هزّت إيلينا معصمها النحيل بقوّةٍ لتتخلّص من لمسة بنديكت. قالت إيلينا بحزم، وما زالت تُدير رأسها عنه.
“لا أريد رؤية الأرشيدوق الآن.”
للحظة، تجمّدت خطواته، التي كانت على وشك اللّحاق بها، كما لو كان قد تجذّر في الأرض. خنقه صوتها المُبلَّل والمُرتجف.
“تباً.”
وقف هناك، مذهولاً، في المكان الذي اختفت فيه إيلينا، ومسح وجنتيه المتعبتين الشاحبتين. من الواضح أن هذا لم يكن ما جاء من أجله راكضاً كلّ هذه المسافة. كلّ شيءٍ كان فوضًى عارمة.
* * *
في صباح اليوم التالي.
كنتُ مستلقيةً وحدي في السرير، أُحدِّق في السقف بشرود. عندما رمشتُ، شعرتُ بوخزٍ في جفوني الحمراء المتورّمة.
‘هذا أسوأ ما في الأمر.’
بدا لي أن ما فعلتُه للأرشيدوق ريتشارد لم يكن سوى إزعاجٍ لا طائل منه. نهضتُ من مضجعي وجلستُ إلى الطاولة الصغيرة. أخرجتُ ورقةً وقلمًا. كنتُ أنوي كتابة رسالةٍ إلى إيدن.
“يبدو أنه أمرٌ يُزعجه للغاية …”
ربما شعر هو أيضًا بوخزة فخرٍ لأنه اضطرّ لطلب المساعدة من صديقه القديم. مُحاوِلةً فهم الأرشيدوق، ختمتُ رسالتي القصيرة قائلةً ‘سأهتمّ بدعوة ولي العهد وزوجته، فلا تقلق بشأن ذلك’.
“همم…”
تسلّلت تنهيدةٌ خافتةٌ عبر الظرف الأصفر الباهت. الآن وقد استسلمتُ للأمر، شعرتُ براحةٍ أكبر.
“هاه، مهما يكن ما سيحدث لاحقًا. بما أننا سنبقى غرباء على أيّ حال، فماذا يهمّني؟”
تمتمتُ، لكن جزءًا مني كان يشعر بالفراغ. حاولتُ تعزية السبب إلى الجوع. لم أتناول غداءً مُناسبًا أمس، وكنتُ حبيسة غرفتي منذ الظهيرة، لذا فقد مرّ يومٌ كاملٌ دون طعام. سحبتُ مقبض الباب لأخرج من الغرفة، عازمةً على تناول لُقمةٍ سريعة، لكن يدي توقّفت في الهواء.
‘ربما سأصادفه…’
عاد الأرشيدوق إلى العاصمة، لذا ربما يكون بالمنزل الآن. كنتُ أُفكّر في كيفية التعامل معه عندما.
دق، دق-
سمعتُ طرقًا أمامي مباشرةً، ففزعتُ وتراجعتُ خطوةً إلى الوراء. تسارع نبض قلبي. ظننتُ أنه الأرشيدوق بالخارج.
“سيدتي، هناك من جاء لرؤيتكِ.”
لكن أفكاري تبدّدت عندما سمعتُ صوت خادمةٍ شابّةٍ من وراء الباب. فركتُ عينيّ بظهر يدي، محاولةً تهدئتهما قليلًا، وفتحتُ الباب.
“مَن …؟”
اتّسعت عيناي لحظة رؤيتي للمرأة الواقفة عند الباب. امرأةٌ ذات شعرٍ قصيرٍ وملابس مدنيّةٍ بسيطةٍ تحمل صينيةً كبيرةً في يدها، وابتسمت ابتسامةً مُشرقة.
“لقد ترك أحدهم وجبة طعامٍ عند الباب.”
“أنتِ …”
حدّقتُ في الشخص غير المتوقّع، مذهولة، بينما انحنت الأخرى انحناءةً عميقةً ومُهذَّبة.
“تحيّاتي لصاحبة السعادة، أنا صوفي غريتا، سعيدةٌ برؤيتكِ.”
من فوق رأسها المُنحني، رأيتُ شعرها محروقًا وشائكًا. كانت التي أتت لرؤيتي هي نفسها خادمة القصر التي قابلتُها في قصر أوديلو، تلك التي أنقذتُها في حديقة المتاهة.
بعد لحظة.
جلستُ في غرفة الاستقبال، وحدّقتُ في صوفي في حرج. بنظرةٍ خاطفةٍ حول المنزل، وجدت صوفي طقم الشاي وأوراق الشاي، كما لو أنها عاشت هنا دائمًا. ثم أعدّت الشاي بمهارةٍ فائقة.
“أشعر كأن ضيفًا يقدّم لي الشاي.”
في ظلّ هذه الظروف، نظرتُ إلى صوفي بنظرةٍ شاردةٍ وارتشفتُ رشفةً من الشاي الذي سكبته.
“……!”
في تلك اللحظة، رمشتُ بدهشةٍ عندما انتشر مذاق الشاي الخفيف في فمي. أجل، هذا هو!
كانت أوراق الشاي نفسها التي قدّمتُها لكلير وإيدن، لكن مذاقها كان مختلفًا تمامًا.
“ضيفة، يا صاحبة السعادة؟ هذا أمرٌ غريب.”
“لا… هذا …”
تلاشت كلماتي. بصراحة، لم أكن أعرف كيف أتعامل مع صوفي. عندما كنتُ ضيفةً مميّزةً في قصر أوديلو، عاملتُها كخادمة. لكن هذا لم يكن قصر أوديلو، ولم يبدُ أن صوفي قد أتت إليّ كخادمةٍ من دوقية أوديلو بناءً على طلب سيّدها.
“ألن تشرب صوفي الشاي؟”
فجأةً، نظرتُ إلى فنجان الشاي الموضوع أمامي وأملتُ رأسي قليلًا. أخيرًا، انتهت صوفي من سكب الشاي ووقفت أمامي. عندما رفعتُ نظري إليها بنظرةٍ حائرة، ضمّت يديها بأدبٍ وانحنت برأسها.
“أعتذر عن تأخّري في تحيّة مُنقذتي، صاحبة السعادة الأرشيدوقة. شكرًا جزيلًا لكِ، أنا ممتنّةٌ لكِ بشدّة.”
“ليس عليكِ ذلك. لقد أظهر لي لورد أوديلو امتنانه بالفعل …”
لوّحتُ بيدي بحرج. تابعت صوفي، وهي لا تزال منحنية الرأس.
“أرجوكِ يا صاحبة السعادة.”
“مع ذلك، هذا قليلاً…”
“أنا في طريقي بعد أن تركتُ وظيفتي كخادمةٍ في قصر أوديلو.”
“ماذا…؟”
قلبتُ عينيّ، مرتبكةً من إعلان استقالتها المُفاجئ، حين ارتسمت ابتسامةٌ رقيقةٌ على وجه صوفي المستدير.
“جئتُ مُسرِعةً حالما رأيتُ الإعلان طلب خادمةٍ خاصّةٍ لسعادتكِ.”
رمشتُ، مندهشةً من الخبر الصادم. تحدّثت إليّ صوفي بصوتٍ متوسّل، لكنه واضح.
“أرجوكِ، اسمحي لي بخدمة سعادتكِ. سأُكرِّس نفسي لكِ.”
* * *
“يا إلهي، إيلينا، ما الذي حدث بالضبط في الأيام القليلة الماضية؟”
نسيت كلير، التي زارت المنزل بعد غياب بضعة أيام، كرامتها تمامًا وفتحت فاهها دهشةً. كان ذلك مفهومًا، فقد تحوّل القصر القديم إلى شيءٍ مختلفٍ تمامًا في غضون أيامٍ قليلة.
“لقد وظّفنا شخصًا موهوبًا حقًا.”
ابتسمتُ وأنا أرتشف الشاي العطري بأناقة. حتى وقتٍ قريب، كنتُ أشبه بالمتسوّلة، لكنني الآن استعدتُ كرامتي وصِرتُ أبدو كسيدةٍ حقيقية.
بينما كانت كلير تحتسي الشاي وتستمع إلى القصة كاملة، عجزت عن الكلام. كانت قد شربت الشاي و والتهمت البسكويت، اللذين لم تمسّهما في المرّة السابقة.
“خادمة سيدة أوديلو الشخصية؟ كيف يُعقَل هذا …!”
تابعت حديثها وهي تلوّح بمروحةٍ على نفسها بحماس.
“أوديلو من أكثر الناس رُقيًّا في العالم. وخدمة السيدة في ذلك القصر دليلٌ على قوّتها وسُلطتها.”
“فهمت.”
أومأتُ برأسي بارتياح. كنتُ أتوقّع ذلك، فقد أقمتُ في قصر أوديلو بالفعل. كان يتميّز بديكورٍ داخليٍّ مُتقنٍ يُضاهي حتى القصور الإمبراطورية، وكان الطعام وكرم الضيافة اللذان حظيتُ بهما كضيفةٍ مميّزةٍ لا يُقارنان بشيء.
ارتشفت كلير آخر قطرةٍ من إبريق الشاي، وهي تُصدِر صوتًا خفيفًا بشفتيها.
“بصراحة، يبدو أكثر رُقيًّا من قصري. وما هذا الشاي الأسود؟ عليّ حقًا أن أعرف نوعه قبل عودتي.”
“الأمر لا يتعلّق بأوراق الشاي، بل بالناس.”
ضحكتُ ضحكةً خفيفة، وكأنها مزحة، لكنها كانت حقيقةً أيضًا. لقد أذهلتني مرّةً أخرى قدرة صوفي على السيطرة الكاملة على المنزل في غضون أيّامٍ قليلة. في البداية، كنتُ متخوّفةً بعض الشيء، متسائلةً إن كانت قد أتت إليّ في مَهمّة. لكن بعد مُراقبة صوفي لبضعة أيام، لم يسعني إلّا أن أثق بصدقها. فما إن فرغت من ترتيب أمتعتها، حتى انغمست في إعادة بناء المنزل، عملت بتفانٍ يفوق أيّ شخصٍ آخر.
من تدريب الخادمات الجديدات إلى الاهتمام بي، وحتى شراء مستلزمات القصر، تعاملت مع كلّ شيءٍ بمهارةٍ ودقّةٍ متناهية. حتى أن صوفي ابتسمت لي ابتسامةً هادئة عندما كنتُ قلقةً من أنها قد تُرهِق نفسها. فمقارنةً بإدارة قصر أوديلو الشاسع، كانت إدارة منزلٍ بهذا الحجم لا شيء.
بعد بضع ساعات، وبعد أن غادرت كلير، التي كانت تُعرِب عن دهشتها مرارًا وتكرارًا، كنّا أنا وصوفي نُجري الاستعدادات الأخيرة لاستقبال ولي العهد وولية العهد. وبعد أن استقررنا على الديكور الداخلي وقائمة الطعام، وحتى ملابسي، جاء دور الأرشيدوق ريتشارد.
“أعتقد أن هذا يكفي لزيّ صاحب السعادة في ذلك اليوم.”
“همم … ستتولّى صوفي الأمر.”
أجبتُ بتردّد. لم أرَ الأرشيدوق شخصيًا منذ ذلك اليوم. كلّ ما عرفتُه من صوفي أنه يغادر في الصباح الباكر ويعود في وقتٍ متأخّرٍ من الليل. بدا مشغولًا للغاية.
“كما كانت سيدة أوديلو تقول دائمًا، يبدو أن صاحب السعادة الأرشيدوق يُكنّ لكِ عشقًا كبيرًا، سيدتي. إنه لأمرٌ جميلٌ حقًا.”
ابتسمت صوفي فجأةً وهي تُرتِّب الطاولة. تطايرت الأوراق من بين أصابعي على حين غرّة. جمعتُها على عجلٍ وشعرتُ بشيءٍ من القلق.
“أ-أهذا صحيح؟ لم أره كثيرًا في الآونة الأخيرة.”
في الماضي، كنتُ سأكذب بسهولة، قائلةً أشياءً مثل ‘وَيحي، أنتِ لا تعلمين كم يُحبّني الأرشيدوق.’ لكنني لم أستطع أن أنطق بتلك الكلمات بسهولة. كان الأمر غريبًا. ربما لأنني كنتُ أعرف أنه بدلًا من أن يهتمّ بي، كان العكس هو الصحيح. لكن الأمور لم تتغيّر كثيرًا منذ ذلك الحين.
في النهاية، أنا مَن تغيّرت. في لحظةٍ ما، شعرتُ أن قول مثل هذه الكذبة سيجعلني أشعر بالخزي.
أمالت صوفي رأسها.
“ألم تري سعادته ولو لمرّةٍ واحدة؟”
“بلى، منذ أن جاءت صوفي …”
“هذا مستحيل.”
“…..؟”
عبست صوفي وزمّت شفتيها قليلًا. ثم نظرت إليّ في حيرة.
التعليقات لهذا الفصل " 68"