لو أن قلب إيلينا قد تركه بالفعل في اللحظة التس تُدرِك أنه نقض العقد.
“ستُنهي العقد وترحل.”
إنها امرأةٌ تتعامل مع العقود كما لو كانت سكينًا.
تمتم بنديكت بصوتٍ خافت، ساخرًا من نفسه، ثم ضحك ضحكةً جوفاء. حتى في قرارة نفسه، شعر وكأنه مجنون. كان من السخف أن يحمل شخصٌ واحدٌ مثل هذه المشاعر المتناقضة.
لم يستطع إبقاء إيلينا بجانبه المليء بالخطر، كان مصمّمًا على أنها ستضطرّ إلى تركه يومًا ما، ومع ذلك كان يأمل أيضًا ألّا تتركه على الفور.
‘لهذا السبب لم أرغب في الحب.’
مرّر بنديكت يده على وجهه وهو يشعر بالوحدة.
ساحة المعركة الدامية، والقتلة الذين كانوا يطاردونه بلا هوادة، والإمبراطور الذي عامله ببرودٍ منذ ولادته. لم يكونوا شيئًا بالنسبة له. لم يخشَ شيئًا قط.
حدّق بنديكت بشرودٍ في ذراعه المضمّدة. لحظة سماعه أن إيلينا محاصرةٌ في الحديقة المحترقة، تبدّد كلّ منطقٍ من عقله. ما إن وصل إلى مدخل الحديقة حتى قفز إلى اللهب دون تردّد. لم يكن يخشى النيران المشتعلة على الإطلاق، فكلّ ما كان يشغله هو سلامة إيلينا.
ما إن رأى إيلينا تنهار وسط الدخان حتى انتابه خوفٌ شديد. رغم أنه رأى جثثًا لا تُحصى في حياته، إلّا أن معدته تقلبّت وتجمّدت أطراف أصابعه من شدّة الخوف عندما رأى إيلينا وحدها.
بعد أن حمل إيلينا بين ذراعيه وأخرجها من وسط النيران، قام الطبيب بفحصها وأوضح له أنه لحسن الحظ، لم تكن هناك إصاباتٌ خطيرةٌ وأن حياتها ليست في خطر. عندها فقط أدرك أن ذراعه قد احترقت واسودّت. كان ذلك بفضل الطبيب، بعد أن شرح له حالتها وطمأنه أنها بخير، تردّد وقال إن إصابته تبدو أخطر من إصابة إيلينا.
نهض بنديكت ببطءٍ من على الأريكة. عندما لاح أمام ناظريه سرير إيلينا الفارغ، انتابه ألمٌ حادٌّ في صدره.
‘أخشى ألّا تُحبّيني بعد الآن.’
لقد أصبح جبانًا تمامًا.
* * *
في اليوم التالي.
عندما فتحتُ عينيّ صباحًا، شعرتُ بخفّةٍ كبيرة، ربما بفضل الطبيب الماهر في قصر أوديلو. شكرتُ الطبيب على رعايته لي طوال الليل، وتوجّهتُ إلى غرفة الأرشيدوق.
عندما فتحتُ الباب ودخلتُ، رفع الأرشيدوق رأسه فجأةً، بعد أن كان جالسًا على الأريكة مُطأطئ الرأس. شعرتُ بالشفقة على وجهه المُتضايق، وعقدتُ حاجبيّ لا إراديًا.
“هل نمتَ على الأريكة اليوم أيضًا؟ لم أكن موجودة. كان عليكَ أن ترتاح …”
“…..!”
كنتُ على وشك أن أقترح عليه أن يستخدم السرير براحةٍ بدلًا من النوم على الأريكة، لكنني صمتُّ. ارتسمت على وجهه ملامح الاضطراب حين التقت أعيننا.
‘كما توقعت، إنه تدخّلٌ في غير محلّه.’
عضضتُ على شفتي. بدا تعبيره القاسي وكأنه يوحي بأن مخاوفي تزعجه. صرفتُ نظري عنه بسرعةٍ وابتسمتُ ابتسامةً مُحرَجة.
“حسنًا… اليوم هو يوم عودتنا إلى الإقليم، أليس كذلك؟ لهذا السبب جئتُ لأحزم حقائبي.”
أوضحتُ له غرضي حتى لا يُـسيء فهمي، ثم توجّهتُ مُسرعةٍ إلى غرفة الملابس، متجنّبة نظراته. وبينما كنتُ أفتح حقيبتي وأبدأ بوضع أغراضي فيها، رنّ صوتٌ خفيضٌ فوق رأسي.
“لسنا مضطرّين للمغادرة اليوم. يمكنكِ الراحة لبضعة أيامٍ أخرى إن احتجتِ.”
“لا بأس. العمل قد أُنجِز بالفعل …”
هززتُ رأسي سريعًا. حتى مع سوء حالتي، لم أكن أنوي البقاء أكثر. لقد استقرّت تجارة توزيع الساعات تقريبًا منذ وصول إيدن إلى أوديلو، وقد خلّف حريق حديقة المتاهة فوضى عارمةً في القصر، لذا قرّرتُ أن الأفضل هو العودة إلى مقرّ الأرشيدوق فورًا. وقبل كلّ شيء …
“على أيّ حال، الوضع هنا غير مريح…”
أضفتُ باختصار، ثم تراجعتُ خطوةً إلى الوراء، مُوسِّعةً المسافة بيننا. أمام اللورد أوديلو، كان عليّ أن أتظاهر بمزيدٍ من المودّة أكثر من المعتاد، والآن أصبح الأمر مُحرِجًا للغاية، ليس له فقط بل لي أيضًا.
«ماذا تقصدين بـ ‘نحن’؟»
لم أُرِد سماع ذلك من الأرشيدوق مجدّدًا. في الحقيقة، لم أكن أكره التظاهر بالودّ معه هنا. لم يكن كلّ ما أفعله تمثيلًا. ظننتُ أنني تقرّبتُ منه كثيرًا خلال كلّ تلك الأحداث، وأنني طوّرتُ معه رابطةً مميّزة. لكنني كنتُ مخطئة. وكما قال الأرشيدوق، ربما كانت تلك المشاعر مجرّد هراء، لا تليق بعلاقتنا.
‘بالمعنى الدقيق للكلمة، كان مُحقًّا …’
ابتسمتُ بمرارة. كنتُ محاميةً فاسدةً لا يُهِمّها سوى المال، وكان هو مجرّد عميلٍ في أمسّ الحاجة لخدماتي. لقد عاد كلّ شيءٍ إلى ما كان عليه.
“…..”
نظر إليّ الأرشيدوق من أعلى، مُحافظًا على المسافة بيننا. كان من الواضح أن هذا ما يريده، لكنه بدا مرتبكًا بعض الشيء. استدرتُ بسرعة، ووضعتُ كلّ ما تبقى من أغراضي في غرفة الملابس، وأغلقتُ حقيبتي.
“انتهيتُ من حزم أمتعتي. الآن، ما عليكَ سوى حزم حقائبك—”
بينما كنتُ أُغادر غرفة الملابس، وقعت عيناي فجأةً على ذراعه المُضمّدة. تردّدتُ لا إراديًا. لا بدّ أنه لاحظ نظرتي، إذ سحب ذراعه المُصابة بعيدًا عني.
‘سيكون من الصعب عليه تفريغ الحقائب وحده بذراعه المُصابة.’
هل أُساعده؟ بعد تردّدٍ قصير، هززتُ رأسي نفيًا. بالنسبة له، لم تكن مخاوفي سوى تدخّلٍ لا داعي له.
“سأستدعي خادمًا إن احتجتَ إلى مُساعدة.”
ابتسمتُ له ابتسامةً مُهذّبةً، تحمل في طيّاتها شيئًا من الرسمية، ثم غادرتُ الغرفة. كانت هذه المسافة بيننا مناسبةً تمامًا.
بعد قليل، في قاعة الاستقبال بقصر أوديلو.
وقفتُ أنا والأرشيدوق أمام اللورد والسيدة لنودّعهما قبل مغادرة القصر. أوضح إيدن أنه غادر القصر أولًا الليلة الماضية لأمرٍ طارئ.
كان المشهد الذي اجتمعنا فيه نجن الاثنين مع واللورد والسيدة، الجالسين في المقاعد العُليا، يُذكّرني بيومنا الأول في دوقية أوديلو. الفرق الوحيد هو أنني في ذلك اليوم كنتُ أقف بجانبه، خائفةً من أيّ مكروهٍ قد يحدث في القصر، وهو بدوره أخفاني خلف ظهره، وكأنه يحميني. أما اليوم، فقد وقفنا أنا والأرشيدوق على بُعد خطوتين أو ثلاث خطواتٍ في حرج.
“هذه المرّة، الدوقية مدينةٌ لكُما بفضلٍ عظيم.”
نزل اللورد من على مقعده وأمسك بيد الأرشيدوق. نظر من النافذة إلى الحديقة المسودّة، شبه المهجورة، وهو يهزّ رأسه في رعب.
“كنتُ على وشك فقدان زوجتي. كلّ الفضل يعود للأرشيدوق.”
“لقد أنقذ الأرشيدوق حياتي. جميع خدم القصر ممتنّون له.”
حتى السيدة، التي كانت بجانب اللورد، مسحت دمعةً بامتنان. بدت بصحّةٍ جيدة، دون أيّ خدش لأنها كانت أوّل مَن نجا من حديقة المتاهة. نظر اللورد بيني وبين الأرشيدوق، وقد بدا عليه الندم.
“كان بإمكانكما البقاء لفترةٍ أطول في قصر أوديلو لتلقّي العلاج المناسب. ذراع الأرشيدوق لم تُشفَ تمامًا. بالأمس، كان الأمر مذهلاً حقًا. كأنني أرى مشهدًا من روايةٍ رومانسيّةٍ بأمّ عيني …”
“أنا بخير. والأهم من ذلك …”
قاطع الأرشيدوق ريتشارد حديث اللورد المتحمّس فجأة. تراجع لورد أوديلو، الذي كان يمسح على ذراع الأرشيدوق المُضمّدة بنظرةٍ لامعة، خطوةً إلى الوراء بخطواتٍ حذرة.
نظرتُ إليهما.
‘قلتَ إنك أصبتَ ذراعك أثناء الصيد. هل مررتَ بلحظةٍ في أرض الصيد جعلت اللورد يُعجَب بكَ مجدّدًا؟’
هل قتلتَ وحشًا بريًّا في الغابة بضربةٍ واحدة؟ نظرتُ إلى الأرشيدوق بطرف عيني. احمرّت وجنتاي قليلاً وأنا أتخيّل الأرشيدوق ريتشارد، بشعره الأسود الفاحم الذي يرفرف وهو على صهوة جواده الضخم، وهو يلوّح بسيفه بمهارة.
ففي النهاية، كان الأرشيدوق ريتشارد رجلاً وسيماً للغاية، حتى بمجرّد النظر إليه. وبينما كنتُ أترك خيالي يجمح، أتخيل ‘لحظاته الرومانسية’، تابع الأرشيدوق حديثه بملامح جامدة.
“هناك أمرٌ أهمّ من هذا. هل عرفتَ سبب حريق الحديقة أمس؟”
التعليقات لهذا الفصل " 60"