قبل ساعةٍ من اندلاع الحريق في حديقة المتاهة، عند مدخل أراضي الصيد في قصر أوديلو
بعد أن أنهى اللورد استعداداته للصيد، التقى بنديكت وضحك.
“هاها، أيها الأرشيدوق ريتشارد. ماذا كنتَ تفعل قبل قليلٍ حتى تبدو هكذا؟ بالتأكيد لم تكن قد عقدتَ اجتماعًا سريًّا مع زوجتكَ بين الشجيرات في طريقكَ إلى هنا؟”
مازحه اللورد، وهو يزيح الأوراق المتراكمة على مؤخّرة رأس بنديكت.
‘تبًا.’
ضغط بنديكت على فكّيه ردًّا على ذلك، وهو يلعن في سره. كانت فوضى الأغصان والأوراق في شعره، في الواقع، جزاءه. تذكّر الحادثة قبل لحظات، وهو يمسح بيده على عينيه العابستين.
قبل ساعاتٍ قليلةٍ فقط.
تشاجر مع إيلينا وخرج من غرفته غاضبًا، ليندم على ذلك قبل أن يُغادر القصر.
‘مثيرٌ للشفقة.’
سخر بنديكت من نفسه. في النهاية، لم ترتكب إيلينا أيّ خطأ. بصراحة، لقد استغلّ حيرته كذريعةٍ لتفريغ غضبه. ولكن بينما كان على وشك العودة إلى غرفته وتوقّف عن المشي، جاء خادم اللورد يبحث عنه.
“طلب مني سيادته أن أصطحبكَ لاختيار حصانٍ لميادين الصيد.”
“لا يهمّني أيّ حصانٍ سأركب.”
أجاب بنديكت ببرودٍ واستدار ليغادر. لم يكن لديه اهتمامٌ كبيرٌ بالصيد للمتعة، وبصفته فارسًا ماهرًا، لم يكن يمانع ركوب أيّ حصان. لكن خادم اللورد لم يتراجع.
“لدى أوديلو العديد من الخيول الأصيلة. بما أن سيادته دعاكَ شخصيًا، من فضلكَ تفضّل معي.”
لو رفض بنديكت أكثر من ذلك، لكان من الممكن أن يُفهَم على أنه يرفض كرم لورد أوديلو بوقاحة. في النهاية، تبع بنديكت الخادم على مضضٍ إلى الإسطبلات.
بعد لحظات.
عندما اختار أوّل حصانٍ رآه وعاد مسرعًا إلى القصر، كان الأوان قد فات.
“سُحقًا، أين هو؟”
لعن بنديكت، وهو مُنحنٍ بين الشجيرات أسفل أسوار القصر. لقد ظلّ منحنيًا لمدّة ثلاثين دقيقة.
كان سبب أعصابه المحمومة ومنظره المُضحك بين الشجيرات هو بحثه عن خاتم إيلينا المزخرف، الذي رماه من النافذة.
‘من المفترض أنه هنا بالتأكيد.’
بعد أن ضرب جبهته بالأغصان عدّة مرّات، نظر بنديكت إلى نافذة غرفة الضيوف التي يقيم فيها بنظرة استياء. كان هذا هو المكان الوحيد الذي يمكن أن يكون الخاتم قد سقط فيه.
لكن مهما بحث، لم يعثر حتى على طرف الخاتم.
“كان عليّ ألّا أستمع إلى الخادم.”
ألقى باللوم على الخادم الذي أرسله اللورد. لم يمكث في الإسطبلات سوى أقلّ من ساعة. كيف يمكن لشيءٍ أن يختفي بهذه السهولة في هذا الوقت القصير؟ مرّر يده بخشونةٍ في شعره وتنهّد بعمق.
“كان عليّ أن أطلب من السيدة بيرونا أن تُحضِر سُترةً أخرى.”
هذه المرّة، لام بنديكت السيدة بيرونا البرئية. شد على قبضتيه بلا سبب. كلّ هذا حدث لأنه أحضر معه نفس السترة التي ارتداها في رحلة صيد الدببة الأخيرة. كان قد حمل الخاتم المزخرف معه سرًّا في ذلك الوقت، لكنه تركه في جيب سترته، وعثرت عليه إيلينا، وكانت تلك بداية المشكلة.
كان يلقي باللوم على الآخرين ويهزّ الشجيرات هنا وهناك عندما رأى بعض الخادمات يمرّون. ناداهن بسرعة. انحنت الخادمات للنبيل الأجنبي.
“هل تحتاج شيئًا، سيدي؟”
سعل بنديكت وسأل بعيونٍ متوتّرة.
“هل تُنظّفون حديقة الشجيرات هذه أيضًا؟”
“نعم، بالطبع. هناك شخصٌ مسؤولٌ في كلّ مكانٍ في القصر.”
انبعثت فيه شرارة أملٍ فجأة، فتابع بنديكت حديثه بسرعة.
“متى ينتهي التنظيف؟ مَن المسؤول هنا؟”
تبادلت الخادمات، ورؤوسهن منحنية، نظراتٍ حائرة. أخبرتهنّ رئيسة الخادمات أن النبلاء الأجانب الذين يزورون قصر أوديلو هذه المرّة هم ضيوفٌ ذوو مكانةٍ رفيعة. يُكِنُّ لهم اللورد محبّةً كبيرة، وقد حثّتهن بإصرارٍ على ضمان تقديم خدمةٍ مثالية …
امتلأت عيونهنّ بالشك، يتساءلن إن كان الشخص الذي أمامهنّ هو بالفعل ذلك الضيف المرموق.
كان ذلك مفهوماً، فملابسه، التي كان من المفترض أن تكون فاخرة، كانت مغطاةً بالغبار، وشعره، الذي كان من المفترض أن يكون أنيقاً، كان أشعثاً مليئاً بالأوراق والأغصان. وما جدوى استدعاء خادمةٍ للسؤال عن جدول تنظيف الحديقة؟ لكن خادمات القصر الخبيرات، وهنّ يحافظن على هدوئهن، أجبن بأدب.
“أنا المسؤولة، لكن من المقرّر أن ننظّف بعد ظهر اليوم.”
“إذن، تقولين إنكم لم تنظّفوا اليوم بعد؟”
“نعم، هذا صحيح.”
رفع الرجل نظره إليها بعد أن أجاب. كان وجهه يائساً. بدا لأيّ شخصٍ رآه كمَن سمع للتوّ نبأ ضياع بلاده. راقبت الخادمة المسؤولة تعابيره وهيئته بعناية، ثم تحدّثت بحذر.
“معذرةً… هل فقدتَ شيئًا هنا؟”
“…إنه خاتم …”
فتح بنديكت فمه متردّدًا، وكأنه يتشبّث بأيّ شيء. تردّد في البداية، لكن ما كان يهمّه الآن لم تكن سُمعته. قرّر أن يتجاهل هيبة الأرشيدوق مؤقتًا.
“إنه خاتمٌ للزينة منسوجٌ بخيوطٍ سوداء وذهبية. كلّ غرزةٍ فيه صُنِعت بدقّةٍ وعنايةٍ وحُبّ، في غاية الروعة بحيث يمكن تصديق أنها قد صُنعت من قِبَل حرفيٍّ ماهر. إنه ينضح بالأناقة والجمال …”
واصل شرح الخاتم بحماس. هزّت الخادمات، اللواتي كنّ يستمعن إلى شرحه المطوّل، أو بالأحرى، إلى تباهيه، رؤوسهن.
“لم أرَ مثله من قبل.”
عبست ملامح بنديكت بوضوحٍ عند سماعه هذا الجواب. لكن إحدى الخادمات أبدت رأيًا مختلفًا.
“امم … إذا كنتَ قد فقدتَه هنا بالفعل، فربما يكون قد أخذه سنجابٌ يعيش في حدائق القصر.”
“سنجاب؟”
عبس بنديكت. أومأت الخادمة برأسها.
“نعم، لديهم عادة تخزين الأشياء الصغيرة في أعشاشهم. حتى أنني رأيتُهم يسرقون الحُلِيّ التي تسقطها الخادمات عدّة مرّات.”
حفيف…
في اللحظة المناسبة، خرج سنجابٌ صغيرٌ من بين الشجيرات على الجانب الآخر. اتسعت عينا بنديكت. كان هناك شريطٌ ورديٌّ طويلٌ عالقًا في فمه.
“…..!”
حدّق في السنجاب وهو يندفع عبر الحديقة. هذه المرّة، كان السنجاب هو المُخطئ حقًا. وضع يده بسرعةٍ على خصره، مستعدًا لقتل السنجاب. لكنه خفض رأسه بسرعة.
‘إنه خطئي أنا.’
خادم اللورد، السيدة بيرونا، وحتى السنجاب. حتى تفريغ غضبه على أهدافٍ مختلفةٍ كان عبثًا. لم يكن له الحق في إلقاء اللوم على أحد. فقدان خاتم الزينة وإيذاء إيلينا كانا بلا شكٍّ خطأه.
استفسر من الخادمة عن مكان عشّ السنجاب ثم انصرف. لقد حان وقت التوجّه إلى مناطق الصيد.
وصل بنديكت، الذي كان قد أجّل البحث عن خاتم الزينة، إلى مناطق الصيد في حالةٍ من الفوضى، بعد أن وبّخه اللورد للتوّ. ابتسم إيدن الذي وصل قبل بنديكت بينما كان يراقب حديثهما.
“هل وقعتَ في فخٍ أو شيءٍ ما؟”
“هراء.”
“لا أحد يعلم.”
أجاب بنديكت باقتضاب، لكن إيدن اكتفى بالابتسام. كان إيدن يرتدي زيّه الأنيق الكريمي الخاصّ بالصيد، وبدا مبتهجًا على غير عادته اليوم. توقّف بنديكت، الذي كان يجمع جعبته بصمتٍ دون أن يُجيب، ونظر إلى السهام فيها.
‘هذا …’
كانت السهام من نفس النوع الذي استخدمه القتلة الذين طاردوه هو وإيلينا في أراضي باردي. ضحك اللورد عليه، الذي عبس بشعور من ديجا فو.
“سهمٌ ممتاز، أليس كذلك؟ إنه سهمٌ إمبراطوري، وماركيز سبنسر هو مَن يزوّد مملكتنا به.”
“…..”
أدار بنديكت رأسه لينظر إلى إيدن. كان إيدن ينقر على الولّاعة في يده، ويبدو عليه الملل من أدواته التي استغرقت وقتًا طويلاً. ضاقت عينا بنديكت بشكّ.
‘مستحيل.’
هزّ بنديكت رأسه، وكأنه يحاول طرد فكرةٍ عابرة.
سرعان ما بدأ الثلاثة رحلة صيدهم، يركضون في أراضي الصيد بقصر أوديلو.
“هاها، أيها الأرشيدوق. كادت أن تصيب هدفها.”
“…..”
عض بنديكت شفته، وهو يحدّق في السهم الذي أخطأ هدفه واستقر في جذع شجرة. لم يستطع التركيز على الصيد إطلاقًا. فرك جبهته التي تؤلمه بشدّة.
كانت مسألة إيلينا تُسبِّب له صداعًا بالفعل، والآن هناك أمرٌ آخر يُقلقه.
“يا إلهي. الماركيز بارعٌ في التجارة، لكن يبدو أنه يفتقر تمامًا لموهبة الصيد.”
هزّ اللورد رأسه شفقةً. بدا أن إيدن يواجه صعوبةً في التركيز على الصيد اليوم أيضًا. فبدلًا من إصابة هدفه، كان وتر قوسه ينزلق باستمرار، مما صعّب عليه حتى إطلاق السهم بشكلٍ صحيح.
التعليقات لهذا الفصل " 56"