كان التوقيت خاطئًا بعض الشيء، لذا شعرا ببعض الإحراج لترك إيديهما الآن.
“……”
“……”
بينما لم ينطق أحدٌ بكلمة، سار بنديكت وإيلينا على طول الشاطئ متشابكي الأيدي.
‘لا حيلة، يجب أن نبدو أكثر واقعيةً كزوجين، أليس كذلك؟’
‘الرمال خطرةٌ جدًا، لا مفرّ من ذلك.’
أخيرًا، وجد كلٌّ منهما سببًا وجيهًا لعدم ترك بعضهما. شعرت راحتا يديهما بالوخز عند تلامسهما. كانت خطواتهما قد تباطأت بالفعل، وهما يمشيان الهُوَيْنى على الرمال البيضاء. كلّما طال سيرهما متشابكي الأيدي، كلّما أصبحا أبطأ.
في الصمت الغريب، لم يكن يُسمع سوى زقزقة طيور النورس البيضاء التي تُحلِّق في السماء. تذكّر بنديكت، وهو يواكب خطوات إيلينا، ردّ فعلها فجأة، عندما حدّقت في البحر أوّل مرةٍ بنظرةٍ فارغة.
“هل هذه أول مرّةٍ لكِ في البحر؟”
كان تعبير إيلينا محتارًا من السؤال العفوي. بدت وكأنها تختار كلماتها بعناية. أخيرًا، ابتسمت إيلينا بخجل.
“في الواقع، هذه ليست المرّة الأولى التي أرى فيها البحر … إنها فقط المرّة الأولى التي أُعجَب فيها بجمال هذا المنظر الطبيعي.”
“الآن وقد ذكرتِ ذلك، أظن أنني أشعر بنفس الشعور.”
تمتم بنديكت، وهو يُحدّق في الأمواج وهي تتلاطم على الشاطئ. هو أيضًا لم يُحدِّق في البحر بهذه الراحة من قبل. بالنسبة له، كان البحر عادةً مجرّد طريقٍ إلى ساحة المعركة. في مثل هذه الأوقات، لم يكن لديه رفاهية تقدير المناظر الطبيعية. كان يأمل فقط ألّا تأتي عاصفةٌ تحمل معها خطرًا لهم.
ضحكت إيلينا ضحكةً خفيفةً على جوابه.
“ألا تعتقد أن لدينا قواسم مشتركةً أكثر مما كنّا نعتقد؟”
“…..”
حدّق بنديكت في إيلينا. كان شعرها الذي يداعبه نسيم البحر، لامعًا بجمال. كان من الصعب معرفة ما إذا كانت الرائحة التي تحملها الرياح هي رائحة الفريزيا أم رائحة إيلينا.
“كوني مع الأرشيدوق لا يعني أنني مضطرّة للتدحرج في الوحل.”
ضحكت إيلينا ضحكةً غامرة، ربما تذكّرت مطاردة اللصوص لها في منطقة باردي. ارتجف قلب بنديكت كسفينةٍ في عاصفةٍ من تلك الضحكة.
“…..!”
في لحظة، تجمّدت يده في الهواء. رفع يده التي لم تكن تمسك بيد إيلينا دون وعي. حاول لا شعوريًا أن يُلامس خد إيلينا.
‘مرّةً أخرى.’
أسقط يده بوخزةٍ من كراهية الذات. ما خطر بباله للتوّ لم يكن مختلفًا كثيرًا عن الأفكار التي كانت تدور الليلة الماضية في ذهنه، وهو مستلقٍ على الأريكة الناعمة. في كلّ مرّةٍ كان يسمع فيها تنفّس إيلينا المنتظم وهي نائمةٌ في السرير، كان عليه أن يُقاوم شعورًا بدا غير لائق.
لقد قاتل عشرات الأعداء المُسلّحين بالسيوف في ساحة معركةٍ غير مواتيةٍ له، ومع ذلك انتصر. انتهى عزمه على عدم الاستسلام لرغبة التوت الأسود التافهة بليلةٍ بلا نوم. وللهروب من الألم الشديد الذي استهلك عقله وجسده، اضطرّ للركض عبر قصر أوديلو الفسيح قبل شروق الشمس.
لحسن الحظ، تمكّن من الحفاظ على سلامته حتى على هذا الشاطئ الرملي الشاسع.
دون أن يُدرِك، وصلوا إلى نهاية الشاطئ الرملي الطويل، ولم يعد بإمكانهم المشي أبعد من ذلك. في الوقت المناسب، اقترب منهم خادم.
“علمتُ أن الماركيز الشاب إيدن سبنسر قد وصل للتوّ إلى القصر.”
“حان وقت العودة إذًا.”
مع ردّ إيلينا، أفت الشخصان أيديهما في آنٍ واحد مع صوت ‘ووش’. امتلأت رحلة العودة بالعربة إلى القصر بأجواء حارّةٍ ومُحرِجة.
∗ ∗ ∗
على شرفة قصر أوديلو الخارجية.
“أليس من الجيد أحيانًا أن نقضي وقتًا يخصّ الرجال فقط؟”
بدا لورد أوديلو مسرورًا للغاية ببينديكت وإيدن أمامه. كان بطل القصة الرومانسية التي انغمس فيها، والشخص الذي أحضره أمامه، يُقدّمان له التحيّة.
استدعى اللورد خادمًا وطلب منه إحضار صندوقٍ ذهبيٍّ مرصّعٍ بالألماس.
“هذه أفخر أنواع السيجار من الإمبراطورية الشرقية.”
أخرج اللورد سيجارًا كان يحتفظ به لمناسبةٍ سعيدة، وسحب منها نفسًا. فلما رأى الخادم ذلك، أنزل شرارةً صغيرةً من المبخرة البرونزية التي تحملها الخادمة. وما إن همّ بإشعال سيجار اللورد، حتى تقدّم إيدن.
“لقد خلقت مملكة غريس شيئًا مثيرًا للاهتمام حقًا.”
ارتطمت يد أيدن بالمعدن. اشتعل لهبٌ صغيرٌ في يده، فاتسعت عينا اللورد أوديلو.
“أوه! هل هذا مُشعِل نار؟”
“نعم. إنها محمولةٌ وتبدو فاخرةً للغاية. إنها منتجٌ جديدٌ من مملكة غريس يُسمى ولّاعة.”
أشعل إيدن سيجارًا بأدبٍ وابتسم. لفّ الولّاعة الفضيّة في يده وناولها للورد، الذي نظر إليها باهتمام. لمس اللورد الولّاعة الفضيّة بفضول.
“كما هو متوقّع، لا يستطيع أحدٌ مواكبة تكنولوجيا المعادن لمملكة غريس.”
“إذا رغبت، يمكننا تأمينها لكَ من خلال مجموعة سبنسر التجارية.”
“ليس هناك سببٌ للرفض. ناقِش الأمر مع روبرت.”
“شكرًا لكَ على تكليفي بهذا مجدّدًا.”
انفرجت شفتا إيدن في رضا. أعطى لورد أوديلو خادمه بعض التعليمات الإضافية بشأن تعاملاته مع شركة سبنسر.
أخذ اللورد نفسًا عميقًا من سيجاره، ثم ضحك ضحكةً مكتومة.
“بفضل الماركيز، عقدتُ صفقةً أخرى مُرضيةً للغاية.”
أشار اللورد إلى بنديكت بيده التي تحمل السيجار. ‘الصفقة المُرضية’ التي كان يقصدها، بالطبع، هي مقابلة الأرشيدوق ريتشارد وزوجته شخصيًا، وتلبية رغباته، وشراء ساعتهما ذات الإصدار المحدود. أخرج اللورد ورقةً فاخرةً من جيبه وتابع حديثه.
“انظر إلى هذه. إنها لوحةٌ رسمها كبير رسّامي البلاط وأرسلها لي اليوم!”
كان مشهدًا لبنديكت وإيلينا، عندما قدّم لا باقة زهورٍ أمام نافورةٍ جميلة. أراها اللورد لإيدن كما لو كان يُظهِر كنزًا ثمينًا. كان رسّام البلاط، الذي لم يتخيّلهما سابقًا إلّا من خلال رسومات الفرسان، قد جسّد الآن ببراعةٍ ما رآه بعينيه.
“إنه لشرفٌ عظيمٌ لي أن سيادتكَ مسرورٌ بذلك.”
أجاب إيدن بابتسامةٍ جافة. استقرّت عيناه الخضراوتان ببرودٍ على الوجهين الخجولين في اللوحة، ثم خفتت.
“يا إلهي! ماركيز! يجب التعامل مع اللوحات بعناية.”
سارع اللورد إلى انتزاع اللوحة المجعّدة قليلًا من بين أصابع إيدن. تظاهر إيدن بالندم والإعتذار، ثم أغمض عينيه وابتسم.
“أعتذر، سيادتك. إنها لوحةٌ جميلةٌ جدًا، لا بد أنني كنتُ منغمسًا فيها بشدةٍ دون وعي.”
أومأ اللورد متفهّمًا. ثم التفت إلى بنديكت، الذي كان صامتًا وتعلو وجهه ابتسامةٌ متوترة.
“الأرشيدوق ريتشارد رجلٌ قليل الكلام.”
“لستُ شخصًا مثيرًا للاهتمام.”
أجاب بنديكت باقتضاب. حتى تلك اللحظة، كانت إيلينا تُثير ضجّةً حول اللورد أوديلو، وتُعامله كطوق نجاةٍ ذهبيٍّ للأرشيدوق، لكن بصراحة، لم يُعجِبه الوضع ولا اللورد نفسه إطلاقًا. حدّق باستياءٍ في صدر اللورد السمين.
‘حتى أنه يحمل لوحة إيلينا في صدره …’
ووجود دميةٍ على هيئة إيلينا في صندوق الملك كان أمرًا مُزعِجًا أيضًا. كان البقاء هادئًا في هذا الوضع المُمِل فقط إنجازًا كبيرًا له. ما كان ليفعل ذلك لو لم تُلِحّ عليه إيلينا بشدّةٍ ألّا يُسيء إلى اللورد.
“لقد قرأتُ كلّ مقابلةٍ تم إجراؤها مع الأرشيدوق، لكن مشاعر الأرشيدوق الحقيقية لم تُكشَف قط.”
“……؟”
عبس بنديكت غير قادرٍ على استيعاب كلمات اللورد. وبينما كان غارقًا في أفكاره، تابع اللورد حديثه.
“أيّ جانبٍ في الأرشيدوقة هو الذي جعلكَ تقع في حبّها تمامًا؟”
“هاه؟ آه …”
كان هذا سؤالًا لم يفكّر فيه بنديكت قط. لو سأله أحدهم إن كان يحبّ إيلينا، لكان بإمكانه ببساطة أن يجيب ‘نعم’ كما لو كان قد حفظها عن ظهر قلب. لكن ما الذي جعله يقع في حبّها؟
حتى إيلينا لم تُخبِره قط كيف يُجيب على هذا السؤال. تمتم بنديكت، بينما كانت كلماته تتلاشى، ووجهه خالٍ من أيّ تعبيرٍ وهو يُحدِّق باللورد.
“أخبِرني! لقد كنتُ فضوليًا جدًا بشأن ذلك لدرجة أنني لا أستطيع منع نفسي من السؤال!”
حاول تجنّب الإجابة، لكن كان ذلك مستحيلًا. رؤية نظرة اللورد المُلِحّة، المُصمّم على سماع إجابة، جعلته يرتجف. تردّد بنديكت، غير قادرٍ على فتح فمه.
التعليقات لهذا الفصل " 52"