قبل أيّامٍ من دعوة فيفيان لي، بصفتي زوجة الأرشيدوق، لشرب الشاي.
كانت الإمبراطورة لا تزال هي العقل المدبّر وراء الهجوم الذي استهدفني، والمشتبه بها الرئيسيّة في قضيّة مقتل البارون هايدن. لكنني كنتُ أشعر بعدم الارتياحٍ لأن الأدلّة والروايات المحيطة بالإمبراطورة بدت مثاليّةً للغاية، وكأنّها تشير إليها بصفتها المجرمة الحقيقية بكلّ وضوح.
‘كأن الأدلّة والوقائع قد رُتِّبَت كقطع أحجية. تمامًا كقضيّةٍ تم كسبُها في المحكمة بشكلٍ مثالي.’
في الأصل، كانت المُحاكمات هي معركةٌ حول مدى منطقيّة العلاقات السببيّة التي تُمنَح للأدلّة المرئيّة، ومدى قدرة المرء على صياغة روايةٍ مُقنعة. لا يتمسّك المحامي البارع لا بكشف ‘الحقيقة المجرّدة’، بل يركّز على صياغة قصّةٍ مثاليّةٍ بالأدلّة المتاحة لإقناع القاضي.
وهذا الأمر أعطاني شعورًا بالديجافو، كأنها قضيّةٌ قمتُ بتغليفها جيدًا في حياتي السابقة للفوز بالمُحاكمة.
كانت أوّل خيطٍ حصلتُ عليه عندما قابلتُ تريفور، المسؤول المالي هناك. دفاتر حسابات قصر وليّ العهد لم تكن متطابقة، وهذا دليلٌ قاطعٌ على وجود اختلاس. كانوهناك شخصان فقط يستخدمان ميزانيّة قصر وليّ العهد، لورينس وفيفيان. أحدهما يسرق المال سرًّا ويستخدمه في مكانٍ ما. وحسب خبرتي، فإن سبب الاختلاس غالبًا ما يكون لإنفاق المال في أمورٍ غير مشروعة.
على سبيل المثال، دفع أجور القتلة المأجورين للتخلّص مني.
‘ماذا لو لم تكن الإمبراطورة هي العقل المدبّر؟’
ربّما قام أحدهم بتوجيه أصابع الاتّهام نحو الإمبراطورة ببراعة، تمامًا كما جعلوا الناس قبل بضعة أشهر يعتقدون أن بنديكت هو مَن قتل البارون هايدن.
كان بنديكت هو مَن حوّل شكوكي، في أن الإمبراطورة قد لا تكون المجرمة، إلى يقين.
نبات بياتريس، إذا غُليَ وشُرِبَ كدواء، فإنّه يرفع درجة حرارة الجسم ويثير الحواس، ويزيد من تدفّق الدم نحو القلب.
كانت نبتة بياتريس التي أحضرها هي الدليل الحاسم.
«كان ذلك اليوم يومًا عاديًا مثل غيره. نهضتُ وشربتُ كأس شاي، وكنتُ أنوي الذهاب إلى مجلس الدولة. في اللحظة التي وقفتُ فيها شعرتُ بحمًّى وخفقانٍ في القلب، ثم لا أذكر شيئًا بعد ذلك.»
عندما قابلتُ الإمبراطور، سمعتُ منه كيف سقط غائبًا عن الوعي. وبالتفكير في الأمر، كانت الأعراض تتطابق تمامًا مع تأثيرات بياتريس المذكورة في الكتب. توفّيت الإمبراطورة أيضًا بسبب سكتةٍ قلبيّةٍ مُفاجئة. علاوةً على ذلك، كُتِبَ في الوصفة التي حصل عليها بنديكت أن كبار السنّ يجدون صعوبةً في تمييز مرارة بياتريس.
«عندما تذوّقتُه قليلاً، لم يكن أكثر مرارةً من مخالب ومرارة الدب …»
قالت السيدة بيرونا، التي تجاوزت منتصف العمر بكثير، إن الدواء المغليّ من بياتريس لم يكن مُرًّا جدًّا. والإمبراطور والإمبراطورة كانا أيضًا طاعنَين في السنّ، لذا ربما تناولا بياتريس دون أن يلاحظا طعمه المرّ.
«… عرفتُ ذلك بسبب فيفيان.»
قال بنديكت إنه عرف عن بياتريس من خلال فيفيان، وأنها اشترت النبتة سرًّا من خارج القصر الإمبراطوريّ بذريعة مساعدتها في الحمل. هل كان هناك سببٌ لاستيراد مثل هذه الأعشاب من الخارج؟
بدأتُ أتأكّد أكثر فأكثر، ربما كانت فيفيان هي مَن آذت الإمبراطور والإمبراطورة.
“لكن هل يُعقَل أنها قتلت حتى والدها، البارون هايدن …”
مقارنةً باليقين بأن فيفيان هي مَن آذت الإمبراطور وزوجته، تردّدتُ حتى اللحظة الأخيرة في الإشارة إليها كقاتلة البارون هايدن.
لأن السيطرة على رجلٍ بالغٍ ثمّ طعنه في ظهره تتطلّب مهارةً كبيرة، كما فكّرتُ منذ البداية. علاوةً على ذلك، كانت هناك آثارٌ تدلّ على استخدام اليد اليسرى، بينما كانت فيفيان امرأةً ضعيفة، وتستخدم يدها اليمنى.
حتى أنني افترضتُ أن الإمبراطورة هي مَن قتلت البارون حقًّا، وأن فيفيان آذت الإمبراطورة بدافع الانتقام.
“على أيّ حال، هناك احتمالٌ كبيرٌ أن يكون القاتل شخصًا يعرفه البارون هايدن جيدًا.”
كان اليوم الذي قُتِل فيه البارون يوم الحفل المقام على شرفه. وتركُه للحفل الذي هو بطله والذهاب إلى الحديقة يعني بالتأكيد أنه كان على موعدٍ مع شخصٍ يعرفه لهدفٍ ما، سواء كان هو مَن استدعاه أو العكس.
ومع ذلك، لم يكن هذا وحده كافيًا لكشف القاتل. كلّ مَن في قاعة الحفل كان مشتبهًا به. لم أستطع التأكّد تمامًا من أنها فيفيان، وظللتُ أضع الإمبراطورة في الحسبان. لكن عندما واجهتُ لورانس في قصر الإمبراطور بعد استيقاظ الأخير…
«أنا لا أستطيع فهم أبي أبدًا!»
عندما رأيتُه يولّي ظهره لإمبراطور الإمبراطورية ويخرج، شعرتُ بدوارٍ مُفاجئٍ في رأسي.
ماذا لو لم يقم أحدٌ بالسيطرة على البارون هايدن، بل قام البارون نفسه بإعطاء ظهره للطرف الآخر أوّلًا؟
في آداب القصر، لا يُسمَح بإعطاء ظهركَ لمَن هو أعلى مكانة. وكان البارون هايدن الأقل رتبةً بين النبلاء المدعوّين للحفل، لقد كان نبيلاً منخفض الرتبة خرج للتوّ من طبقة العامّة.
“لكن إذا كان فردًا من العائلة…”
مثل لورانس الذي تجرّأ على إعطاء ظهره أمام الإمبراطور. ألم يكن بإمكان البارون هايدن أن يعطي ظهره أمام ابنته فيفيان؟ ليس من الصعب طعن شخصٍ استرخى وأعطاكَ ظهره. أي أنّ القاتل لم يكن شخصًا ماهرًا بما يكفي لإخضاع الضحيّة بالقوّة، بل كان شخصًا يستطيع جعل الضحيّة في حالة عدم دفاع.
“إذا كانت امرأةً ضعيفة، لربّما استخدمت كلتا يديها عند الهجوم، وقد تبدو النتيجة وكأنّ القاتل أعسر.”
حينها أصبح كلّ شيءٍ واضحًا.
بحثتُ عن لورانس للحصول على دليلٍ قاطعٍ يُثبت أن فيفيان هي المجرمة في كلّ الأحداث التي وقعت. قدّمتُ عرضًا له، الذي لم يرغب في تصديق كلماتي، بأن فيفيان قد تكون هي الفاعلة.
«سأكون أنا الطُّعم، لذا تأكّد بنفسك.»
تظاهر لورانس بالخروج واختبأ، وراقب ما يحدث في هذه الغرفة منذ اللحظة التي دخلتُ فيها أنا وفيفيان إلى غرفة الاستقبال الجانبيّة. من المؤكّد أنه شهد الموقف بأكمله.
ارتجف جسد لورانس وهو يتأكّد من كلّ الظروف بوضوحٍ بعينيه وأذنيه.
“فيفيان… كيف أمكنكِ…!”
“لا يمكن… لا يمكن…”
انهارت فيفيان على الأرض بعد أن اعترفت بكلّ شيء بلسانها، وكان وجهها يكسوه اليأس.
“لقد قمتِ حتّى برشوة أتباع قصر الإمبراطورة.”
خرج صوت لورانس متكسّرًا وهو يتلقّى التقارير من مرؤوسيه قبل قليل. يبدو أنّ الذين رشتهم فيفيان قد أدلوا باعترافاتٍ كاذبةٍ بأنّهم خطّطوا للأمر بناءً على أوامر الإمبراطورة خلال مأدبة الخريف.
في تلك اللحظة، صرختُ في وجه فيفيان.
“في مأدبة الخريف، لم تكوني تبحثين عن الكنز، بل كنتِ تُخفين موادًّا لجذب الخنازير البريّة، أليس كذلك؟”
في البداية، ظننتُ أن فيفيان دخلت إلى عُمق الغابة وفتّشت بين الأعشاب للعثور على الكنز. لكن ذلك كان لاستدراجي عمدًا. كانت تتظاهر بالبحث عن الكنز بينما تُخفي طعامًا يجذب الخنازير. وحتّى حادثة كسر زجاجة العصير أمام الخنزير لم تكن خطأً، بل استفزّت الخنزير عمدًا وهربت أوّلًا لتتركه يُهاجمني. حتى إمساكها بي عندما سقطتُ كان مقصودًا. وبعد فشل الهجوم بواسطة الخنزير، لابدّ أنها هي مَن عبثت بسجلّات العقارات في قصر وليّ العهد لتعرف مكان إقامتي.
“وأنا، دون أن أعرف ذلك، اتّهمتُ والدتي بأنّها المُجرمة.”
كانت يد لورانس المشدودة ترتجف من الغضب. حينها، صرخت فيفيان بمرارة.
“كلّ شيءٍ هو خطئي إذًا؟ ألم تكن تعلم أن والدتك لم تكن أيضًا شخصًا شريفًا؟”
“ماذا…؟”
“أتحدّث عن السبب الذي جعلني مضطرّةً للقيام بمثل هذه الأفعال!”
احمرّت عينا فيفيان وهي تصرخ. قطّبتُ أيضًا حاجبَيّ بسبب سؤالٍ لم يُحَلّ بعد.
وهذا كان السبب في تردّدي حتى النهاية في تحديد فيفيان كمجرمة.
‘لأنّه لا يوجد دافع.’
عندما كانت فيفيان تؤذي الناس، كان هناك دائمًا هدف. دافع فيفيان لمحاولة إيذاء الإمبراطور والإمبراطورة وحتى أنا كان واضحًا. لكن مهما فكّرتُ، لم يكن هناك دافعٌ لقتل والدها الحقيقيّ. حسب علمي، لم تكن العلاقة بين فيفيان والبارون هايدن سيئةً إلى هذا الحدّ.
لذا، لم يكن من المنطقي أن تقتل والدها وتجعل الأمور تتفاقم هكذا. تمتمتُ مع نفسي دون وعي.
“ما هو السبب الذي قد يدفعها لقتل والدها…”
“هذا الحثالة سيعرف السبب.”
“……!”
في تلك اللحظة، دوى صوتٌ عميقٌ مألوفٌ عند الباب. التفتُّ برأسي بسرعة.
“بنديكت!”
بينما كنتُ أنظر إليه بعينين متفاجئتين، سُمِعَ صوت ارتطامٍ قويّ، حيث أُلقِيَ برجلٍ متكوّرٍ من بين يدي بنديكت ليسقط على أرضيّة غرفة الاستقبال.
“سموّ وليّ العهد. إذا كنتَ ستعتقل فيفيان، فمن الأفضل أن تعتقل هذا الحثالة أيضًا.”
“السيد الشاب سبنسر؟”
انعقد حاجبا لورانس وهو يرى إيدن سبنسر المُلقى تحت قدميه في حالةٍ رثّة. نظر بنديكت إلى فيفيان وإيدن بنظراتٍ باردة.
التعليقات لهذا الفصل " 109"