ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على شفتي إيدن وهو يرى نظرة الحيرة على وجه بنديكت.
“هل أنتَ متفاجئٌ أنني كنتُ أعرف كلّ شيء؟”
“كـ … كيف؟”
ارتجف صوته بصعوبة، حتى كاد يتلاشى. نقر إيدن بأصابعه على الطاولة ببطء.
“هل يهمّ كيف عرفت؟ المهم أن إيلينا لم تحبّك قط، ولا حتى للحظة.”
“…..!”
“إذن لا يوجد بينكما شيءٌ سوى العقد.”
أصبح وجه بنديكت خاليًا تمامًا من أيّ تعبير. تصادمت نظراتهما في الهواء.
“أنا مُعجَبٌ بإيلينا.”
“ماذا…؟”
جعل صوت إيدن، الذي اعترف بثقةٍ أكبر من أيّ وقتٍ مضى، بينديكت يضحك في صدمة. ومع ذلك، ظلّ وجهه باردًا بشكل غريب.
“عندما سمعتُ أن إيلينا تزوّجتكَ بدافع الحب، ظننتُ أنه شعورٌ لن يتمّ تبادله أبدًا.”
هزّ إيدن كتفيه، وكأن الأمر لا يستدعي القلق، ثم تابع.
“وبالإضافة إلى ذلك، أنتَ لا تكنّ أيّ مشاعر لإيلينا. كلا، بل كنتَ تكره تمامًا أن تكون مرتبطًا بها.”
بدا صوته وكأنه يعلم القصة كاملة، لكنه مع ذلك كان يمازحه. ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ توحي بثقة أن بنديكت لن ينكر كلامه أبدًا.
“إذن، أعتقد أنني أستطيع أن أظفر بقلب إيلينا.”
رنّت كلمات إيدن في أُذنيه. انقبض حلقه، واشتعل صدره. صرّ بنديكت على أسنانه. قبض على الخاتم المزخرف بإحكامٍ في كفّه. بعد لحظة، أجاب بنديكت بحزم.
“لا.”
“عجبًا، أليس من المفترض ألّا يهمّكَ مع مَن تكون إيلينا على علاقةٍ وثيقةٍ أو مع مَن قابلت؟”
عبس إيدن وأمال رأسه. رافقت نبرةٌ ساخرةٌ صوته. فجأة، ارتسمت ابتسامةٌ ساخرةٌ على وجه بنديكت. أخيرًا، حدّق في إيدن بغضبٍ وأجابه بحدّة.
“أنتَ مُخطئ.”
أدرك أخيرًا. بعد أن أنكر طرفٌ ثالثٌ مشاعره، اتّضحت له الصورة. عبّر بنديكت عن مشاعره بنبرةٍ تحذيريةٍ حادّة.
“لأنني أحبّ إيلينا كريستي.”
نظر إلى إيدن بعيونٍ لن تلين قط. اختفت الابتسامة من وجه إيدن الهادئ عادةً.
“أنتَ، تحبّ إيلينا؟”
ارتسمت على شفتي إيدن ضحكةٌ ساخرةٌ حائرة. بالطبع، كان يعلم أن بنديكت يكنّ مشاعر لإيلينا منذ زمنٍ طويل. كيف لا؟ لقد أراه وجوهًا لا تُحصى في الأشهر القليلة الماضية، وجوهًا لم يرها طوال عقدٍ من الزمن الذي عرفه فيه. لكن إيدن افترض أن بنديكت لن يعترف بمشاعره أبدًا.
بنديكت الذي يعرفه رجلٌ ذو مبادئ، ليس من النوع الذي يُخاطِر بنفسه من أجل شيءٍ عابرٍ كالحبّ.
“أن تكون لديكَ مشاعرٌ شخصيةٌ تجاه إيلينا سيكون خرقًا للعقد.”
سخر إيدن بخبث، غير متأكّدٍ من صحة الحديث الذي سمعه بالصدفة. كان مغزى الحديث واضحًا. فقد أبرم بنديكت وإيلينا صفقةً تتعلّق بمُحاكمة بنديكت بتُهمة القتل، وبمقابلٍ ما، وكانت المشاعر مستبعدةً تمامًا من علاقتهما التعاقدية.
“ماذا سيحدث لو علمت إيلينا أنكَ نقضتَ العقد وأنكَ تُكِنُّ لها مشاعر؟”
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على شفتي أيدن. لم يكن بوسع بنديكت فعل أيّ شيءٍ حيال الأمر. فهو يملك بالفعل نقطة ضعف ‘زواجهما التعاقدي’. لذا، كلّ ما عليه فعله هو تحييد مشاعر بنديكت هنا.
“هل تمانع إن أخبرتُ إيلينا؟”
كان صوته واثقًا، وكأن كلّ شيءٍ تحت سيطرته.
سرعان ما حدّقت عينا بنديكت الحمراوان في إيدن بنظرةٍ حادّة، كأنها تخترقه. كان وجهه خاليًا من أيّ تعبير. أخيرًا، نهض بنديكت ببطءٍ من مقعده واقترب من إيدن. انتفض إيدن لا إراديًا حين خيّم عليه ظلٌّ كبير.
وأخيرًا، استقرّ صوتٌ خفيضٌ على رأس إيدن.
“نعم.”
كانت إجابةً غير متوقّعةٍ على الإطلاق. نظر إيدن، وقد بدت عليه الحيرة للحظة، إلى بنديكت بقلق. كان بنديكت يلفّ ذراعه بضمادات، ولا يرتدي سوى قميصٍ رقيق، وكان أعزل. كانت بُنية بنديكت الجسدية، التي تُرهِب الآخرين، تُثير الخوف حتى بمجرّد اقترابه منه.
“أخبِرها إن أردت. بالطبع، إن استطعتَ ذلك.”
تجهّم وجه إيدن في النظرة المتعجرفة التي تحدّق به. تراجع بنديكت ببطءٍ خطوةً إلى الوراء، ناظرًا إلى فكّه المشدود.
كان إيدن سبنسر رجل أعمالٍ مخضرمًا.
لقد رآه يُجري مفاوضاتٍ وهميةً في دورةٍ تدريبيةٍ على التفاوض العسكري. رغم أن أوراقه كانت أسوأ من أوراق خصمه، فقد أعلن خصمه الانسحاب. كان ذلك لأنه اتّخذ خطوةً قوية، كما لو كان يملك اليد العليا في المفاوضات.
‘إنها مجرّد حيلة.’
لطالما فضّل بنديكت الأسلوب المُباشر. ولعلّ هذا ما جعله، رغم حصول إيدن على درجاتٍ عاليةٍ في الأكاديمية، غير راضٍ تمامًا عن الاستراتيجية التي استخدمها. فجأةً، عادت إليه نظرة إيدن، مذكّرةً إياه بحصص التفاوض العسكري.
لذا، أراد إيدن الآن استخدام أيّ حيلةٍ لإجباره على الاستسلام. حدّق بنديكت في إيدن، وعيناه جامدتان بلا أيّ تعبير.
“لن تستطيع فعلها.”
كان بنديكت متأكّدًا. لن يُظهر إيدن أبدًا إعجابه بإيلينا.
“أنتَ لستَ متأكّدًا من مشاعر إيلينا.”
لو كانت إيلينا تُبادِله ولو قليلًا من المشاعر، لكان إيدن قد بادر ليربط بينهما كـ’حبيبين حقيقيين’. وإيدن الذي يعرفه لن يُجازِف أبدًا.
ارتجف حلق إيدن قليلًا، وتضاءلت معنوياته.
“…إذن، أنتَ تخطّط للاعتراف لها بحُبّكَ الآن؟”
“حسنًا، هل عساي أن أفعل؟”
أمال بنديكت رأسه بتعبيرٍ هادئٍ وأجاب بتأنٍّ. في النهاية، كانت هذه خدعته لإيدن.
بعد أن حدّق به إيدن بغضبٍ للحظة، نهض أخيرًا.
“…وأنا أيضًا لا أنوي التراجع.”
ثم، وبصوتٍ عالٍ، أُغلِق الباب بقوّة، وساد الصمت الغرفة مجدّدًا.
“هاه.”
أطلق بنديكت زفيرًا عميقًا وجلس على الأريكة. استند إلى مسندها، ورفع ذراعه ببطءٍ إلى جبينه.
لماذا لم يكن يعلم بهذا من قبل؟ شعر بالخجل لأنه أصبح أخيرًا مُدركًا لمشاعره.
في السابق، كلّما رأى إيلينا، كان قلبه يخفق بشدّة، وحتى عندما لم تكن أمامه، كان جزءٌ من قلبه ينبض بدفءٍ كلّما فكّر فيها.
أثار منظر إيلينا مع رجلٍ آخر غضبه، ومجرّد التفكير في أن يُبدي رجلٌ آخر اهتمامًا بها جعله يرغب في كسر عنق ذلك الوغد.
في قاعة المَحكمة الباردة الكئيبة، في قاعة الرقص حيث أشرقت الثريّات بلمعان، تحت المطر الغزير والطين في الكهف، على الرمال البيضاء حيث تتلاطم الأمواج في أوديلو. لم تكن عيناه إلّا على إيلينا.
«كما هو متوقّع، الأرشيدوق مُغرَمٌ حقًا بالأرشيدوقة!»
عندما كشف شخصٌ آخر عن مشاعره التي أنكرها طوال الوقت، دفع إيلينا بعيدًا بقسوة، آمرًا إياها ألّا تقترب أكثر. لكن عندما ناولته إيلينا الخاتم مرّةً أخرى، لم يستطع التفكير في أيّ شيءٍ آخر.
لم يبقَ له سوى فرحة الارتياح لأنها لم تبتعد عنه. وكأنها تسخر من الألم والقلق اللذين ملآ عقله طوال الوقت.
أغمض عينيه ببطءٍ ثم فتحهما.
‘ليس بعد.’
لقد تصالح أخيرًا مع مشاعره، لكنه لم يكن ينوي إخبار إيلينا. ما زال هناك مَن يستهدفه، وهذا الخطر مُوجَّهٌ أيضًا إلى إيلينا.
حتى عندما لم تكن إيلينا تعرف ما في قلبه، كانت مستعدّةً للبقاء بجانبه والمُجازفة. امرأةٌ لم تعرف سوى الحب. لكن ماذا لو عرفت مشاعره الحقيقية؟
هزّ بنديكت رأسه. إلى أن تُحَلَّ جميع المشاكل، لا يمكنه إبقاء إيلينا بجانبه، مُستخدمًا قلبه كرهينة، وإجبارها على المجازفة. إذا واجه خطرًا حقيقيًا، فعليه استخدام العقد كذريعةٍ لإبعاد إيلينا.
و…
«لا أعلم ما سوء الفهم الذي ربما حدث، سعادتك، ولكن لا يوجد بيننا سوى الوفاء كشريكين في هدفٍ مشترك. لذا، لا داعي للقلق من أن أَخِلَّ بعقدنا في المستقبل. حقًا.»
«إنها أشبه بالصداقة الحميمة. أنتَ تفهم ما أعنيه، أليس كذلك؟»
شدّ بنديكت قبضتيه. في اللحظة التي نطقت فيها إيلينا بتلك الكلمات، انقبض قلبه. لم يشكّ لحظةً واحدةً في حبّ إيلينا له. لكنّ إدراكه لمشاعره هو نفسه أثار فيه شعورًا متزايدًا بالقلق، وكأنّها كذبة.
‘لو كان ما قالته إيلينا صحيحًا.’
حتى لو أحبّته يومًا سابقًا، فهل ستحبّه الآن؟ تذكّر كلمات إيدن السابقة.
«أنا مُعجَبٌ بإيلينا.»
كانت إيلينا هي مَن أسرت إيدن سبنسر، الذي لا بدّ أنّه التقى بالعديد من النساء من قبل.
«إذن هذا مجرّد هراءٍ لا مكان له بيننا.»
من جهةٍ أخرى، لم يسبّب سوى الأذى لإيلينا، لعجزه عن فهم مشاعره تمامًا. ماذا لو لم تعد إيلينا تحبّه حقًّا… شحب وجه بنديكت عند هذه الفكرة.
التعليقات لهذا الفصل " 59"