“كانوا جميعًا على علاقةٍ بالمُدَّعى عليه، وهو رجلٌ متزوّج. لقد آذوا المُدّعية بشدّة، التي كانت تأمل في الحفاظ على أسرتها.”
“ها. أنتِ مَن رفع دعوى الطلاق، مُشتّتةً الأسرة!”
ابتسمتُ بارتياحٍ للدوق الذي لا يزال غافلًا.
“هل هذا صحيح؟ سأُقدِّم كدليلٍ رسالةً من عشيقة المُدَّعى عليه الحالية، الآنسة ستيفاني. سأقرأُها لكَ هنا.”
[سيدتي، يبدو أنكِ فقدتِ صوابكِ أخيرًا، وقد أعمتكِ الغيرة.
تأكّدتُ من كلّ شيءٍ مع الدوق، وأكّد أن ما قلتيه كان كذبةً صارخة!
أولًا، أهدى الدوق الآنسة روزالين خاتمًا من الألماس عيار ثلاثة قيراط وثلاثة فساتين.
ثانيًا، لم يُغطِّ الآنسة ليليان نفقات معيشة خمسة أشهر فحسب، وأهداها قاربًا، وليس يختًا.
ثالثًا… رابعًا… (إلى آخر)
الفيلا التي أهداها للآنسة باتريشيا العاشرة استُعيدت وأُعطِيت لي.
يقول الدوق إنه لا يحبّها إطلاقًا، إنها امرأةٌ عجوزٌ غريبة الأطوار.
قلتِ إنكِ تريدين الحفاظ على تماسك عائلتكِ، لكن الدوق يقول إنه لا ينوي الاستمرار في الزواج. بالطبع، يخطّط لشراء هدايا لي أكثر ممّا أهداها للنساء العشر السابقات.
أرفقتُ مُذكِّرةً من الدوق تُثبِت صحّة المحتوى الذي ذكرتُه.
– ستيفاني بوفاري]
انفجرت قاعة المحكمة ضجّةً بسبب المحتوى الصادم. بدأ الجميع، غير مصدّقين آذانهم، باتّهام الدوق بسلوكٍ غير لائق.
“يا إلهي … كيف تجرؤ مجرّد عشيقةٍ على كتابة مثل هذه الرسالة إلى الدوقة!”
“هل سمتعتُم كيف أطلقت على نفسها اسم ستيفاني بوفاري. يا لها من وقحة!”
“كنتُ أعرف أن الدوق بوفاري لعوب، لكنني لم أكن أعلم أنه سيكون فاجرًا إلى هذه الدرجة…”
ابتسمتُ وأنا أنظر إلى الرسالة التي احتفظتُ بها بعنايةٍ فائقة.
كانت ستيفاني جريئةً ومتكبّرةً في آنٍ واحد، حتى أنها أرسلت رسائل عديمة احترامٍ إلى الدوقة من محل الحلويات الخاص بها. علاوةً على ذلك، تلاعبت بالدوق لإذلال الدوقة. وبالطبع، في محاولةٍ للحفاظ على علاقتهما، أعطى الدوق حبيبته الشابة كلّ ما أرادت.
ونتيجةً لذلك، توقّعتُ أنه إذا كتبتُ رسالةً استفزازيةً إلى ستيفاني، فستغضب بشدّةٍ وتعارضني. لذلك، جعلتُ الدوقة بوفاري تُبالِغ في تقدير الهدايا التي أهداها الدوق لعشيقاته السابقات.
وكما كان متوقّعًا، استشاطت ستيفاني غضبًا، ولإثبات أنها أعزّ عشيقةٍ للدوق، كشفت حتى معلوماتٍ عن عشيقاته السابقات.
وأخيرًا، ألقيتُ الرسالة، الدليل، على الدوق.
“ألم تكتب بنفسكَ تعهّدًا يؤكّد أن محتوى الرسالة دقيق؟”
“ذـ ذ… ذلك…”
“كيف يُمكن للدوقة، المُدّعية، أن تبقى صامتةً بعد سماعها قصةً مُخزيةً كهذه من عشيقةٍ بسيطة؟ علاوةً على ذلك، كان المُدّعى عليه هو أوّل من سخر مَن المُدّعية، التي كتبت رسالةً تقول فيها إنها ستحمي عائلتها، وأعلنت نيّتها في مواصلة الزواج.”
قرأ محامي الدوق، بوجهٍ شاحب، محتوى الرسالة، ثم انهار على مقعده، وارتسمت على وجهه علامات الذهول. كان القاضي أيضًا عاجزًا عن الكلام أمام الأدلّة الواضحة على هذه العلاقة، وتلعثم ببضع كلماتٍ قبل أن يتمكّن من الحديث.
“آه، آه. من غير المعتاد رفع دعوى قضائية ضد أحد عشر شخصًا دفعةً واحدة، لكن … سأسمح بذلك.”
“أوه، في الواقع، هناك شخصٌ آخر سأُقاضيه.”
“سـ سترفعين دعوى قضائية أخرى …؟”
نظر إليّ القاضي بنظرةٍ متوسلة، متوسّلاً إليّ أن أتوقّف. بدت فكرة التعامل مع اثنتي عشرة دعوى قضائيةً دفعةً واحدةً مُذهلة. لكنني أكملتُ على أيٌ حال.
“أنوي اتّهام دوق بوفاري بجرائمه.”
“هراء! كيف للحبّ أن يكون جريمة؟”
احمرّ وجه دوق بوفاري الآن وحدّق بي بحنق. حدّقت به بنظرةٍ شرسةٍ في المقابل.
“جميع الهدايا المذكورة في هذه الرسالة شُرِيت بممتلكات الدوق. دون موافقة الدوقة، وهي مديرة الممتلكات المشتركة. لذلك، سأقاضيكَ بتهمة الاختلاس.”
“ها. هذه ممتلكاتي أيضًا! ألا تعلمين أن الاختلاس لا يُطبَّق بين الأزواج؟”
“بالتأكيد، هذا صحيحٌ بين الأزواج، لكن الأمر مختلفٌ عندما يتعلّق الأمر بممتلكات شركة التجارة.”
“حاليًا، تُدار جميع ممتلكات الدوق باسم شركة التجارة. وهذا وفقًا للاتفاق المُبرَم بين العائلتين عند زواج الدوق والدوقة.”
كان سبب إرجاء الدوقة للطلاق لمدّة عشرين عامًا هو تحديدًا العمل المشترك المرتبط بزواجهما. أما الآن، فقد أصبح عمل الدوق الخاص المرتبط بزواجهما هو الذي يُواجهه الآن.
“ممتلكات الدوق ليست مِلكًا للزوجين فقط، بل لشركة التجارة. بمعنًى آخر، إذا أخذ المال دون إذن الزوجة، وهي مديرة الممتلكات المشتركة، فسيكون ذلك اختلاسًا.”
بدأ الدوق، وقد انتابه حرجٌ شديد، بالثرثرة.
“تـ تلك المرأة أنفقت ثروة التجارة بتهوّر! استخدمت أموال الدوق لشراء المجوهرات والفساتين والحفلات!”
“ألم تسمح بسهولةٍ بجميع النفقات التي تكبّدتها الدوقة؟ بصفتكَ زوجًا كريمًا، قلتَ ذلك بوضوحٍ سابقًا.”
“هذا …!”
“أريد أن أُجادل بأن اختلاس المُدَّعى عليه غير القانوني يجب أن يُعكَس في تقسيم الأصول.”
انفتح فم الدوق، عاجزًا عن الكلام. كانت الظروف ضدّه بالفعل. أسرع الصحفيون في القاعة من خطاهم. حتى أن بعضهم خرج من قاعة المحكمة راكضًا لنقل الخبر. ابتسمتُ للدوق بوفاري، الذي كان في حالة ذهول، للمرّة الأخيرة.
“الحبّ ليس جريمة، لكن الاختلاس جريمة، دوق بوفاري.”
وأخيرًا، كان انتصارًا باهرًا.
∗ ∗ ∗
[خبرٌ عاجل] اعتقال دوق بوفاري بتهمة الاختلاس. خسر دوق بوفاري أكثر من 70% من ثروته.
عُوقب دوق بوفاري، وتأثّر تقسيم الأصول سلبًا بالحُكم، إذ تبين أنه بدّد الممتلكات المشتركة لأجل عشيقاته.
أخيرًا، عدتُ إلى منزل الأرشيدوق بدعوةٍ مُفعمةٍ بالفخر لحضور حفل الصيف. لم يمضِ سوى أسابيع قليلةً منذ أن سافرتُ إلى العاصمة بسبب الدعوى القضائية. تأثّرت دوقة بوفاري، أو بالأصح كلير زاكارياس، بشدّةٍ لدرجة أنها أعلنت أنها ستُرتِّب كلّ ما يتعلّق بالحفل بنفسها.
بعد أن حُلَّ كلّ شيءٍ بسلاسة، ركضتُ بفخرٍ إلى مكتب الأرشيدوق.
“أيها الأرشيدوق، أنا مُستعدّةٌ تمامًا للحفل! ما رأيك؟ لقد أخبرتُكَ أنه سينجح، أليس كذلك؟”
ولكن لسببٍ ما، لم يكن الأرشيدوق موجودًا. رمشتُ، وأنا أُحدِّق في المكتب الفارغ.
“سيدة بيرونا، أين ذهب الأرشيدوق؟”
” هذا … امم، لقد غاب لفترة.”
“أين؟ لا، منذ متى؟”
عبستُ عند سماعي هذه الكلمات. أثناء إقامتي في قضر بوفاري، أرسلتُ له عدّة رسائل أُبلِغه فيها بوضعي الأخير، لكنني لم أتلقَّ أيّ ردٍّ من الأرشيدوق. ظننتُ أن هذا هو سلوك الأرشيدوق المعتاد في أمور العمل. هل يُعقَل أن الأرشيدوق كان غائبًا أثناء غيابي؟
“أنا -أنا … لستُ متأكدة…”
بدت السيدة بيرونا متوترةً لسببٍ ما. شعرتُ بالقلق، فرفعتُ حاجبي.
“حفل الصيف على الأبواب … إنه لا يخطّط لتفويته، أليس كذلك؟”
“أوه، لا! قال الأرشيدوق إنه سيعود بالتأكيد قبل الحفل.”
كان هناك ما يُخفيه بوضوح. لكن قبل أن أتمكّن من البحث أكثر، هربت السيدة بيرونا، متذرّعةً بإعداد العشاء.
وفي جوف الليل، والجميع نائمون.
دوي، دوي. فتحتُ عينيّ فجأةً على وقع خطواتٍ خفيفةٍ تتردّد في الردهة.
‘لقد عاد الأرشيدوق.’
شعرتُ غريزيًا أن الصوت يعود للأرشيدوق ريتشارد، فخرجتُ من الغرفة على أطراف أصابعي. لاح ظلٌّ كبيرٌ فوق الرّدهة المظلمة. اقتربتُ منه بهدوء. أخيرًا، تحدّثتُ إلى الشخص الذي كان يقف أمام غرفة الأرشيدوق.
“أين كنت؟”
“….!”
كان مَن استدار بدهشة، كما هو متوقّع، هو الأرشيدوق. توقّف عن إدارة مقبض الباب ووقف ساكنًا، يحدّق بي. كان وجهه مخفيًّا في الظلام الدامس. تقدّمتُ نحوه وقلتُ.
“لقد تأخّرتَ كثيرًا.”
“… كان لديّ بعض الأعمال لأُنجزها.”
تردّد وتراجع خطوةً أخرى إلى الوراء. ضيّقتُ عينيّ.
“ما الأمر؟”
بعد ظهر اليوم، تفقّدتُ من السيدة بيرونا، التي كانت متحفّظةً على غير عادتها، وضع الأرشيدوق في العمل. إذا صحّت حساباتي، فقد غاب لمدّة أسبوعين.
“لقد عُدتِ من العاصمة بالفعل. سمعتُ أنكِ نجحتِ هذه المرّة أيضًا.”
كان من الواضح أنه يُغيّر الموضوع. اقتربتُ منه بخطواتٍ سريعةٍ وطويلة، مُتأكّدةً من عدم قدرته على التراجع. أضاء ضوء القمر وجه الأرشيدوق، وهو يتلوّى في حيرة، وانقشعت الظلال.
ثم ظهرت أخيرًا خصلات شعره المبعثرة بشدّةٍ ووجهه المتّسخ. لم أرَ مظهره فوضويًّا إلى هذا الحد من قبل.
التعليقات لهذا الفصل " 31"