توقّف جسدي، الذي كان يتدحرج على المنحدر الوعر لفترةٍ طويلة، أخيرًا. عندما فتحتُ عينيّ أخيرًا، كنتُ على أرضٍ مستوية.
“أ- أنا على قيد الحياة!”
تأوّهتُ وأنا أُقوِّمُ جسدي المُتألّم. حتى نظرةٌ سريعةٌ إلى الأعلى كشفت أننا وقعنا في هاوية. بدوتُ في حالةٍ يُرثى لها، وكلّ مفصلٍ في جسدي يؤلمني، لكنني الآن ممتنّةٌ لكوني على قيد الحياة وقادرةً على الحركة.
لكن المشكلة الحقيقية كانت الأرشيدوق.
“أرشيدوق؟ هل أنتَ بخير؟”
هززتُ الأرشيدوق، الذي كان يرقد بجانبي، بيدٍ مُلحِّة. كان فاقدًا للوعي، وعيناه مُغمضتان. غرق قلبي للحظة.
“أنتَ … لستَ ميّتًا، أليس كذلك؟”
بأصابع مرتجفة، تحسّستُ نبضه في رقبته، ولحسن الحظ، شعرتُ بنبضٍ خافت. تنهّدتُ تنهيدة ارتياحٍ عابرة، لكن هذا كان سابقًا لأوانه. دوّى صدى صوتٍ مُرعبٍ من أعلى التل.
“ابحثوا عن طريقٍ بديل!”
كانت صيحات مطاردينا، الذين استطعنا الغياب عن أنظارهم. لحسن الحظ، لم يجرؤوا على إلقاء أنفسهم من الجرف لملاحقتنا.
‘سيلحقون بنا قريبًا على أيّ حال.’
عضضتُ شفتيّ. لو كان الأرشيدوق واعيًا، لكنتُ تمكّنتُ بطريقةٍ ما من الفرار من هذا المكان في الوقت الذي استغرقه المطاردون للنزول. لكن لو حملتُ هذا الرجل الضخم على ظهري، لكانت مسألة وقتٍ لا أكثر حتى تتمّ مُحاصرتي.
‘عليّ أن أجد مكانًا للاختباء، على الأقل حتى يستيقظ الأرشيدوق.’
نظرتُ حولي بسرعةٍ فرأيتُ كهفًا صغيرًا مخفيًّا بين الأعشاب الكثيفة. كان عميقًا جدًا في الداخل، لكنه مرتفعٌ بما يكفي ليستطيع الأرشيدوق الجلوس فيه إذا نهض.
“آه—.”
أولًا، وضعتُ يدي بين إبطيّ الأرشيدوق وسحبتُه بكلّ قوتي. شعرتُ بألمٍ في كلّ عضلة، لكن لم يكن لديّ وقتٌ للانتباه. استجمعتُ كلّ قوّتي لدفعه إلى الجُحر، ثم جمعتُ الأوراق المتساقطة والأعشاب المحيطة، ونثرتُها حيثُ كان أثرُنا.
وأخيرًا، تمكّنتُ من حشر نفسي في الجُحر الذي يرقد فيه الأرشيدوق، وغطّيتُ المدخل بالأعشاب والأوراق المتبقية.
“آه …”
استجمعتُ أنفاسي أخيرًا، لكن ألمًا مُبرحًا اجتاح جسدي كله. بدا الأرشيدوق، وهو مستلقٍ بجانبي، أكثر بؤسًا مني. كان ذلك طبيعيًا، فقد كان بمثابة وسادةٍ أُسند بها جسدي وأنا أتدحرج على الأرضية الحجرية. بطريقةٍ ما، غمرني ألمٌ عميق.
“أشعرُ بندمٍ أكبر الآن …”
ترك منظر الرجل الذي فقد وعيه بسببي أثرًا من الألم، مما يوحي بأنني ما زلتُ أملك ضميرًا. لقد تخلّيتُ عن هذه الاعتبارات منذ زمن، وأضحيتُ أعيشُ من أجل المال فقط.
وعدتُ نفسي أنه عندما يستيقظ، سأعتذر عن تعريضه لهذا الأمر. لو أراد، لخفّضتُ حتى رسوم الدفع. كان هذا أعظم اعتذارٍ في حياتي، اعتذارًا لا أستطيع تقديمه دون المخاطرة بحياتي.
في تلك اللحظة، دوّى ضجيجٌ خارج الكهف.
“هل سقط هنا؟”
“لا بد أن إصابته بالغة، لذا لم يكن ليتمكّن من الابتعاد عن هنا!”
فزعتُ، فانحنيتُ على جسد الأرشيدوق أكثر. غطّيتُ فمي بيدي خشية أن يخرج أيّ صوت. كلّما اقتربت خطوات، ارتجفتُ خوفًا من أن يكتشفوا الكهف.
بات، بات-
فجأةً، شممتُ رائحة رطوبةٍ وسمعت صوت ماءٍ يتساقط. في تلك اللحظة، بدا وكأن مطرًا غزيرًا ينهمر خارج الكهف.
“آه، لقد بدأت تمطر!”
تلاشت أصوات الرجال المنزعجة، مع خفوت صوتهم أثناء ابتعادهم. عندها فقط رفعتُ رأسي بهدوء. نظرتُ إلى وجه الأرشيدوق مجدّدًا، فوجدتُ ملامحه الجميلة شعثاء، مُغطًى بالدماء والتراب.
زحفتُ خارج الكهف وبلّلتُ منديلًا بالمطر.
“ماذا أفعل؟ لا ينبغي أن تكون هناك أيّ إصاباتٍ خطيرة.”
وبوجهٍ دامع، مسحتُ وجه الأرشيدوق بعنايةٍ بالمنديل المبلّل. رؤيته الذي بدا دائمًا كصخرةٍ صلبة، مُلقىً فاقدًا للوعي بلا حولٍ ولا قوّة، ملأني بالقلق والخوف، وجعلت عينيّ تمتلأن بالدموع. وبينما كنتُ على وشك فرك عينيّ المحترقتين بظهر يدي، رفرفت عينان حمراوين أمام عيني.
“أين … أين نحـن …”
“…..!”
في اللحظة التي تجمّد فيها جسدي من شدّة الصدمة، انسابت الدموع التي تجمّعت عند طرفي عينيّ وانحدرت على خدّي. عندما فتح الدوق عينيه، بدا على وجهه تعبير حيرةٍ وارتباك.
“أنتِ … هل تبكين؟”
كان صوته خافتًا أجشًّا، لكن ما إن سمعتُه حتى زال التوتّر من جسدي. في الوقت نفسه، كأنه نهرٌ يتدفّق من سدٍّ مكسور، انفجرتُ بالبكاء دون أن أستطيع التوقّف.
“أبكي. لماذا، لماذا فتحتَ عينيكَ الآن فقط؟ كنتُ خائفةً جدًا!”
تلاشت رغبتي في الاعتذار أولًا عندما فتح عينيه، وقبل أن أُدرِك، تشبّثتُ به وانفجرتُ بالبكاء.
بعد لحظة.
ووشش! على عكس صمت الكهف، كان المطر ينهمر بغزارةٍ في الخارج. وقبل أن أعي ذلك، كنا نجلس جنبًا إلى جنبٍ في الكهف الضيق.
“أنا-أنا آسف.”
كان يتململ طوال فترة بكائي، عندها فتح فمه لي بتردّد، وأنا لا أزال أستنشق أنفاسي. في النهاية، وبشكلٍ سخيف، كان أوّل مَن اعتذر. وذلك لسببٍ أسخف، لأنه أُغمي عليه وتأخّر جتى استعاد وعيه.
عبس الدوق الأكبر وهو يحدّق بي. كانت ملابسي نصف مبتلّةٍ في مياه الأمطار ومغطّاةٌ بالطين وممزّقة. علاوةً على ذلك، كانت يداي حمراء اللون ومتضرّرة، ومعصماي وكتفيّ، المكشوفة من شدّة عناء حمل الرجل فاقد الوعي، متورّمة، ومكدّمة.
“هاا ….”
تنهّد بهدوء، عضّ شفته وغمغم بصوتٍ خافت.
“أنا آسف. كلّ هذا خطأي.”
“لا تقل هذا. أعلم أنه خطأي. لقد ضُبِطتُ وأنا أتجوّل في ماركيزية باردي، وطُورِدت.”
عقدتُ جاحباي وأنا أقول هذا. كنتُ أعلم أنني أتصرّف بتهوّر. لقد أفسدتُ الأمر بتدخّلي. لكن فجأة، هزّ الأرشيدوق رأسه ببرود.
“هل تعتقدين حقًا أن مَن طاردونا كانوا من عائلة باردي؟”
“مـ ماذا … تقصد؟”
حدّقتُ به بعينين واسعتين، فشدّ قبضتيه.
“حتى أكثر الممالِك يقظةً لن تُطلِق العنان لقتلةٍ مسلّحين لمجرّد أن امرأةً صغيرةً تنبشُ في شائعاتٍ قديمة.”
“حسنًا إذًا…”
رمشتُ شاردةً في التفكير. أجاب الأرشيدوق بصوتٍ خافت.
“السهام التي استخدموها. كانت تُوزَّع في العاصمة. من المُرجَّح أن مُدبِّريها لم يكونوا باردي، بل العائلة الإمبراطورية. أو ربما كان أحد النبلاء من العاصمة يحمل ضغينةً ضدي. على أيّ حال، كنتُ هدفهم. كان هناك دائمًا الكثير من الناس يطاردونني.”
كنتُ أعتقد دائمًا أن ما أفعله لا يتجاوز الدفاع عن شخصٍ ما كمحامية، كما كنتُ أفعل دائمًا. لذلك لم أفكّر يومًا بعمقٍ في وضع الأرشيدوق هنا. لكن فجأةً أدركتُ أنني أصبحتُ متورّطةً معه إلى درجة أنني أُهاجَم فقط لأنني زوجته، ارتجف ظهري بقشعريرةٍ باردة. عندها توقّفت نظراته الهادئة على يدي التي شحبت من الذعر. وبعد لحظات، امتدّت يده فجأةً لتقبض على يدي.
“……!”
شهقتُ مذعورة، وتبع ذلك صوت تمزّقٍ طويل. مزّق الأرشيدوق قميصه ممتدًّا من بين أسنانه.
“العالم الذي أعيش فيه ليس عالمًا لشخصٍ مثلكِ.”
ضمّد يدي بعناية، التي باتت الآن مصابةً بكدماتٍ من جمع الأعشاب والأوراق المتساقطة، بحافّة قميصه الممزّق وتابع بهدوء.
“الشخص الذي تحاولين مواجهته لإثبات برائتي قاتل، وربما يكون حتى فردٌ من العائلة الإمبراطورية. لقد هدّدوا حياتي منذ فترةٍ طويلة، لكن في النهاية، أنتِ طرفٌ ثالثٌ في هذا الأمر.”
“……”
تركتُ يدي في يده، ورمشتُ بصمت. دفّأت حرارة جسده يدي الباردة. بعد أن حدّق الأرشيدوق في وجهي للحظةٍ طويلة، بدا وكأنه قد حسم أمره أخيرًا، وكان تعبيره ثقيلًا وهو يتمتم بهدوء.
“لم يفُت الأوان. طلّقيني الآن وعودي إلى حياتكِ الطبيعية.”
التعليقات لهذا الفصل " 45"