كان بنديكت يشعر بالقلق طوال الأسابيع القليلة الماضية. لم يستطع مغادرة مقرّ إقامة الأرشيدوقة، فأرسل إيلينا وحدها إلى منزل العاصمة. بالطبع، لم يكن ذلك وفقًا لإرادته.
بالتزامن تقريبًا مع أمر لورانس بإيجاد مقرّ إقامةٍ في العاصمة، تراكمت شؤون الأرشيدوقية. صحيحٌ أن الخريف هو أكثر أوقات السنة ازدحامًا لجميع العقارات، لكن هذا العام، كانت عقارات ريتشارد مثقلةً بالأعباء بشكلٍ خاص. كان عليه إعداد دفاتر حساباتٍ جديدةٍ لشركةٍ تم إطلاقها حديثًا، وقد بدأت للتوّ تجارة توزيع الساعات أيضًا.
عندها عادت السيدة بيرونا، التي كانت تُساعد إيلينا في منزل العاصمة، إلى العقار. بدت قلقة، وقالت إن المنزل ليس في حالةٍ جيدة. فماذا عساه أن يفعل؟
“سعادتك، ألا تُبالغ في الأمر؟”
بعد ذلك، تولّى بنديكت أيّ مَهمّةٍ تُعرَض عليه، لدرجة أن فيكتور عبس وحاول ثنيه عن ذلك. أبقته فكرة معاناة إيلينا وحيدةً في منزلٍ غريبٍ عنها مستيقظًا. ولإنهاء العمل بأسرع وقتٍ ممكن، قلّل نومه بشكلٍ كبيرٍ وتجنّب الأحاديث غير الضرورية. وبينما كان يُرهِق نفسه إلى أقصى حد، وصل إلى بنديكت خبرٌ مفاده أن لورانس يُخطِّط لزيارة المنزل.
“أ-أنت ذاهبٌ إلى العاصمة في هذه الحالة؟”
قفز فيكتور وحاول ثني بنديكت. فحتى مع بُنيته القوية، لم يكن هناك داعٍ لتحمّل مثل هذا الجدول الزمني المُرهِق في غير أوقات الحرب. لكن بنديكت لم يعد لديه صبر. فبناءً على القصص الواردة من بيرونا والشائعات من العاصمة، كان من الواضح أن إيلينا متورّطةٌ في مؤامرةٍ شريرة. بالنسبة له، كان الوضع أشبه بحالة حرب.
أخيرًا، امتطى حصانه إلى العاصمة، ولحظة وصوله، كان أوّل ما رآه إيلينا وإيدن سبنسر. نفس الشخص الذي أعلن حبّه لإيلينا مؤخّرًا.
“إيدن سبنسر.”
نادى بنديكت باسمه بحدّة، فاختفى تعبير إيدن البشوش. ارتسمت على وجهه ملامح الانزعاج وهو ينهض على الفور، دون أن يُلقي عليه التحيّة حين اقتحم المكان.
“حسنًا، سأذهب الآن، إيلينا.”
“ها.”
انطلقت ضحكةٌ ساخرةٌ من شفتيه عند سماعه يُنادي إيلينا باسمها. بدا أن هذا الوغد لن يتظاهر بعد الآن بإخفاء نواياه الخبيثة تجاه زوجة رجلٍ آخر.
“ومن الأفضل أن تبدأي بتحذير بنديكت. هذا قصرٌ بسيطٌ بالفعل، وإذا استمرّ في فتح الباب بهذه الطريقة، فسيدمّره قبل أن يتمّ تزيينه حتى.”
ابتسم إيدن لإيلينا، وكأنه لم يفعل ذلك من قبل. شدّ بنديكت على قبضتيه بشدّةٍ حتى برزت عروقه. كاد أن يوجّه لكمةً قويّةً إلى وجه إيدن الوغد. أومأ إيدن برأسه تحيّةً لإيلينا، ثم مرّ بجانب بنديكت، وارتسمت على شفتيه ابتسامةً ساخرة.
“يبدو أنك دائمًا ما تقف بيني وبين إيلينا.”
كانت همسةً بالكاد تسمعها إيلينا. كان واضحًا أنه يستفزّه عمدًا، لكن للحظة، فقد بنديكت صوابه بالفعل.
“يا إلهي، بنديكت. ما الذي تفعله فجأة؟”
في لحظةٍ خاطفة، عندما أمسك بنديكت بياقة قميصه بقوّة، سخر إيدن. برزت عروق يد بنديكت، التي كانت تضغط على رقبة إيدن، بوضوح.
“سـ سعادتك؟”
عند رؤية هذا المشهد هرعت إيلينا مفزوعةً للتدخّل بينهما. أفلت بنديكت أخيرًا ياقة قميص إيدن بينما كانت إيلينا تشدّه. بعد أن تحرّر إيدن من قبضة بنديكت، انحنى وسعل بشكلٍ مُبالَغٍ فيه.
“كح، كح، كحح!”
“إيدن! هل أنتَ بخير؟”
تدهورت حالته المزاجية. اشتعلت فيه نار الغضب. الطريقة التي نادت بها إيلينا هذا الوغد أمامه ‘إيدن’, والنظرة القلقة التي وجّهتها إليه ملأته غضبًا متأجّجًا.
غمز إيدن بعينه، وابتسم لإيلينا ابتسامةً حائرة.
“لا بأس. يبدو أن باب غرفة الجلوس ليس الشيء الوحيد الذي يريد بنديكت تحطيمه.”
“اخرُج.”
أخذ نفسًا عميقًا، ونطق بتلك الكلمات وهو بالكاد يكبح جماح مشاعره. لم يكن يعرف ماذا سسفعل لو بقي إيدن موجودًا ولو للحظةٍ أخرى.
غادر إيدن الغرفة، ووبّخته إيلينا.
“لماذا فعلتَ ذلك فجأةً بالماركيز الشاب؟”
“هل عليّ أن أتحمّل هذا الصفيق وهو يهذي بالهُراء في بيتي؟”
تذمّر بنديكت بشدّة. كان يريد أن يعتذر بلطفٍ عن تأخّره عندما رأى إيلينا أخيرًا. لكن عندما رأى إيلينا تدافع عن إيدن أمامه، كاد أن يشيب شعره من الغضب، ولم يستطع إظهار أيّ رقّةٍ أو أن يُخاطِبها بأيّ ودّ.
“لم يكن يهذي هُراءً فحسب… كان يحاول مساعدتي.”
“ذلك الوغد يساعدكِ؟”
انفجر غاضباً مذهولاً من احتجاج إيلينا البريء. ازدادت إيلينا دفاعيّةً من ردّ فعله أيضًا
“كادت التحضيرات لاستقبال ولي العهد وزوجته على وشك الانهيار. عرض الماركيز الشاب مساعدتي، حتى لو كان ذلك على حساب سُمعته.”
“هاه. هل تصدقين ذلك حقاً؟”
استهزأ بنديكت بسخرية. مهما كان ما قاله ذلك الوغد ليغوي إيلينا، فإن نواياه لم تكن نقيّة. الآن، حتى إيلينا تشعر بالاستياء منه، بعد أن انخدعت بابتسامته الماكرة بالفعل.
“لماذا لا أُصدِّقه؟ لقد أسدى لنا إيدن الكثير من الخير لمجرّد أنه صديق الأرشيدوق.”
شعرت إيلينا بالاستياء من موقف بنديكت، وكأنه يعاملها كحمقاء. كانت تُعاني من الكوابيس لعدّة أيام، وتبحثُ بلا كللٍ بتمعّنٍ في كلّ تلك الزينة والمكونات الغذائية بعينين مُتعبتين بسبب شخصٍ ما.
“هاه، صديقي؟ أنتِ لا تعرفين حتى لماذا فعل ذلك الوغد- ”
توقّف بنديكت عن الكلام، وهو يمرّر يده بعنفٍ في شعره. من المستحيل أن يكون إيدن سبنسر، التاجر عديم الرحمة الذي يجعل حتى التجار يرتجفون، هو السبب في تساهله الشديد مع الأرشيدوق. لم يكن حُسن نيّة إيدن تجاه الأرشيدوقية سوى ستارٍ يُخفي نواياه الخبيثة تجاه إيلينا.
مسح وجهه بيديه الكبيرتين وتنهّد.
“أتفهّم الموقف. لكن لا ينبغي لنا الاعتماد على ذلك الوغد.”
“إذن، هل سنستقبل لورانس في هذه الحالة ونمنحه ذريعةً ليسخر من الأرشيدوق؟”
نظرت إيلينا حول الغرفة الرثّة غير اللائقة لاستقبال ولي العهد، وقد ارتسمت على وجهها علامات الصدمة. كان على شعرها ملصقاتٌ من عيّنات قماش الستائر غير المكتملة متفرّقةٌ هنا وهناك. أدار بنديكت رأسه متجاهلاً ذلك المشهد.
“لم أهتمّ يومًا بسُمعتي الاجتماعية. إنها ليست مُهِمّة.”
“ليست مُهِمّة! إذا تركنا الأمور على حالها، سيزداد سوء الفهم حولكَ في الإمبراطورية، وقد نتعرّض للظلم كما حدث في المرّة السابقة. لقد تجاوزنا الأمر معًا حينها، لكن في المرّة القادمة…”
قد لا أكون مع الدوق الأكبر. ابتلعت إيلينا، التي كانت تغلي غضبًا وكادت تبوح بما تريد قوله، كلماتها الأخيرة، عاجزةً عن النطق بها. اكتفت بإغلاق فمها، وهي تلهث، ونظرت إلى الأرض.
لكن وضع بنديكت كان مختلفًا. لم يكن بوسعه أن يرى إيدن يُلازم إيلينا مُلتصقًا بها، مُتظاهرًا بالمساعدة. ازداد غضبه، المُتأجّج أصلًا من أيامٍ قضاها بلا نومٍ أو طعامٍ كافٍ، حدّةً. وقاطعها ببرود.
“ليست مُهِمّةً لدرجة أن أتوسّل إلى إيدن سبنسر طلبًا للمساعدة.”
“أ- أتوسّل!”
احمرّ وجه إيلينا بشدّة. بطريقةٍ ما، جعلتها كلمات بنديكت تشعر بالخجل، كما لو أن حرجها قد انكشف. لم يزعجها حتى تجاهل لورانس والنبلاء الآخرون لها بشكلٍ صارخٍ بسبب أصولها العامّية. امتلأت عيناها بالخجل والعار لمجرّد التفكير في أنها بدت وكأنها تتوسّل طلبًا للمساعدة، عاجزةً حتى عن توفير خادمةٍ لائقةٍ بسبب مكانتها، فضلًا عن الالتزام بالإجراءات الرسمية.
“إيلينا…؟”
امتلأت عيناها الزرقاوتان بالدموع. كان بنديكت هو مَن فوجئ من التغيّر الذي حدث. تشتّت ذهنه، ونظر إلى إيلينا. قبل أن تلتقي عيناهما، أدارت إيلينا رأسها فجأة. انطبعت صورة الدموع وهي تنهمر من عينيهت الجميلتين، وتنزلق على خدّيها الأبيضين، بوضوحٍ في ذهنه.
“انتظري، الآن …”
مدّ بنديكت يده إلى إيلينا، لكن إيلينا غادرت الغرفة بسرعةٍ دون أن تُلقي عليه نظرةً واحدة.
التعليقات لهذا الفصل " 67"