جوانب الحديقة. تسبّب صوت المعدن المُخيف في ارتداد رقبة إيلينا إلى الخلف.
“….!”
انفرج فم إيلينا من هول ما رأت. في وسط الحديقة الفسيحة، كان بنديكت يُلوّح بسيفه، عاري الصدر.
التعليقات لهذا الفصل " 72"