حدّق بنديكت باهتمامٍ في حزمة الأوراق التي لفتت انتباهه، ممسكًا بها بإحكامٍ بكلتا يديه.
[الظهور الاجتماعي الباهر لزوجة الأرشيدوق القاتل ريتشارد ♡ ]
كان مقالًا صحفيًا من صباح اليوم. جاء ذلك عقب أنباءٍ عن استئناف التجارة مع مملكة غريس وازدهارها، وكذلك خبرالوفاة المُفاجِئة لمالِك إحدى مصانع النبيذ.
[الأرشيدوقة إيلينا ريتشارد، المعروفة على نطاقٍ واسعٍ بعلاقتها الغرامية المشؤومة مع الأرشيدوق القاتل ريتشارد، اقتحمت المجتمع الإمبراطوري فجأةً في حفل الصيف الراقص أمس.
من بين جميع الحاضرين الذين لا يُحصَون، برزت هي بجمالٍ خطف الأنظار دون منافسة، لتذكّر الجميع بظهور فيفيان، زوجة ولي العهد، قبل ثلاث سنوات حين دخلت المجتمع الراقي كزهرةٍ متفتّحةٍ برفقة ولي العهد وقد اجتذبت وحدها أنظار النبلاء الشباب جميعًا …]
“لا يزال الصحفيون في حالة فوضى.”
انبعث من حنجرة بنديكت زئير تذمّرٍ وهو يرمي حزمة الأوراق جانبًا. كانت كلّ عبارةٍ في المقال غير مُرضية. بالطبع، لم تكن عبارات مثل ‘الأرشيدوق ريتشارد القاتل’ الشيء الوحيد الذي أزعجه. كان بإمكانه بسهولةٍ تجاهل حقيقة أن الصحفيين كانوا يطلقون عليه مثل هذه الألقاب الاستفزازية لسنوات.
لكن …
‘فيفيان، زهرة؟ إنها إنسانةٌ بكلّ وضوح.’
لم يسعه إلّا أن يعبس من المقارنة المتبجّحة بين أوّل ظهورٍ اجتماعيٍّ لفيفيان قبل ثلاث سنوات، والذي لم يُثر إعجابه بشكلٍ خاص، وظهور إيلينا الأخير.
وماذا عن التفاصيل البذيئة عن الشباب الذين يغازلون امرأةً متزوّجة؟ كان بإمكانه بسهولةٍ مقاضاة الصحفيين الذين كتبوا مثل هذه القصص بإهمالٍ بتهمة الفحش. بالطبع، لو كان هؤلاء الشباب موجودين بالفعل، لاستحقّوا قطع رؤوسهم لإهانتهم ‘ريتشارد’.
ضاقت عينا بنديكت بشدّة.
‘… هل يمكن أن يكون الماركيز الشاب ديون؟’
فجأة، لمست يد بنديكت سيفه شارد الذهن، ثم سقطت.
‘لم يفت الأوان بعد للقضاء عليه.’
كان مستعدًّا لقطع أيّ وغدٍ يغازل إيلينا. بالطبع، كان ذلك من أجل شرف ريتشارد لا أكقر.
نظر إلى الصحيفة المجعّدة باستياء. الأمر الأكثر إزعاجًا هو أن ظهور إيلينا الأوّل في المجتمع الراقي لم يُنشَر في الصفحة الأولى ولا حتى في الصفحة الثانية، بل في الصفحة الخامسة. نُشِر المقال التافه عن زيارة فيفيان لأحدث مصانع النبيذ لاختيار النبيذ لحفلها الصيفي في الصفحة الثانية.
“أيّها الأوغاد الذين لا تعرفون حتى ما هو مهم.”
حدّق بنديكت في صورة إيلينا في الصفحة الخامسة. كانت صورةً لامرأةٍ ترتدي فستانًا ورديًّا باهتًا رقيقًا، وشعرها ينسدل بخصلاتٍ ذهبيةٍ لامعةٍ كضوء الشمس. كانت صورةً مثاليةً لإيلينا في الحفل ليلة أمس.
لو قارن الناس بالزهور، لكانت إطلالة إيلينا الليلة الماضية أشبه بزهرة. خدودها الورديّة الخجولة، وعبيرها الزكي المنبعث من بشرتها الشاحبة، وشفتيها الناعمتين…
شفتان ناعمتان بلا شك … ملمسهما …
تشييك-
جعّد بنديكت، غارقًا في أفكاره، طرف الصحيفة بين يديه. أخيرًا، تنهّد بعمقٍ وكأن عالمه ينهار.
“تلك المرأة خطيرة.”
في الواقع، كاد يفقد وعيه الليلة الماضية. كانت قبلةً آسرة. كان قد سُكِر برائحة إيلينا ولمستها، احتضنها لا شعوريًا بعمقٍ أكبر في النهاية. حاول أن يبرّر حاسّته السادسة، لكنه لم يتسنَّ له حتى التفكير في الأمر. كانت الأحاسيس التي تتدفّق عبر حواسه الخمس مثيرةً للغاية. بصراحة، لم يكن يعلم أن لورانس أو الإمبراطورة قريبان حتى أخبرته إيلينا بذلك.
‘أيًّا كان، يجب ألّا نحمل مشاعر شخصيةً لبعضنا البعض.’
أعاد بنديكت النظر في شروط عقده، مشيدًا بنفسه على حكمته في وضعه ذلك اليوم.
لو لم يكن قد وضع تلك الشروط، لكان كلّ شيءٍ أصبح فوضى عارمة. ربما كانت إيلينا، التي لا تعرف سوى الحب، ستغمره بقبلاتٍ حُلوةٍ كلّ يوم.
“…..”
ازدادت عينا بنديكت ضبابيةً لا إراديًا وهو يتخيّل ذلك المشهد. في حلم يقظةٍ بعيد، انفرجت شفتاه المتناسقتان قليلًا.
“صاحب السعادة!”
انفتح باب المكتب فجأةً بصوتٍ عالٍ.
“…..!”
لم يرتكب أيّ جريمة، لكنه شعر وكأنه قُبِض عليه متلبّسًا. رتّب بنديكت قصاصات الصحف المنتشرة على مكتبه بسرعة. تحرّكت يداه المُدرّبتان بدقّةٍ ورشاقةٍ لا تُصدَّق. لفّ المقالات عن فيفيان ومصنع النبيذ، جعّدها، وألقى بها في سلّة المهملات، لكنه احتفظ بالصفحات التي تحمل صورة إيلينا.
أخيرًا، وجد بنديكت السكينة، وحدّق في فيكتور. بلا مبالاة، وكأن شيئًا لم يكن.
“ما الأمر؟”
“رسالةٌ من السيد سبنسر. لدى الماركيز الشاب أمرٌ عاجلٌ ويريد تأجيل اجتماع اليوم.”
“فجأة؟ هل حدث أمرٌ جللٌ لإيدن؟”
عبس بنديكت عند تغيير الجدول المفاجئ. كانت ورشة العمل التي أشرفت عليها إيلينا تُكمِل بالفعل نماذج الساعات الأولية. كانت الاستعدادات لتوزيع الساعات وتجارتها جاريةً بسرعة، وكان قد خطّط لمناقشة هذا الأمر مع شركة سبنسر، مورّده الحصري.
“أوه. لم يحدث شيءٌ للماركيز الشاب. قال فقط إنه بحاجةٍ إلى تقديم عرضٍ لشراء مصنع نبيذٍ عُرِض للبيع بسبب اختفاء مالِكه. قال إنها صفقةٌ جيدةٌ جدًا.”
“همم.”
يبدو الأمر أكثر تأكيدًا من تجارة الساعات.
تمتم بنديكت بهدوءٍ وشخر. كانت شركة سبنسر متورّطةٌ في جميع أنواع المشاريع المُربِحة في الإمبراطورية، والآن يبدو أنها تتوسّع في تصنيع الخمور.
عبس فيكتور عند رؤية بنديكت، وراقب ردّ فعله بتكتّم.
“سيزور ورشة الساعات بالتأكيد الأسبوع المقبل. قال إنه سيتأكّد من عدم حدوث أيّ خللٍ في توزيع الساعات.”
“بالتأكيد.”
تمتم بنديكت بإحباط. منذ صغره، كان إيدن سبنسر يتمتّع بحسٍّ ماليٍّ عالٍ. لذا، لا بد أنه تصرّف بسرعةٍ هذه المرّة أيضًا، مُعطيًا الأولوية لشراء مصنع نبيذٍ مُربِحٍ على لقائه المُقرَّر مُسبقًا مع ورشة ريتشارد.
“إنه رجل أعمالٍ صاف الذهن، ومع ذلك استثمر في إيلينا بشروطٍ مُبالغٍ فيها.”
أعاد هذا إلى الأذهان الأسابيع القليلة الماضية من معركته الشرسة مع الدب، وشعر بنديكت بنوبةٍ من القلق. لطالما كان مستاءً من سلوك إيدن غير المعتاد تجاه إيلينا، ومع ذلك، بطريقةٍ ما، شعر بعدم الارتياح.
غيّر فيكتور الموضوع بسرعةٍ لتهدئة رئيسه الذي بدا عليه القلق.
خفّ صوت بنديكت قليلًا عند إشادة زوجته، وازداد فيكتور حماسًا بدوره.
“بفضل خطّتها التجارية الرائعة، ينعم أهل العقار برخاءٍ غير مسبوق! هذه الأيام، إذا خرجتَ إلى الشوارع، تُشرِق وجوههم فرحًا.”
“يا لها من راحة.”
أومأ بنديكت برأسه، كما لو لم يكن الأمر استثنائيًا، لكنه كان يعلم ذلك. في كلّ مرّةٍ كان ألبرت يقدّم تقريرًا، كان الوضع المالي يتحسّن بشكلٍ كبير. علاوةً على ذلك، أصبحت الشوارع، التي كانت باردةً وصامتةً في السابق، مليئةً بالدفء والضحك.
اتّسعت ابتسامة فيكتور، وعقد حاجبيه.
“لا أحد في العالم يحبكَ أكثر من صاحبة السعادة الأرشيدوقة. ألا تفعل كلّ هذا من أجلك؟”
“أرى … هكذا يرى الآخرون الأمر أيضًا.”
تمتم بنديكت بحقيقةٍ مألوفة، وتنهّد بهدوءٍ ومسح وجهه بيده. عند التدقيق، بدت إيلينا ساذجة، تكاد لا تخفي مشاعرها.
“على أيّ حال، بفضل إلغاء اليوم أصبح جدولنا فارغ. هل يجب أن نحدّد مواعيد تدريبنا كالمعتاد؟”
“…..”
“امم … أم علينا استخدام أوقات صيانة أسلحتنا؟”
رأى فيكتور التردّد على وجه بنديكت، فاقترح بارتباكٍ طفيف. عادةً ما يُعطي بنديكت إشارة الموافقة للتدريب البدني أو العسكري. لكن الآن، كان بنديكت يفكّر في شيءٍ مختلفٍ تمامًا.
التعليقات لهذا الفصل " 38"