كان يعلم أن إيدن رجل أعمالٍ ناجح، ولكنه كان أيضًا خرّيج أكاديميةٍ عسكرية. لذا، من المفترض أن يكون بارعًا في استخدام الأسلحة. لم يكن سيئًا في الرماية. وبينما كان بنديكت يستذكر درجات إيدن في الأكاديمية العسكرية، انحنى إيدن للورد.
“معذرةً يا سيادتك. أشعر أنني قد قاطعتُ متعتكم، لذا أعتقد أنه من الأفضل أن أرتاح قليلًا وأُعيد ترتيب أفكاري.”
“حسنًا، لا بأس.”
بعد أن حصل إيدن على إذن اللورد بسهولة، ابتسم وأدار حصانه نحو مدخل منطقة الصيد حيث تقع الساحة. شعر بنديكت، وهو يحدّق في ظهره، بشعورٍ غريبٍ من القلق. لم يستطع تحديد السبب.
‘بِتُّ مثيرًا للشفقة.’
كان كلّ شيءٍ فوضويًا منذ الصباح. قرّر التركيز على الصيد لتصفية ذهنه حاليًّا.
بانغ!
أشرق وجه اللورد فرحًا حين استدرج سهمه الخنزير البري إلى طريقٍ مسدود.
“هاها، كما توقّعت، الأرشيدوق جنديٌّ حقيقي. إنه ماهرٌ جدًا!”
شعر اللورد بنشوةٍ عارمة، فاقترب من الخنزير. وأخيرًا، حين وصل إلى مدى الرّمي، أشار إلى بنديكت. شدّ بنديكت وتر قوسه بقوّة.
تشانغ!!
في تلك اللحظة، انكسر قوس بنديكت إلى نصفين بصوت طقطقةٍ مدوٍّ.
كوايك!
انتهز الخنزير الفرصة، وأطلق صرخةً حادّةً وفرّ هاربًا. رمش اللورد مذهولًا من هذا المنعطف غير المتوقّع للأحداث.
“يا إلهي! أيّها الأرشيدوق، أنتَ تنزف بغزارة. هل أنتَ بخير؟”
“… أنا بخير.”
نظر بنديكت إلى يده الملطّخة بالدماء، التي جرحها ارتداد السهم المكسور، وعضّ اللحم الطري في فمه.
“بالمناسبة، أن ينكسر السهم بهذه القوّة؟ هذا أمرٌ لا يُصدق.”
عبس بنديكت وهو يلفّ منديلًا حول جرحه العميق. تغلّب القلق على الألم. في تلك اللحظة، دوّت صرخةٌ حادّةٌ من مدخل الغابة.
“جياااه!”
رفع بنديكت رأسه غريزيًا. خفق قلبه بشدّة. سرعان ما تصاعدت سحابةٌ من الدخان الأبيض من جهة القصر. وما كاد بنديكت يلمح الدخان حتى هرع خادم اللورد نحوهم وهو يلهث.
“سـ سيادتك…!”
“ماذا يحدث؟”
ضيّق اللورد عينيه وهو ينظر إلى الخادم الذي يلهث. تمتم الخادم بكلمةٍ قبل أن يستعيد أنفاسه.
“هناك حريقٌ في حديقة المتاهة. يـ يقولون إن صاحبة السيادة والأرشيدوقة محاصرتان هناك!”
“ماذا؟ كيف يُعقل هذا؟”
“النار مشتعلةٌ بقوّة، وحديقة المتاهة معقّدةٌ للغاية، لم يجرؤ أحدٌ على الخروج …!”
قبل أن يُكمِل الخادم كلامه، دوّى صهيل حصانٍ حادٍّ في الأجواء.
“الأرشيدوق؟”
حدّق اللورد في بنديكت بذهول، الذي كان ظهره يختفي من نطاق رؤيته بسرعةٍ رهيبة.
“اللعنة!”
ضرب بنديكت حصانه بكلّ قوّته، وصرّ على أسنانه. كانت يداه، وهما تمسكان باللجام، شاحبتين بلا دم.
* * *
عندما رمشتُ وفتحتُ عينيّ ببطء، وجدتُ نفسي محاطةً بضوءٍ أصفر باهت. وبالنظر إلى ضوء الثريّا الساطع، وليس الضوء الطبيعي، فلا بدّ أن الوقت كان متأخّرًا جدًا. رمشتُ بضع مرّاتٍ أخرى، فظهر أمامي سقفٌ غريب، ولكنه نظيفٌ وعالٍ. وبينما بدأت رؤيتي الضبابية تتّضح أخيرًا، سمعتُ حفيفًا قريبًا.
“أوه، عزيزتي. لقد استيقظتِ أخيرًا.”
كان الصوت بمثابة تنهيدة ارتياحٍ عميقة. أدرتُ رأسي ونظرتُ نحو مصدر الصوت.
“… ماركيز سبنسر؟ كح!”
ما إن فتحتُ فمي حتى شعرتُ بوخزةٍ حادّةٍ في حلقي. رفع الماركيز الإبريق على عجلٍ من على الطاولة الصغيرة وملأ كوبًا كبيرًا بالماء. ناولني الماء بتوتّر.
“ستصابين بالتهابٍ في الحلق من استنشاق الدخان.”
شربتُ نصف الماء الذي قدّمه لي، واستعدتُ وعيي ونظرتُ حولي. كانت الغرفة الفسيحة أنيقةً وفخمةً في آنٍ واحد. ستائرٌ مطرّزةٌ بالذهب، وسجّادٌ فاخر، وأثاثٌ مصقول. لم تكن غرفتي الأصلية، لكنها كانت بالتأكيد غرفةً في قصر أوديلو.
نظرتُ إلى أسفل، انتبهتُ إلى أنني كنتُ أرتدي نفس الملابس التي ارتديتُها خلال النهار، كما لو أنه لم يجرؤ أحدٌ على تغيير ملابس شخصٍ فاقد الوعي. على الرغم من أنها كانت في حالةٍ يرثى لها.
‘صحيح. كان هناك حريقٌ في الحديقة.’
تذكّرتُ آخر ذكرًى لي قبل أن أفقد وعيي. حديقةٌ متشعّبةٌ ذات مدخلٍ مسدود، ألسنة اللهب تُهدِّد بابتلاعي، وشخصيةٌ ضخمةٌ تخرج من بين الدخان الأسود.
“أين أنا؟ ولماذا أنا هنا؟”
“هذه غرفة العلاج في قصر أوديلو. يمكنكِ الليلة أن تستريحي هنا، وتتلقين المساعدة من الأطباء.”
أخذ الماركيز الكأس مني وتحدّث بصوتٍ خافت، وكأنه يُحاول طمأنتي. مع ذلك، ظللتُ أرمش بقلق، عاجزةً عن الهدوء. كان ذهني لا يزال مشوّشًا، كما لو كنتُ في حديقة المتاهة تلك المليئة بالدخان. بحثتُ بيأسٍ عن آخر شخصٍ رأيتُه.
“ماذا عن الأرشيدوق؟”
“بنديكت … حسنًا، لا أعرف.”
عبس الماركيز عند سؤالي، ثم ابتسم.
“على أيّ حال، كنتِ في ورطةٍ حقيقية. كنتِ محاصرةً في حديقة المتاهة المحترقة، فاقدةً للوعي، وبالكاد تم التمكّن من إنقاذكِ.”
“آه …”
تنهدتُ. كان آخر ما رأيتُه هو الماركيز سبنسر وليس الأرشيدوق. ولسببٍ ما، خرات قواي تمامًا عندها. كان شعورًا واضحًا بخيبة الأمل.
‘لماذا ظننتُ … أنه الأرشيدوق؟’
كان الأمر سخيفًا. بغض النظر عن كتفيه العريضين اللتين تطلّان من خلال الدخان المتصاعد وأنفاسه المتلاحقة المألوفة، افترضتُ بشكلٍ مُبهَمٍ أن أيّ شخصٍ يأتي لإنقاذي في خطرٍ سيكون الأرشيدوق ريتشارد.
‘مع ذلك … كان هو دائمًا مَن يأتي عندما أكون في خطر.’
قمتُ بتسوية أكمام فستاني، الذي كان قد اكتسب لونًا داكنًا. للحظةٍ خاطفة، مرّت كلماته الأخيرة في ذهني.
«إذن هذا مجرّد هراءٍ لا مكان له بيننا.»
عضضتُ شفتي ساخرةً من نفسي. وأنا أتذكّر ما حدث مع الأرشيدوق ذلك الصباح، تساءلتُ إن لم يكن هذا هو الحال بالضرورة. كنتُ أعلم أنه لا ينبغي لي أن أغضب، لكن فكرة أن الماركيز الشاب، وليس الأرشيدوق، هو مَن يعتني بي الآن، جلبت لي شعورًا بالسكينة.
كبحتُ قلقي، وحوّلتُ نظري إلى الماركيز الشاب. كانت كتفاه، وإن لم تكن بعرض كتفيّ الأرشيدوق ريتشارد، قويّتين وهو ينظر إليّ.
الامتنان نعمة، على كلّ حال، لذا أجبرتُ نفسي على الابتسام لمَن أحسن إليّ.
“شكرًا لك، أيّها الماركيز الشاب. بفضلك، أنا على قيد الحياة.”
“لا داعي للشكر.”
“لا بد أنكَ مشغول، لكنكَ انتظرتَني حتى أستيقظ.”
“كان من دواعي سروري البقاء بجانبكِ حتى استعدتِ وعيكِ.”
ابتسم الماركيز الشاب سبنسر بتواضع. تمايل شعره البني المصفّف بعناية.
“لا. لولا الماركيز الشاب، لكانت النيران قد حاصرتي وكنتُ في خطرٍ أكبر. لم تنقذني فحسب، بل اعتنيتَ بي أيضًا. أنتَ فعليًّا مُنقذي.”
بدلًا من الإجابة، اكتفى الماركيز الشاب بابتسامةٍ على شفتيه الناعمتين المستقيمتين. خفضتُ عينيّ، أُحدِّق في بذلته الكريمية الزاهية.
“يبدو أنني دائمًا ما أتلقّى المساعدة من الماركيز الشتب.”
“إذا كان هذا ما تعتقدينه، فما رأيكِ أن تُسدي لي معروفًا في المقابل؟”
أمال الماركيز الشاب رأسه وابتسم. رفعتُ عينيّ ببطءٍ والتقت نظراتنا.
“ما هو؟”
هذه المرّة، كنتُ مصمّمةً على زيادة رسوم توزيع الساعات، مهما كان المبلغ. في النهاية، لقد أنقذ حياتي. لذا كنتُ مستعدةً لخصم هذا المبلغ من حصّتي المستقبلية من التِركة.
لكن عرضه كان غير متوقّعٍ تمامًا.
“من الآن فصاعدًا، لن تناديني الماركيز الشاب، فقط إيدن.”
“هاه؟ هل هذا كلّ ما هو مطلوب؟ هل أنتَ جاد؟”
“نعم. وسأكون ممتنًّا لو سمحتِ لي بمناداتكِ باسمكِ أيضًا.”
اتسعت عيناي وعقدتُ حاجبيّ من كلماته غير المتوقّعة. كلّ ما أراده مقابل إنقاذ حياتي هو أن أُناديه باسمه ويناديني باسمي. ولم يكن يطلب حتى لقبًا أعلى، بل أن أُخاطبه بصيغةٍ أقل رسمية. كان طلبًا يتنافى مع منطقي.
“بالتفكير في الأمر مليًّا الآن، أيّها الماركيز الشاب …”
عندما بدأتُ، رفع الماركيز الشاب حاجبيه بمرح، وارتسمت على وجهه نظرة استياء. أوه، قلتُ، وأخذتُ نفسًا عميقًا، وصحّحتُ مناداتي بسرعة.
“لا، إيدن، أنتَ لا تبدو كرئيس نقابةٍ تجارية.”
“أهذا صحيح؟”
“أنتَ دائمًا ما تُدير أعمالًا سيئة، أليس كذلك؟”
“في الواقع، هذا ليس صحيحًا بالضرورة.”
فتح فمه ليضحك ضحكةً مكتومة.
“حسنًا… افعل ما تشاء.”
حتى بعد موافقتي على الفور، نظرتُ إليه سرًّا بشعورٍ من الأسى.
‘ليس تمامًا. إنه يتظاهر بالذكاء، لكنه دائمًا ما يُثقل كاهلي بطلباتٍ غير واقعية.’
لو كنتُ مكانه، لطلبتُ زيادةً كبيرةً في العمولة. لم يطلب سوى أشياء سخيفةً مثل أن أكون شريكته في الرقص أو مناداته باسمه، وهو أمرٌ شعرتُ بالشفقة عليه. وبينما كنتُ أُفكِّر بقلقٍ مُتطفّلٍ في مستقبل شركة سبنسر التجارية، سمعتُ ضجّةً خارج الباب. أخيرًا، أجاب أحد خدم القصر، وانفتح الباب.
التفتُّ تلقائيًا، وإذا بالأرشيدوق ريتشارد يظهر. نهض إيدن، الذي كان قد نظر أيضًا نحو الباب، مُتحسّرًا.
“أظن أن عليّ الذهاب الآن. إرتاحي قليلًا.”
أمسك إيدن بيدي وقبّلها سريعًا. شعرتُ بالحرج من فكرة أن يدي ملطّخةٌ بالرماد، فسحبتُها بسرعة، لكنه بدا غير مكترث.
ازدادت خطوات الأرشيدوق حدّةً وهو يقترب مني. وأخيرًا، بينما كان إيدن على وشك مغادرة الغرفة، لامست كتفاه كتفَي الأرشيدوق. وفي تلك اللحظة، عبس الأرشيدوق.
التعليقات لهذا الفصل " 57"