أولاً، وكما هو منصوصٌ عليه في عقدي مع لورانس، اشتريتُ منزلاً متواضعاً في بلدةٍ صغيرةٍ ليست ببعيدةٍ عن القصر.
“إنه ليس سيئاً بالنسبة لسعره الزهيد، أليس كذلك؟”
“نعم، سيدتي. الستائر والديكورات تبدو قديمةً وتحتاج إلى استبدال، لكن المرافق لا تبدو بحاجةٍ إلى أيّ إصلاحاتٍ كبيرة.”
تجوّلتُ أنا والسيدة بيرونا في أرجاء المنزل، الذي كان نظيفاً للغاية وخالياً من أيّ مشاكل جوهرية. كان المنزل مُتهالِكاً بعض الشيء وقديماً، لكن لحسن الحظ، لم يكن به تسريبات مياهْ أو فئران.
‘هل وضع لورانس مثل هذا الشرط دون تفكير؟’
في البداية، ظننتُ أن لورانس قد يتلاعب بأسعار العقارات أو حتى يحاول إفشال عملية الشراء باشتراطه إيجاد منزلٍ في العاصمة كشرطٍ من شروط العقد. لهذا السبب، ورغم ثروتي، اخترتُ منزلاً رخيصاً. لم أكن أرغب في إنفاق الكثير من المال على مبنًى لا أعرف مصيره. ولم أكن أرغب في تبديد ممتلكاتي المقسّمة على نفقاتٍ غير ضروريّةٍ بعد طلاقنا.
ولكن، ولدهشتي، لم تظهر أيّ مشاكل كبيرةٍ بعد.
“نحتاج فقط إلى تعيين طاقم عملٍ للمنزل. لقد أعلنّا عن وظيفةً شاغرة، لذا من المفترض أن يتمّ الأمر قريبًا.”
“شكرًا لكِ، سيدتي.”
كانت السيدة بيرونا تُقيم مؤقتًا في المنزل للمُساعدة في عملية الانتقال. ومع ذلك، بصفتها المسؤولة الرئيسية عن رعاية مقرّ الأرشيدوق، لم يكن بإمكانها الغياب لفترةٍ طويلة. لذا، كان البحث عن طاقمٍ جديدٍ لإدارة المنزل إجراءً طبيعيًا. لم أتخيّل أبدًا أن الأمر سيتحوّل إلى مشكلةٍ كبيرة.
إلى أن التقيتُ بالسيدة بيرونا بعد أسبوع، وكان وجهها محمرًّا من الارتباك …
“سيدتي، يبدو أننا لا نستطيع العثور على خادمةٍ للمنزل.”
“ماذا تقصدين؟ أعتقد أنني رأيتُ عددًا من المتقدّمين اليوم فقط.”
أملتُ رأسي عند سماع المشكلة غير المتوقّعة. بدت السيدة بيرونا في حيرةٍ من أمرها أيضًا.
“جميع المتقدّمات كنّ فتياتٍ عديمات الخبرة. بالنسبة لمنزلٍ بهذا الحجم، كان من المفترض أن أتلقّى خمس أو ستّ رسائل توصيةٍ من خادماتٍ ذوات خبرة…”
“مستحيل… ألم تصلكِ أيّ واحدة؟”
“نعم …”
رمشتُ، متسائلةً عمّا يجري.
“ما رأيكِ برفع الشروط قليلاً ونشر إعلان الوظيفة؟”
“حسنًا، سأفعل.”
بعد ثلاثة أيّامٍ من انحناءة السيدة بيرونا ومغادرتها، أتت إليّ بوجهٍ عابس.
“سيدتي، يبدو أن هناك سببًا آخر لعدم عثورنا على خادمة.”
“مستحيل، حتى بعد رفع الشروط، لم يتقدّم أحد؟”
“نعم …”
كان الأمر غريبًا. الشروط التي عرضناها كانت جيدةً جدًا. نقرتُ بإصبعي على المكتب في مكتبي. ثم همستُ بهدوءٍ للسيدة بيرونا.
“هل السبب ربما هو الشائعات حول الأرشيدوق؟ هل يخشون خدمة سيدٍ قاتل؟”
“هذا… غير مرجّح.”
بدى على وجه السيدة ييرونا علامات القلق. كانت تعرف السبب بوضوح، لكنها تُخفيه. رفعتُ حاجبيّ وسألتُها مباشرة.
“إذن ما هو؟ هل عرفتِ السبب، سيدة بيرونا؟”
“في الحقيقة…”
تردّدت السيدة للحظة، ثم تابعت باضطراب.
“أشعر بالحرج حتى من السؤال، لكنهم يقولون إن السبب هو أصولكِ …”
“بـ بسببي أنا؟”
شعرتُ بالذعر للحظة وكدتُ أسقط من على كرسيي. تمكّنتُ من استعادة توازني ونظرتُ إلى السيدة. تجنّبت النظر إليّ بأسفٍ وأجابت بصوتٍ خافت.
“لأهل العاصمة كبرياءٌ خاص. الخادمات، اللواتي عملنَ ونشأنَ في بيوت النبلاء في العاصمة، لا يرغبن في خدمة أسيادٍ وهم من عامة الشعب مثلهم.”
“هاا…”
ضحكتُ على هذا السبب السخيف. خفضت السيدة بيرونا رأسها، وكأنها تشعر بمزيدٍ من الندم لأنها أخبرتني.
“سأحاول الآن… تدريب الخادمات الجديدات.”
“لا يزال الأرشيدوق مُقيمًا في القصر، لذا لا يمكنكِ ترك مقرّ الأرشيدوق خاليًا لفترةٍ طويلة. يجب أن تُسرعي وتعودي.”
“لكن الأطفال الموجودين لدينا الآن يقومون بالأعمال المنزلية فقط … ربما لا يفهمون البروتوكولات المطلوبة في بيتٍ نبيل.”
عبست السيدة بيرونا بقلق. ابتسمتُ لها، وكأنني أقول لها ألّا تقلق.
“لا داعي للبروتوكولات في هذا المنزل الآن. لستُ ممّن يهتمّون بذلك. طالما أن مواعيد الوجبات والغسيل لا تتأخّر، فهذا كلّ ما يهم.”
بصراحة، لم أكن أهتمّ بالبروتوكولات، لذا لم أظن أن الأمر مهم.
لكن بعد يومين بالضبط، بعد أن غادرت السيدة بيرونا إلى إقليم الأرشيدوق، وصل نبأٌ كارثيٌّ إلى المنزل.
“هل سيزور المنزل فجأة؟”
صرختُ وأنا أقرأ الرسالة من قصر ولي العهد.
خلاصتها أن لورانس وفيفيان سيزوران منزلنا قريبًا لتناول العشاء احتفالًا بوصول الأرشيدوق ريتشارد، إلى العاصمة.
‘ماذا يخطّطان الآن؟’
كنتُ أحاول جاهدةً استدراج لورانس للحديث، لكنني لم أكن أنوي دعوته إلى منزلي، لذا فوجئتُ تمامًا. ومن الواضح أنّ نيّته لم تكن زيارة منزلنا حاملاً هديّةً بمناسبة الانتقال، بدافع المحبة الأخوية بيننا. عندما كنتُ أفكّر في حرق الرسالة والتظاهر بعدم رؤيتها، ظهر زائرٌ غير متوقّعٍ عند المنزل. ابتسمتُ لها ابتسامةً عريضة.
“كلير! مرّ وقتٌ طويلٌ لم أركِ فيه.”
“إيلينا، أهلًا بكِ في العاصمة. كان عليّ المجيء أبكر، لكنني كنتُ مشغولةً بعض الشيء. على أيّ حال…”
كانت الزائرة هي السيدة بوفاري، شخصيةٌ نافذةٌ في مجتمع العاصمة الراقي – أو بالأحرى، كلير، التي أصبحت الآن الأميرة كلير زكرياس بعد طلاقها. على عكس مظهرها الأنيق المعتاد، بدت وكأنها توقّفت عند المنزل على عجل. أخذت كلير نفسًا عميقًا، وألقت نظرةً خاطفةً حول المنزل، وابتسمت ابتسامةً مُحرَجة.
“الديكور الداخلي بسيطٌ للغاية…”
“ذلك لأن أعمال الصيانة لم تكتمل بعد. ومع ذلك، لا توجد أيّ أعطال.”
ابتسمتُ ابتسامةً عابرةً وأخذتُ كلير إلى غرفة الاستقبال. راقبتني بنظرةٍ قلقةٍ أثناء سيرنا. عرضتُ عليها الجلوس على الأريكة وسألتُها.
“كلير، هل لديكِ ما تقولينه؟”
“حسنًا… هل تخطّطين لدعوة صاحب السموّ الملكي وصاحبة السموّ الملكي إلى القصر؟”
“أوه، كيف عرفتِ؟ لقد تلقّيتُ رسالةً من قصر ولي العهد اليوم.”
“يا إلهي! كانت الشائعات صحيحة.”
لمست كلير جبينها بصدمة. لم أتلقَّ الرسالة إلّا اليوم، وقد انتشرت مثل هذه الشائعة؟ نظرتُ إلى كلير بنظرةٍ حائرة.
“ماذا تعنين بشائعة؟”
“هناك شائعةٌ متداولةٌ في الأوساط الراقية منذ بضعة أيام، مفادها أن صاحب السموّ الملكي وصاحبة السموّ الملكي سيزوران مقرّ إقامة الأرشيدوق ريتشارد هذا الخريف.”
“هذا العام… ماذا تقصدين؟”
عبستُ أمام الكلمات المُبهَمة، فشرحت كلير القصّة كاملة. مرّتين في السنة، تزور العائلة الإمبراطورية شخصيًا مساكن كبار النبلاء، وهو شرفٌ عظيمٌ ومَهمّةٌ جسيمةٌ لتلك العائلة النبيلة.
أنهت كلير شرحها بسرعة، ثم أخذت نفسًا عميقًا وتابعت.
“ما يحدث في ذلك اليوم يُصبِح معروفًا للجميع في المجتمع الراقي في اليوم التالي. إنه في نهاية المطاف يُشكِّل سُمعة العائلة.”
“فهمت.”
أملتُ رأسي قليلًا. لم أفهم تمامًا لماذا تسبّب كلير كلّ هذا الضجيج، أو لماذا يرغب لورانس في مثل هذا الحدث الكبير هنا. عندها رفعت كلير صوتها، وكأنها مُحبَطة.
“الزيارة الملكية شرفٌ عظيم، لكنها قد تكون أيضًا نقمة. إذا لم تستعدّوا جيدًا، ستشعرون بإحراجٍ شديد. وبصراحة…”
عبست كلير كما لو أنها رأت شيئًا قبيحًا، وهي تنظر إلى طاولة الشاي التي أحضرتها الخادمة المتدرّبة بتردّد. وتنهّدت.
“بهذا المعدل، ستشعر الأرشيدوقة بلا شكٍّ بإذلالٍ شديدٍ في أيّ مناسبةٍ وزيارة. أضمن لكِ أن هذا سيتمّ تداوله في الأوساط الراقية طوال السنوات السبع القادمة.”
“…..!”
حدقتُ بصدمةٍ في طاولة الشاي المتواضعة. لستُ خبيرة، ولكن بالمقارنة مع جلسات الشاي القليلة التي حضرتُها، كانت فناجين الشاي قديمة الطراز، والحلويات غير متناسقة، والتقديم رديء. هزّت كلير رأسها بتعبيرٍ نادم.
“الخادمة التي أعدّت طاولة الشاي مبتدئةٌ لم تعمل قط في قصرٍ نبيل، أليس كذلك؟ يجب أن تكون خادمة الأرشيدوقة على الأقل ذات خبرةٍ في خدمة النبلاء. على أيّ حال، إيلينا ليست على درايةٍ بالثقافة الأرستقراطية، أليس كذلك؟”
“هذا صحيح…”
أومأتُ برأسي في صمت، وأنا أُخفِض عيني. في هذا العالم، معظم معرفتي مستقاةٌ من الكتب. مهما كانت ذاكرتي قويّة، لا يمكنني مواكبة التقاليد الاجتماعية والآداب السائدة بمفردي. وبطبيعة الحال، ستكون خادمةٌ مبتدئةٌ لم يسبق لها العمل في قصرٍ نبيلٍ أكثر بؤساً مني.
فتحت كلير فمها بتعبيرٍ قاتم.
“ربما لم تجدي حتى خادمةً خبيرةً لمساعدة إيلينا، أليس كذلك؟”
“صحيح …”
شعرتُ بوخزة حيرةٍ وأنا أتذكّر قصّة السيدة بيرونا عن أنه نظرًا لكوني من عامّة الشعب، لم تتقدّم أيّ خادمةٍ للعمل في القصر. إذا أضرّت هذه الحادثة بسُمعة الأرشيدوق، فسيكون ذلك خطئي بالكامل. أصبح وجه كلير جادًّا للغاية.
التعليقات لهذا الفصل " 65"