في النهاية، كانت الجانية الحقيقية في حادثة قتل البارون هايدن ليست الإمبراطورة ولا لورانس، بل ابنته الحقيقية، فيفيان نفسها. شدّت إيلينا على يدها الشاحبة بقوّة. في عينيها التي رفعتها بصعوبة، كان هناك لومٌ بأنه مهما حدث، كيف يستطيع المرء قتل والده.
“لو كان والدي، لما شرب الشاي الذي أعطيتُه له. لذلك لم يكن أمامي سوى طعنه بسكّينٍ وقتله.”
تابعت فيفيان كلامها بوجهٍ يعبّر عن الأسف.
“والشخص الذي سيتحمّل الجريمة لم يكن سوى بنديكت ريتشارد. دافع القتل كان مقنعًا جدًّا، أليس كذلك؟ شعورٌ بالنقص لأنه لم يحصل على المرأة التي يحبّها.”
ابتسمت فيفيان بارتياح.
كان كلّ الرجال الذين قابلوها يلهثون وراءها، لكن بنديكت، الذي يتصرّف وكأنّها لا تعني له شيئًا، كان مزعجًا منذ البداية. لذلك، أمام الناس، حرّفت كلامه وتصرّفاته بمهارةٍ شديدة، وجعلت الأمر يبدو وكأنه يحبّها.
كما توقّعت، جلب لها ذلك فوائد كثيرة. أثار غيرة لورانس فجعله يتمسّك بها أكثر، وكان مثاليًّا لتحويل قتل والدها إلى جريمةٍ عاطفيّةٍ ارتكبها بنديكت. بالإضافة إلى كسب إعجاب الناس ورهبتهم لها كونها استحوذت على قلوب أشهر الرجال في الإمبراطورية، كانت الخطّة مثاليةً تمامًا.
قتلت الخادم، الذي استأجرته لتزوير الأدلّة، للقضاء على أيّ تبعاتٍ لاحقة. كان هو مَن سرق خنجر بنديكت وسلّم له الرسالة التي تدعوه إلى مكان الجريمة. بالطبع، لم تتوقّع أن يعترف لأمّه قبل تنفيذ الخطّة.
‘بفضل ذلك، اكتشف ريتشارد المشهد.’
تذكّرت فيفيان كيف هاجمتها أمّ الخادم المقتول في الزقاق الذي ذهبت إليه لشراء بياتريس، فتشوّهت شفتيها بابتسامة. في ذلك اليوم، كان من الطبيعي أن ترسل شخصًا لقتل تلك العجوز.
“بعد ذلك، عندما كنتِ تحرّكين القضية، حاولتُ إلصاق التُّهمة بالإمبراطورة.”
“لكن لماذا قتلتِ الإمبراطورة تحديدًا؟ لو تركتِها، لاستمرّت في تلقّي الشكوك.”
تنفّست إيلينا بصعوبةٍ ووجهها مليءٌ بالحزن.
“ها! بالطبع خوفًا من أن يظهر شخصٌ مثلكِ مرّةً أخرى!”
صرخت فيفيان بعصبية. بينما لم يشكّ أحدٌ في ذنب بنديكت، كانت إيلينا الوحيدة التي شكّت في ذلك.
المرأة التي ظهرت فجأةً كالأرشيدوقة ريتشارد كانت تزعج فيفيان منذ البداية. عاشت في القرية نفسها، وكانت في ذلك الوقت فتاةً بلا أيّ وجودٍ يُذكَر. لكن بعد عودتها، بدأت تُظهِر وجودها في كلّ شيءٍ وتعيقها.
منذ أن غيّرت الحقيقة المُسلَّم بها التي بنتها فيفيان بجهد من ‘الأرشيدوق ريتشارد يحبّ فيفيان’ إلى ‘الأرشيدوق ريتشارد يحبّ إيلينا’، اشتعل الغضب في صدرها. بالإضافة إلى أنها حرّكت قلب رجلٍ لم يُبدِ لها أيّ اهتمام، وهذا أمرٌ لا يُغتفر. عندما دمّرت الفخّ الذي أعدّته بعنايةٍ وأطلقت سراح بنديكت من السجن، أرادت فيفيان القفز من المدرّج في المَحكمة وخنقها.
‘لا شيء فيها أفضل مني!’
لذلك كانت إيلينا الشخص الوحيد الذي أذاقها طعم الهزيمة. كلّ شيءٍ فيها كان يُغضبها، أن تتلقّى الفتاة الشقراء المزعجة اهتمامًا أكثر منها، وأن تعيق خططها.
بينما استمعت إيلينا إلى حديث فيفيان، كانت تلهث وتئن.
“إذًا، آه، هل … تحاولين قتلي أنا أيضًا؟”
“صحيح. لقد أغضبتِني كثيرًا وباستمرار.”
“……!”
فشلٌ واحدٌ يكفي. لم تتحمّل أن يصبح الذنب الذي ألصقته بالإمبراطورة بعد بنديكت أمرًا لم يحدث. لذلك قرّرت فيفيان في النهاية إزالة الإمبراطورة، المشتبه بها الرئيسية، في الوقت المناسب لمنع بدء التحقيق أصلًا. وقرّرت أيضًا التخلّص من إيلينا التي كانت دائمًا تزعجها.
“الخنزير البريّ في الغابة، والاغتيال الذي أرسلتُه إليكِ، كلّه مني. لكن أحدًا لم يشكّ بي. اعتقد الجميع أن الإمبراطورة تستهدفكِ، أليس كذلك؟ لحسن الحظّ، أبدت الإمبراطورة عداءً واضحًا تجاهكِ كما فعلت معي. الشكر لها.”
جعلت طباع الإمبراطورة المتكبّرة، التي تحتقر العامّة، الأمر أسهل. ما إن حرّفت فيفيان الوضع قليلًا، حتى اعتقد الجميع بما فيهم لورانس أن الإمبراطورة هي مَن آذت إيلينا. تمامًا كما لم يشكّ أحدٌ في الشائعة بأن بنديكت هو قاتل البارون هايدن.
“أشعر بتحسّنٍ فقط عندما أتخلّص من كلّ الأشياء المزعجة التي أمامي.”
ابتسمت فيفيان ابتسامةً خبيثة. قتلت صاحب مصنع النبيذ، الذي أوصى بنبيذٍ رخيصٍ فأحرجها في الحفلة الصيفية، بنفس الطريقة. في تلك الليلة، شعرت بالإهانة أمام النبلاء المجتمعين نادرًا لأن الإمبراطورة أهانتها بسبب أصلها العامّي.
“يبدو أنّ الوقت المتبقّي قليلٌ جدًّا الآن. لم أتوقّع أن يكون التخلّص من عاميّةٍ مثلكِ صعبًا إلى هذا الحدّ.”
سخرت فيفيان وهي تنظر إلى إيلينا التي صمتت أخيرًا. بعد عودتها من الهجوم حيّة، أرسلت مرتزقةً عدّة مرّاتٍ إلى قصر العاصمة لاستهداف إيلينا. لتبدو كحادثٍ طبيعي. الثريا، والتمثال، وعجلة العربة. كلّ مرّةٍ تدخّل فيها بنديكت، ففشلت في إزالة إيلينا. لكن هذه المرّة سيتوقّف قلب إيلينا بالتأكيد. لا أدلّة هنا، ولا شهود. بعد قليل، ستخرج باكيةً قائلةً إن الأرشيدوقة، التي كانت ضعيفة البُنية أصلًا، انهارت فجأةً أثناء الحديث. مع الصورة التي بنتها عادةً، سيهتمّ الجميع بها كشاهدةٍ على حادثٍ مروّعٍ بدلًا من الشكّ في تفاصيل الحادث.
“سأحضُرُ جنازتكِ بالتأكيد.”
انفجرت ضحكةٌ عاليةٌ من فم فيفيان. كانت منتشيةً بانتصارها حتى شعرت بقشعريرةٍ في جسدها كلّه. جلست فيفيان مرتاحة، ذراعيها متقاطعتين، تراقب انقطاع نفس إيلينا.
“……!”
في تلك اللحظة، تشقّق وجه فيفيان. لأن جسد إيلينا الذي كان مُنحنيًا تمامًا بدأ يستقيم ببطء. خرج صوتٌ مرتبكٌ من فم فيفيان للحظة.
“ما- ما هذا!”
“ماذا عساي أفعل. للأسف، يبدو أنكِ فشلتِ مرّةً أخرى.”
كانت عينا إيلينا التي نظّمت أنفاسها ونظرت إلى فيفيان أكثر وضوحًا من أيّ وقتٍ مضى.
“كـ كيف…!”
كان يجب أن يتوقّف قلبها الآن بالتأكيد. لكن إيلينا استقامت بصحّةٍ تامّةٍ في مقعدها. ارتعشت شفتا فيفيان من الارتباك. ابتسمت إيلينا لفيفيان ابتسامةً عريضة.
“شعرتُ أنكِ ستستخدمين بياتريس. لذلك استعددتُ قليلًا.”
في كتاب البستنة للسيدة بيرونا، كان هناك نباتٌ يُعطي تأثيرًا معاكسًا تمامًا لبياتريس. عشبةٌ تُخفِض الحرارة ولها تأثيرٌ مهدّئ. وقبل لقاء فيفيان، طلبت إيلينا من السيدة بيرونا أن تعدّ شايًا من تلك العشبة وشربته بكثرة. بفضل ذلك، ارتفعت حرارتها قليلًا في البداية بتأثير بياتريس ثمّ هدأت سريعًا. لكنها تصرّفت كأنها تُعاني من تأثير بياتريس على أيّ حال، وانحنت لإخفاء أن التأثير لم يسرِ.
“بصراحة، الشاي الذي قدّمتِيه لي كان سيّئ المذاق جدًّا.”
عبست إيلينا كأن مجرّد تذكّر مذاقه كان مرعبًا. كانت متأكدةً من أن فيفيان ستطعمها بياتريس عندما تقدّم الحلويات والشاي الحُلو جدًّا. الحلويات الحُلوة إلى درجة تخدير الفم كانت لإخفاء مرارة بياتريس.
«هل تحبين الحلويات الحُلوة، سموّكِ؟»
«بالتأكيد، أحبّها كثيرًا.»
كذبت فيفيان أمامها دون أن ترمش. لكن إيلينا تذكّرت بوضوحٍ ما حدث عندما دُعِيت فيفيان إلى قصر العاصمة سابقًا.
«للحلوى، فطيرة تفاحٍ جافّة.»
«يا إلهي، سيدتي! التفاح فاكهتي المفضلة، وهو مثاليٌّ حتى وإن لم يكن حُلوًا.»
ربّما اعتبرت فيفيان ذلك الكلام تافهًا ونسيتْه، لكن إيلينا لا تنسى شيئًا أبدًا. بفضل ذلك، استطاعت إيلينا الاستعداد لمكيدة فيفيان منذ اللحظة التي قدّمت فيها الحلويات.
“يا لكِ من فتاةٍ ماكرة! هل فعلتِ ذلك عمدًا لتوقعيني في الفخ!”
صرخت فيفيان بصوتٍ حادٍّ كالمعدن من حلقها. وما إن لمع الغضب في عينيها حتى انقضّت على إيلينا.
دويّ!
في تلك اللحظة، انفتح الباب الموصول بغرفة نوم فيفيان بصوتٍ عالٍ. توقّفت ذراع فيفيان التي كانت تهاجم إيلينا في الهواء. انفتحت عينا فيفيان وفمها من الصدمة في لحظة.
“لو- لورانس…؟”
كان وجه لورانس الذي يحرّك شفتيه بصعوبةٍ مشوّهًا. تعبيرٌ مختلطٌ بالخيانة والخيبة والغضب. خلف لورانس، وقف رجاله في صفّ. ارتجف جسد فيفيان.
“… كان كلام الأرشيدوقة صحيحًا إذًا.”
حدّق لورانس إلى فيفيان بعينين مليئتين بالغضب. التفتت عينا فيفيان المتذبذبتين فجأةً بشراسةٍ نحو إيلينا. رفعت إيلينا كتفيها بلا مبالاة.
التعليقات لهذا الفصل " 108"