اتسعت عيناي دهشةً من هذا الخبر الذي لا يُصدَّق. ثم همس فيكتور مجدّدًا.
“تعيش أخت الرقيب باتينسون في مملكة غريس. انكسرت بندقية الصيد التي أرسلها لها كهدية عيد ميلاد.”
“وماذا في ذلك؟”
“أليس جميع الحِرفيين في ورشتنا حدّادين ماهرين؟ طلبتُ منهم إصلاحها تحسّبًا لأيّ طارئ، وقد أصلحوها على أكمل وجه.”
ولما رأى فيكتور أنني أستمع بانتباه، تابع حديثه بحماسٍ طفيف.
“لذا سألتُهم إن كان بإمكانهم صنع بندقيةٍ جديدة، وبعد بضعة أيّامٍ من البحث، أنجزوها في وقتٍ قياسي. جرّبتُها بنفسي، وهي لا تشوبها شائبة.”
“إنه لأمرٌ مذهل!”
“بمجرّد أن نجحوا في صنع السلاح الجديد، ابتهج جميع الحِرفيين في الورشة الثانية. قالوا إنهم يريدون صُنع شيءٍ أكبر …”
أخرج فيكتور، الذي بدا أكثر حماسًا من الحرفيين في الورشة الثانية، ورقةً مطويّةً بعنايةٍ من جيبه.
“هذه هي مخطّطات المدفع التي أنجزتها الورشة الثانية.”
“يا إلهي…”
رمشتُ وأنا آخذ مخطّطات المدفع من فيكتور. بالطبع، كنتُ أتوقع بعض التقدّم التكنولوجي عندما أنشأتُ الورشة في أقلين الأرشيدوق. عِلم المعادن هو أساس التطوّر العلمي والصناعي. لكنني لم أتوقّع أن تأتي النتائج بهذه السرعة.
نفخ فيكتور صدره فخرًا.
“الحِرفيون في الإقليم يفيضون حماسًا الآن. لا توجد منطقةٌ أخرى في الإمبراطورية تُعامِل مهندسيها بهذه الطريقة.”
“بنادقٌ ومَدافع …”
حدّقتُ في العمل أمامي، وأنا أطرق بيدي على سطح المكتب المصنوع من خشب الجوز الأملس. سرعان ما ضيّقت عينيّ، أنظر جيئةً وذهابًا بين الجريدة الموضوعة جانبًا على المكتب ومخطّطات المدفع.
‘للقبض على نمر، عليكَ الدخول إلى عرينه.’
جمعتُ أفكاري، ثم نهضتُ فجأة.
“أظن أن عليّ الذهاب لرؤيته الآن.”
أشرق وجه فيكتور وصفّق بيديه.
“كنتُ أعرف أنكِ ستقولين ذلك. سأذهب إذًا لأُحضر صاحب السعادة—”
“أرسِل رسالةً إلى ولي العهد لورانس أعلِمه فيها أن الأرشيدوقة ريتشارد تطلب مقابلةً معه.”
“هاه…؟”
تجمّد فيكتور، وقد بدت عليه الحيرة من كلامي. شددتُ على قبضتيّ بحماس، شعرتُ أنني انتهزتُ الفرصة المثالية أخيرًا. ثم ابتسمتُ ابتسامةً مُحرَجةً وأنا أرى حيرة فيكتور.
“آه… هاهاها… بالطبع، عليّ مقابلة الأرشيدوق قبل ذلك.”
“بالتأكيد!”
بدا فيكتور مرتاحًا أخيرًا، فتنهّدتُ تنهيدةً خفيفة. لكلّ شيءٍ وقته، وكان عليّ مناقشة الأمر مع الأرشيدوق أولاً.
“أرجو إبلاغ الأرشيدوق أنني سأكون في مكتبه بعد قليل.”
“عُلِم!”
أمسكتُ بالمخطط بإحكام، أُراقب ظهر فيكتور وهو يغادر الغرفة بتعبيرٍ متحمس.
* * *
داخل المكتب.
كان بنديكت يتمشّى جيئةً وذهابًا في الغرفة بقلق. لم يتوقّف عن التململ منذ أن جاء فيكتور قبل نصف ساعةٍ ليُخبره أن إيلينا ستزوره قريبًا.
“قالت قريبًا، ولكن متى ذلك الـ ‘قريبًا’ تحديدًا؟”
تمتم بنديكت في نفسه، وهو يُلقي نظرةً خاطفةً على الباب المُغلَق كلّ دقيقة. عدّل شعره بسرعة، معتمدًا على شكله الخافت المنعكس في النافذة.
‘يجب أن أطلب على الأقل وضع مرآةٍ في المكتب في المرّة القادمة.’
بالطبع، لو أمر بوضع مرآةٍ في المكتب، لأثار ذلك ضجّةً كبيرةً بين الخدم، لكن حُكم بنديكت كان مشوّشًا بعض الشيء في تلك اللحظة. والسبب في ذلك كلّه هو أن إيلينا قد تغيّرت منذ أيام عودتهم من أوديلو.
“لقد تغيّر سلوكها تمامًا.”
منذ لحظة لقائهما الأولى، كانت إيلينا وقحةً وجريئةً أمامه، لكنها لم تكن باردةً أبدًا. حتى في الزنزانة، عندما رفض مقابلتها وأخلف مواعيده معها مرارًا، كانت هي مَن تُبادر بالحديث معه وتتظاهر بالودّ.
“لكن لماذا…”
شدّ بنديكت على قبضتيه، متذكّرًا كيف ابتعدت إيلينا عنه خطوةً إلى الوراء في غرفة الملابس بقصر أوديلو. شعر وكأن قلبه يغوص بين قدميه. بعد أن غادرت إيلينا الغرفة، وقف هناك طويلًا، يشعر وكأن دمه قد نُزِف. حتى عندما جاء الخادم الذي أرسلته إيلينا ليعرض عليه المساعدة في تفريغ حقائبه.
في رحلة العربة العائدة إلى مقر الأرشيدوق، ظلت إيلينا صامتة. استقامت في جلستها وحدّقت من النافذة، وكأنها شاردة الذهن.
حاول مرارًا التحدّث إليها، لكنه لم يكن يعرف ماذا يقول. عندها فقط أدرك. حقيقة أن إيلينا كانت دائمًا هي مَن تُبادر بالكلام بينهما.
بعد عودته إلى مقرّ الأرشيدوق، وعندما حان وقت الطعام، استقبلته المائدة خاليةً من أيّ أحد. أخبرته السيدة بيرونا، بوجهٍ قَلِق، أن إيلينا ستتناول وجبةً سريعةً في مكتب الأرشيدوقة بسبب العمل. سألها بصوتٍ خافت.
“هل تتناول دوائها بانتظام؟”
“نعم، تتناوله مع كلّ وجبةٍ كما هو موصوف.”
كان قد أوصى تحديدًا بتحضير منشّطٍ لإيلينا، نظرًا لضعفها. كان مستاءً من نوبات إغمائها المتكرّرة.
“لا تخبري الأرشيدوقة عن مخالب الدب.”
حذّرها. فهي امرأةٌ حسّاسةٌ بطبيعتها. لو عَلِمت أن الدواء الذي تُعطيه لها السيدة بيرونا مصنوعٌ من مخالب الدب، لربما استاءت منه ورفضت تناوله.
لم يرَ شعرةً واحدةً من إيلينا لأيام. شعر بالقلق، حتى أنه سأل السيدة بيرونا بشكلٍ غير مباشرٍ عن حالتها. في كلّ مرّة، كانت السيدة بيرونا تُخبِرُه أن إيلينا تبدو مُرهَقةً بعض الشيء، لكنها بخير. انتابته مشاعر مُختلطة.
كان يكره رؤية إيلينا مُتعَبة – أو حتى بخير- بعيدًا عن ناظريه.
‘لذا عليّ أن أرى ذلك بنفسي.’
بعد خمسة أيّامٍ من غياب إيلينا، لجأ أخيرًا إلى خطّةٍ دنيئة. كان فيكتور هو مَن بدأ كلّ شيء.
“أليس هذا مُذهلًا حقًا؟ إذا أحسنّا استغلال الورشة، يُمكن لفرقة ريتشارد أن تُصبِح أقوى جيشٍ في الإمبراطورية.”
“إنتاج الأسلحة …”
عندما سمع تقارير عن نجاح ورشة الساعات في إنتاج الأسلحة، خطرت له فكرة. كانت إيلينا من النوع الذي يُفضِّل تولّي زمام الأمور في الشؤون التي تخصّ الأرشيدوق على أيّ عملٍ آخر. لذا كان يعلم أنها ستُبدي اهتمامًا كبيرًا إذا عَلِمت أن الورشة قادرةٌ على إنتاج الأسلحة. والأهم من ذلك، كان عليها استشارة الأرشيدوق بنفسه حول كيفية إدارة الورشة.
نظر إلى فيكتور.
“هل أبلغتَ إيلينا بهذا؟”
“لا، ليس بعد… أيّ شيءٍ يتعلّق بالأسلحة يجب إبلاغ سعادتكَ به أولًا…”
حكّ فيكتور مؤخرة رأسه. بدا وجهه وكأنه يتردّد فيما إذا كان عليه إبلاغ إيلينا أولًا. تابع بنديكت بهدوء.
“إذن لا تقل لها أنكَ أبلغتَني. اذهب وأبلِغ إيلينا بالأمر.”
“حسنًا؟”
بدا فيكتور مُرتبكًا في البداية، لكن فطنته سرعان ما أدركت نيّة بنديكت في اختلاق ذريعةٍ للقاء إيلينا. حتى أنه سمع من السيدة بيرونا في الليلة السابقة أن الاثنين لابدّ أنهما تشاجرا.
وهكذا، نجح بنديكت أخيرًا في استدراج إيلينا إلى مكتبه.
كان بنديكت يذرع مكتبه جيئةً وذهابًا، يمسح شفتيه الجافتين بيده.
“لم تُغيّري رأيكِ حقًا… أليس كذلك؟”
هزّ رأسه محاولًا استعادة رباطة جأشه. لم يهدأ التوتر الناتج بعدما كاد يفقدها في حادثة الحريق بعد، وكان العمل مُرهقًا للغاية بعد أن عاد.
دق، دق-
أخيرًا، سُمِع طرقٌ على الباب. هرع بنديكت إلى الباب وفتحه. رمشت العيون الزرقاء التي استقبلته مُتفاجِئةً من خلال الشق.
“آه …”
“تـ تفضلي بالدخول.”
فتح بنديكت الباب على مصراعيه ورحّب بإيلينا. نظرت إليه إيلينا للحظة، مذهولة، ثم ابتسمت ابتسامةً خفيفة.
“في الحقيقة، لم أتوقّع منكَ أن تفتح الباب بنفسك.”
“صادف أنني كنتُ واقفًا بجوار الباب.”
جلس، يفرك مؤخّرة عنقه التي كانت تحترق دون سبب. رأى إيلينا لأوّل مرّةٍ منذ مدة، فخفق قلبه بشدّة. بدا أن الحبّ إذا ما استيقظ، لا يمكن إخفاؤه أو إيقافه، وأن تقدُّمه لا يمكن كبحه. تجوّلت عيناه، تائهةً أين تحطّ أنظاره، حتى ظهر معصم إيلينا فجأة. كان نحيفًا بشكلٍ غير عاديٍّ اليوم. حتى وجنتاها اللتان عادةً ما تكونان ممتلئتين بدتا شاحبتين. عبس بنديكت للحظة.
“طلبتُ رؤيتك يا صاحب السعادة …. “
“هل تتناولين طعامًا جيدًا هذه الأيام؟ هل تنامين نومًا هانئًا؟ ألا تُرهقين نفسكِ باستمرارٍ أكثر من اللازم؟”
خرجت الكلمات من شفتيه دون وعيٍ منه. ارتسمت تجعيدةٌ خفيفةٌ على وجه إيلينا وهي تتوقّف. أخيرًا، رفعت عينيها ببطءٍ ونظرت إلى بنديكت.
التعليقات لهذا الفصل " 62"