كان تصريح الماركيز الشاب سبنسر سخيفًا بحق. لذا أضفتُ بعضًا من عاطفتي الشخصيّة إلى ردّه.
“أنتَ تتحدّث عن حياته، الشخص الذي وُلِد طفلاً غير شرعي، وظلّ في ساحة المعركة طوال الوقت، ثم اتُّهِم بالقتل وصُودِرت ثروته بالكامل، صحيح؟”
“لقد وُلد طفلاً غير شرعي، وظلّ في ساحة المعركة طوال الوقت، واتُّهِم بالقتل، وصُودِرت ثروته بالكامل. ولكن حتى مع ذلك، كان لديه شخصٌ يُحبّه بعمق. إن كان هذا ما تتحدّثين عنه، فنعم.”
ارتسمت ابتسامةٌ مريرةٌ على شفتي الماركيز الشاب
سبنسر وهو يُجيب. حككتُ خدي في حيرة. ما هذا الهراء؟
لقد عاش الماركيز الشاب سبنسر، المولود وفي فمه ملعقةٌ من فضّة، الابن الوحيد لعائلةٍ ماركيزيّةٍ تبوَّأت أعلى منصبٍ في الإمبراطورية، حياةً من الرفاهية والراحة، لم يعرف فيها مشقّةً قط. كنتُ أحسده على حياته أكثر بكثير.
“حسنًا … إذا كنتَ تحسد الأرشيدوق على زواجه، فبإمكانكَ دائمًا العثور على امرأةٍ والزواج منها. ستكون محبوبًا جدًا بالتأكيد.”
“همم… حسنًا. أنتَ وسيم، ثري، وذو أخلاق ممتازة. أنتَ محترمٌ في المجتمع الراقي. لديكَ كلّ الضروريات، أليس كذلك؟ إلّا إذا كنتَ تعاني من نوعٍ من اضطراب الشخصية المُعادية للمجتمع الذي تخفيه سرًّا عن الآخرين، فأنتَ بخير—”
“لم أكن أعلم أنكما ستخوضان في مثل هذا الحديث التافه.”
قبل أن أُنهي كلامي، قاطعني صوتٌ فظٌّ فجأة. خلف الماركيز سبنسر، الذي كان يستمع إليّ بتعبيرٍ أكثر بهجةً من أيّ وقتٍ مضى، ظهر رجلٌ بوجهٍ عابسٍ للغاية.
“أوه، ألم تقل إنكَ ستصلُ غدًا؟”
حدّقتُ في الأرشيدوق ريتشارد الذي دخل غرفة الاستقبال، مُندهشة. كان قد غادر قبل يومين لحلّ نزاعٍ مع إقطاعيةٍ أخرى أثناء جلبه لوازم ورشة العمل. ظننتُ أن الأمر سيستغرق وقتًا طويلًا، إذ وقع قتالٌ جسديٌّ بين الأعضاء المُتنازعين.
“حُلَّت الأمور أسرع ممّا توقعت.”
عبس الماركيز الشاب سبنسر مازحًا عند ردّ الأرشيدوق المُقتضب.
“يبدو أنكَ قليل الصبر هذه الأيام. تعود إلى المنزل مُبكّرًا دائمًا.”
“إيدن، أعتقد أنه يجب عليكَ تعيين مساعدٍ جديد.”
ضحك الأرشيدوق ضحكةً لاذعةً وأضاف ساخرًا.
“أليس من التقصير في أداء الواجب أن يُحدِّد زياراتكَ إلى منزل الأرشيدوق فقط عندما أكون غائبًا؟ حتى الآن، إنه لا يقف مع سيده، بل يتسكّع في الخارج.”
“سآخذ رأيكَ في الاعتبار.”
لم يبدُ أنهما يُناقشان أيّ شيءٍ ذي أهمية. ارتجفت بشرتي بسبب الهواء الحادّ بينهما.
نقلتُ الخبر السارّ بسرعةٍ إلى الأرشيدوق، آملةً أن أُخفّف من حدّة التوتر.
“مع ذلك، منح الماركيز الشاب ورشة عملنا خصمًا على رسوم التوزيع هذه المرّة. جيد، أليس كذلك؟”
“… أنت؟”
توقّف الأرشيدوق قليلًا، وعبس بشدّة. بدا وكأنه سمع للتوّ شيئًا سخيفًا. ثم ابتسم الماركيز الشاب سبنسر.
“من الغريب أنه كلّما طلبت مني زوجتك شيئًا، لا أملك خيارًا سوى تلبية ذلك.”
“…..”
بدلًا من الإجابة، ارتفع ذقن الأرشيدوق بتصلّب. جلس بجانبي، بلا تعبير. راقبنا الماركيز الشاب سبنسر بنظرةٍ فاحصةٍ وبدأ بالحديث.
“على أيّ حال، بما أنكَ ستحضر اجتماع اليوم، أعتقد أنه يمكننا تحديد موعدٍ لزيارة دوقية أوديلو.”
“هل علينا زيارة دوقية أوديلو؟”
اتسعت عيناي عند سماع الخبر غير المتوقّع، وحدّقتُ في الماركيز سبنسر. كان ثالث أكبر مُشترٍ في قائمة البائعين التي سلّمني إياها للتوّ. وبالنظر إلى أن دوقية أوديلو كانت إقطاعيةً صغيرة، أقلّ من عُشر مساحة الإمبراطورية، فإن حجم الطلب كان هائلاً حقًا.
“قد تكون الدوقية صغيرة، لكنها غنيةٌ جدًا بفضل مواردها الوفيرة. جميع أصولها وتُجّارها مِلكٌ لسيد الدوقية. السيد مهتمٌّ جدًا بساعات ريتشارد، والشروط سخيّةٌ للغاية.”
“لكن لماذا عليّ الذهاب إلى الدوقية؟”
تابع الماركيز حديثه ببطءٍ ردًّا على سؤال الأرشيدوق.
“للدقّة، نصّت الاتفاقية على أن تزورا أوديلو شخصيًا.”
“لماذا يا تُرى سيد أوديلو …؟”
عبس الأرشيدوق. أملتُ رأسي موافقًا. لم يسبق أن رغب أحدٌ في مقابلته من قبل. في معظم الأحيان، كانت الأماكن التي يلتقي فيها بالناس عادةً هي ساحة المعركة. هزّ ماركيز سبنسر كتفيه.
“أنا أيضًا لا أعرف السبب. ستعرف عندما تلتقي به. بالطبع، من الأفضل عدم الرفض. على الأقل من أجل الورشة التي تشهد زيادةً سريعةً في الإنتاج.”
∗ ∗ ∗
كما قال الماركيز الشاب سبنسر، لم يكن هناك ما يدعو لرفض رحلة أوديلو. استعددنا بسرعةٍ ووصلنا إلى دوقية أوديلو. كان من المقرّر أن يصل الماركيز الشاب سبنسر، الذي وافق على مرافقتنا كوسيط، بعدنا ببضعة أيام، بعد أن حلّ مؤخرًا مشكلةً مع مصنع نبيذٍ استحوذ عليه.
“أتسائل لماذا طلب مقابلتنا شخصيًا.”
“ربما يحاول التفاوض على الشروط.”
“إذا كان سيطلب تخفيضًا في السعر، فلا يمكن أن نخفّضه أكثر من 3.5%.”
أومأتُ برأسي بنظرةٍ صارمة، وأنا أهزّ إصبعي من جانب إلى آخر. بالطبع، بما أنه زبونٌ كبير، يُمكنني تقديم خصم، لكن إذا أراد خصمًا أكبر، فسأرفض رفضًا قاطعًا.
كان وجه فيكتور، الذي كان يرافقنا، عابسًا جدًا.
“تحقّقتُ ممّا إذا كان جنود الدوقية قد خاضوا أيّ معارك مع الجيش الإمبراطوري في السنوات الأخيرة، ولم أجد أيّ دليلٍ على ذلك.”
كان قلقًا من أن يكون سيد أوديلو قد استدعانا بقصد اغتيال الأرشيدوق ريتشارد. سرت قشعريرةٌ في جسدي وأنا أسأل.
“بـ بالتأكيد لا… هل سيستدعيه بهذا الشكل العلني ليقتله؟”
“ليس فقط أنه لا يُسمَح لنا بإدخال مُرافقٍ إلى القصر، بل يُمنع علينا أيضًا حمل السلاح أمام السيد. إذا كان سيقتلني، فهذه فرصةٌ مثالية. لذا، ربما يكون قد استدرجني عمدًا بوضع شروطٍ مُرضية.”
ابتلعتُ ريقي بصعوبةٍ عند سماع تلك الكلمات. بالتفكير في الأمر، كان افتراضًا معقولًا. كان عدد سكان الدوقية أقل من 10% من عدد سكان الإمبراطورية، ومع ذلك كانت حراستها شديدةٌ بقدر شدّة حراسة الإمبراطورية.
“أ- أو ربما يحاولون توظيفكَ كمرتزقة. سمعة الدوق الأكبر رائعةٌ حقًا.”
أجبرتُ نفسي على التمسك بأملٍ زائف.
“على أيّ حال، تذكّري أننا سنكون فريسةً سهلةً لحظة دخولنا القصر، لذا لا تخفضي حذركِ. حتى لو كان الوضع صعبًا، سأُحاولُ إنقاذكِ بطريقةٍ ما.”
ارتجفت يداي لا إراديًا من جديّة صوته. ثم أضاف فيكتور.
“سيدي، ستكون قادرًا بالتأكيد على هزيمة بعض الرجال العُزَّل، ثم تأخذ أسلحتهم وتدافع عن نفسك. لقد أعددتُ هذا لسعادتك.”
ارتسمت ابتسامة رضًا على شفتي فيكتور وهو يمدُّ لفافةً طويلة.
“هل هذه … خريطةٌ لقصر أوديلو؟”
“نعم. لقد بذلتُ جهدًا كبيرًا للحصول عليها. إنها ممتازة، كلّ شيءٍ مُعلَّمٌ عليها، من الممرّات السريّة إلى ممرّات الحدائق.”
فتح المخطّط وابتسم بفخر.
“ادرسوها جيدًا، تحسّبًا لأيّ طارئ.”
“شكرًا لك، فيكتور.”
أومأتُ برأسي، آملةً ألّا أضطرّ لاستخدام الخريطة. بعد لحظة، ودّعنا فيكتور بقلق. لم يكن مدعوًّا رسميًا، لذا لم يتمكّن من دخول القلعة.
عندما وصلنا إلى البوابة، أدخلنا جنودٌ يرتدون خوذاتٍ ذهبية. وبطبيعة الحال، كانوا قد وضعوا جانبًا أيّ أسلحةٍ قد تكون بحوزتنا. كان كلّ جنديٍّ قوي البنية، وفي إحدى يديه كان يحمل رمحًا طويلًا حادًّا، يبدو أنه قادرٌ على اختراق أيّ شيء.
انكمشتُ من منظر الجنود المخيف. قرّبني الأرشيدوق منه، متوتّرًا من الجو المشؤوم.
وصلنا أخيرًا إلى قاعة الاستقبال في قصر أوديلو.
على الرغم من صغر حجمها، إلّا أن قاعة الاستقبال كانت تفوح بجلال، يليق بأمّةٍ غنية. كانت المساحة الفخمة ذات السقف العالي منحوتةً بالكامل من الرخام الداكن، وتلألأت ثريا كريستاليةٌ ببراعة.
بينما كنتُ أسير على الأرض، المفروشة بسجّادٍ فاخر، رأيتُ اللورد أوديلو والسيدة أوديلو، جالسين في أعلى نقطةٍ في قاعة الاستقبال.
“يُحيي الأرشيدوق ريتشارد، أرشيدوق الإمبراطورية آريا، سيادة اللورد أوديلو.”
[مها: توضيح بسيط، بالكوري كاتبين إنه ‘الملك’ أوديلو بس هو مقاطعته دوقية، مش عارفة ليه بخاطبوه ملك وهو جزء من الامبراطورية لهيك غيرتها لـ ‘لورد’.]
انحنى الأرشيدوق، متوتّرًا ومحترمًا، بأدب. ألقيتُ نظرةً على اللورد، الذي بدا للوهلة الأولى في نفس عمر إمبراطور الإمبراطورية. كان يتمتّع ببُنيةٍ جسديّةٍ قويّةٍ بشكلٍ مدهش بالنسبة لعمره. عيناه الحادّتان، وأنفه الكبير، وحاجباه الكثيفان الطويلان، منحته مظهرًا شرسًا، ذكّراني بالوهلة الأولى بـنمر.
“…..!”
ارتجفتُ عندما التقت عينا اللورد الذهبيّتان المتألّقتان. لم أكن الوحيد الذي شعر بالتوتر في نظراته. حتى الأرشيدوق ريتشارد وضع يده على خصره، العاري دون سيف، دون وعي.
“الأرشيدوق ريتشارد، والأرشيدوقة.”
حدّق سيد أوديلو، وهو يتحدّث ببطء، بكلينا باهتمام. أخيرًا، انفتحت شفتاه السميكتان، كاشفتين عن صفٍّ من أسنانه. بابتسامةٍ جشعة، رفع يده أخيرًا ببطءٍ نحو الجنود المصطفّين.
التعليقات لهذا الفصل " 48"