“في الآونة الأخيرة، أصبح يمرّ بالمطبخ كلّ صباحٍ ويُحضِر الفطور إلى غرفتكِ.”
“الأرشيدوق؟”
اتّسعت عيناي. لم أكن قد لاحظتُ هذا الأمر إطلاقًا. لطالما ظننتُ أن الخدم هم مَن يُحضِرونه لي، إذ كان هناك فطورٌ ينتظرني عند الباب كلّ صباح. افترضتُ أنهم لا يطرقون الباب خوفًا من إزعاج نومي.
“في اليوم الأول الذي جئتُ فيه إلى هذا القصر، كان هناك فطورٌ عند الباب. أنا متأكدةٌ أنه كان من صاحب السعادة أيضًا.”
“لماذا بحق السماء…؟”
لم أستطع الفهم. لماذا يُحضِر الأرشيدوق طعامي إلى غرفتي، ولماذا يغادر دون حتى أن يُعلِن عن وجوده؟ عبستُ قليلًا، لكن صوفي تابعت بغض النظر عن تعبيري.
“أحببتُ كيف كان صاحب السعادة يُعِدّ وجباتكِ بنفسه. فكّرت كم ستكونين سعيدةً بالاستيقاظ على وجهه كلّ صباح!'”
“…..”
عندما سمعتُ تصرّفاته من منظور شخصٍ آخر، بدا لي عاشقًا استثنائيًا حقًا. لكن لماذا؟
هل كان يحاول خداع خدم القصر؟
لم يتّسع خيالي إلّا لهذا الحد. لقد قرّرنا التظاهر بأننا زوجان متحابّان، حتى لو كان ذلك يعني إخفاء علاقتنا المضطربة. لكنني لم أستطع تخيّل أن الأرشيدوق ريتشارد الذي أعرفه كان ليخطّط لمثل هذا التصرّف المُحرِج بمفرده.
أمالت صوفي رأسها.
“بالتفكير في الأمر، رأيتُ سعادة الأرشيدوق واقفًا أمام غرفة نومكِ في وقتٍ متأخّرٍ من إحدى الليالي.”
“في الليل …؟”
“نعم، لقد عاد إلى المنزل متأخّرًا. وبقي أمام باب غرفة نومكِ لوقتٍ طويل. يبدو هائمًا بكِ حقًا حتى يبحث عنكِ في هذه الساعة.”
انفرج فكي المشدود قليلًا. هذا يعني أنه كان يتسكّع أمام بابي ليلًا ونهارًا. لم أره هكذا من قبل. داعبت صوفي ذقنها، ووجهها غارقٌ في التفكير.
“بدا وكأنه يريد أن يقول شيئًا ما …”
رمشتُ ببطء. ماذا عساه يريد أن يقول لي ليتردّد كلّ هذا التردّد؟ شعرتُ بدوارٍ خفيف.
“على أيّ حال، صاحب السمو الملكي ولي العهد وزوجته سيزوراننا غدًا، لذا سأُلقي نظرةً أخيرةً على القصر. صوفي، تحمّلي قليلًا فقط.”
“حاضر، سيدتي.”
رتّبتُ المكان بسرعةٍ ونهضتُ، محاولةً ألّا أغرق في التفكير. في الوقت نفسه، نظرتُ إلى معطفه الذي اخترتُه له وأطلقتُ تنهيدةً خفيفة. كان ذهني مشوّشًا بعض الشيء. غدًا، سأُقابل حتمًا الأرشيدوق ريتشارد.
* * *
في اليوم التالي.
توقّفت عربةٌ ضخمةٌ أمام القصر. خرج لورانس من العربة، ونظر إلى المبنى الرمادي الباهت بنظرةٍ متعجرفة.
‘إنه رثٌّ كما توقّعت.’
ارتسمت على شفتي لورانس ابتسامةً ساخرة. كان الأمر كما توقّع. مبنًى بالكاد مؤثّثٌ بشكلٍ لائق، بالكاد يستحق حتى أن يُطلَق عليه قصر. بالمقارنة مع منزل بنديكت السابق، الذي صادرته العائلة الإمبراطورية، كان رثّاً للغاية.
‘أنا أبالغ في الحذر بشأن هذا الشيء الصغير.’
معظم ثروة بنديكت كانت في الأصل من استثماراته، وكان الأرشيدوق فقيراً لدرجة أنه لم يكن يملك حتى القدرة على دفع الضرائب. لذلك، اعتقد أنه إذا حاسب بنديكت وصادر ممتلكاته، فسوف ينفد ماله في النهاية ويواجه سقوطاً مدوّياً، حتى بدون أيّ تدخّل.
لكن بعد ذلك، ولسببٍ ما، وردت تقاريرٌ تفيد بأن الوضع المالي للأرشيدوق ريتشارد قد تحسّن بشكلٍ ملحوظ. كان السبب هو توزيع الساعات الفاخرة، وهو أمرٌ لم تكن الإمبراطورية تحلم بإنتاجه قط.
‘ظننتُ أنها متعجرفةٌ جدًا بقدومها، يا لها من امرأةٍ مميّزة!’
حتى الآن، ما زال يشعر بالدهشة عندما يتذكّر حين جاءته الأرشيدوقة وتصرّفت بوقاحةٍ بالغة.
كان متوتّرًا للغاية حين سمع أن بنديكت، الذي كان يطمع في فيفيان، قد تزوّج دون مراسم زفاف. لكن مخاوفه كانت في غير محلّها، فالأرشيدوقة التي قابلها أوّل مرّةٍ في قاعة المحكمة كانت في غاية الرثاء. بدا وضعها المتواضع مُناسبًا تمامًا لبنديكت، الابن غير الشرعي. ورغم مكانتها المتواضعة، إلّا أنها كانت مختلفةً تمامًا عن فيفيان، التي أشرقت منذ اللحظة الأولى التي التقيا فيها.
لكن …
شعر أن هناك خطبًا ما حين فتحت فمها. بدأت عينا المرأة الرثّة تتوهّجان بشدّة. ثم، تحدّت أخيرًا إرادة المحكمة. هذا التحوّل غير المتوقّع للأحداث أشعل غضبه. وافق القاضي، وهو يتوسّل بدموعٍ تكاد تنهمر، متحدّثًا عن الدستور الإمبراطوري والرأي العام، على إظهار الرحمة وإطلاق سراح بنديكت من السجن.
ليتها كانت ممتنّةً فقط وعاشت في هدوءٍ بعد ذلك. لكن في النهاية، كان من المثير للاشمئزاز أن تأتي ماشيةً على قدميها إلى قصر ولي العهد لتقترح مثل هذه الصفقة المُتغطرسة.
‘كنتُ فضولياً لأرى إلى أيّ مدًى ستتمادى، لكن يبدو أنه لم يبقَ شيءٌ لأراه.’
سخر لورانس. إذا كان مظهر المبنى الخارجي هكذا، فمن الطبيعي أن يكون داخله متوقّعاً. كانت النهاية أقلّ إرضاءً مما توقّع، لكن ارتسمت على شفتيه ابتسامة رضًا على أيّ حال.
‘كان من حسن حظي أنني طلبتُ من الطاهي الملكي إعداد العشاء.’
من المرجح أن الأرشيدوقة، بأوامره السرية، لم تكن قادرةً حتى على توفير خادمةٍ لائقة. كان يخطّط لمغادرة قاعة الولائم فورًا، دون أن يمسّ الطعام، بوجهٍ عابس. كان من المقرّر أن تُذاع قصّة مغادرة ولي العهد منزل ريتشارد دون أن يأكل في جميع أنحاء الإمبراطورية بحلول اليوم التالي عبر مراسلين رتّبهم مُسبقًا.
‘سأُريهم ما يحدث عندما يتصرّف المرء دون فهم مكانته ودون خوف.’
كان هو ولي العهد، وكانت هي امرأةٌ من عامة الشعب. بإضافة بندٍ بسيطٍ واحدٍ إلى العقد، كان بإمكان لورانس أن يُهين بنديكت وزوجته إلى أدنى مراتب الإمبراطورية، ليصبحوا أسوأ من حجرٍ يتدحرج على جانب الطريق.
ابتسمت فيفيان، التي رافقها لورانس خارج العربة، ابتسامةً مُشرقةً له.
“لا أطيق الانتظار لأرى أيّ نوعٍ من الطعام أعدّته لنا الأرشيدوقة ريتشارد.”
“وأنا متحمّسٌ جدًا أيضًا.”
استجاب لورانس لابتسامة فيفيان المُشرقة، فأمسك بيدها وابتسم ابتسامةً ساخرة. بدت فيفيان البريئة غافلةً تمامًا عن مغزى عشاء الليلة. لطالما رأت العالم مكانًا ساحر الجمال، كانت غافلةً لدرجة أنه شعر بغريزة حمايةٍ تجاهها. بالطبع، كان هذا تحديدًا سبب انجذابه إلى فيفيان.
“أهلًا وسهلًا، يا صاحب السمو.”
انحنى بنديكت لتحيّته، مُتظاهرًا بأنه من رجال الحاشية المحترمين. أومأ لورانس برأسه بتعجرف. مع أنه أخوه غير الشقيق من الناحية القانونية، إلّا أنه لم يعتبره أخًا قط، نظرًا لأصله المتواضع. أدار لورانس رأسه، باحثًا عن تلك المرأة البسيطة التي تُشبه بنديكت تمامًا.
“أين الزوجة التي تليق بالأرشيدوق؟”
“أهلًا وسهلًا، يا صاحب السمو ولي العهد وولية العهد. كنّا بانتظاركم.”
في تلك اللحظة، ظهرت سيدةٌ جميلةٌ بين صفّي الخدم. ارتجفت حواجب لورانس قليلاً. كان يتوقّع أن تكون مرتبكةً ومُهمِلة. لكن إيلينا التي ظهرت أخيرًا، كانت أنيقةً في شعرها ولباسها، وكانت ابتسامتها له تنمّ عن رباطة جأش. ربما بدت أكثر نُبلاً من فيفيان.
“…..”
بدلاً من الرّد، تجهّم وجه لورانس. ارتجفت شفتا بنديكت، المطبقتان كما لو كانتا غير مباليتين، قليلاً، كما لو كان يحاول كبت فرحته. على ما يبدو، اعتبر كلماته مدحًا، مجاملةٌ حول مدى ملاءمة إيلينا له، التي لا تزال تحمل صورة عامّة الشعب. لقد سخر من إيلينا، التي لا تزال متمسّكة بصورتها العامّية، لكونها مناسبة للأرشيدوق غير الشرعي.
“آمل أن ترقى مأدبة اليوم إلى مستوى توقّعات سموّكم.”
تقدّمت إيلينا، كأنها سيدةٌ نبيلةٌ متمرّسة، وهي تقود ولي العهد وزوجته إلى قاعة الولائم. نظرت فيفيان حولها بعيونٍ متّسعةٍ وهي تسير في القاعة.
“يا إلهي، الديكور الداخلي جميلٌ حقًا.”
“يسعدني أن ذوقي قد أعجبكِ.”
بالطبع، لم يكن ذوقها، بل كان ما أوصت به صوفي، قائلةً إنه رائجٌ في إقليم أوديلو. أجابت إيلينا بخبث. وازداد عبوس لورانس مع كلّ خطوة، لأنه لم يتوقّع موقفًا كهذا.
أخيرًا، وصلوا إلى قاعة الولائم. انحنت إيلينا انحناءةً خفيفة.
“شكرًا لكم على حضوركم إلى هذا المكان المتواضع. آمل أن تستمتعوا بالطعام.”
“…..!”
بمجرّد أن دخلوا، نظر لورانس حول قاعة الولائم بذهول.
التعليقات لهذا الفصل " 69"