خرجتُ من مكتب تريفور وأنا غارقةٌ في التفكير العميق. لم يكن هناك أيّ خطأٍ في الحسابات في التقرير الذي أعدّه تريفور. كانت هناك فقط أجزاءٌ ناقصةٌ هنا وهناك في الأرقام منذ البداية. لقد رأيتُ دفاتر حساباتٍ كهذه من قبل. لا، في الحقيقة كانت مألوفةً جدًا لي.
‘هناك شخصٌ يختلس الأموال.’
كان ‘الاختلاس في أثناء الوظيفة’ أحد التّهم الشائعة التي دافعتُ عنها في حياتي السابقة ضد الأشرار. استخدام بطاقة الشركة بشكلٍ خاطئ، وإعداد دفاتر مزدوجة، وكتابة تقارير محاسبية مزيّفة. ودفاتر الحسابات لتلك الأشرار التي رأيتُها آنذاك كانت مشابهةً لدفاتر حسابات قصر ولي العهد التي تأكّدتُ منها في مكتب تريفور.
بينما كنتُ أفكّر في ذلك بعُمقٍ وأخطو خطواتي، سعل بنديكت الذي كان يمشي بجانبي سعلةً خفيفة.
“احمم، أعتقد أن ابنة ستكون جيدةً حقًا. ماذا عنكِ؟”
“هاه…؟”
“بعد أن أكلتُ الكعك التي صنعته الطفلة ليندا، أصبحتُ أتوقّع ابنةً تُشبِهُكِ.”
“……؟”
تم قطع أفكاري بشأن اقتراح الإمبراطور بعودته إلى الجيش الإمبراطوري، واقتراح تسجيله في السجلّ الإمبراطوري، ودفاتر حسابات قصر ولي العهد، فجأةً بموضوع ‘ابنةٍ تُشبِهني’. أمام هذا الكلام المفاجئ، رمشتُ بعينيّ. لم أعرف من أين جاءت هذه الفكرة.
“سيكون من الجميل أن أُلبسها ملابس جميلةً وأتركها تركض في حديقة الزهور التي أنشأتِها لمقرّ إقامة الأرشيدوق.”
على وجه بنديكت، الذي كان يتخيّل شيئًا ما، ظهرت صبغةٌ حمراء خفيفة. كان رأسي مليئًا بدفاتر الحسابات والأرقام، بينما يبدو أن رأسه مليءٌ بالكعك الحلو وحقول الزهور.
أمالتُ رأسي قليلاً ونظرتُ إليه.
“أمم… لكن بنديكت، ابنةٌ فجأة، ما معنى ذلك-“
انقطعت محاولتي لمعرفة نواياه في سرد خُطط الإنجاب فجأةً بصوت صراخٍ كبيرٍ يتدفّق في الممر.
“جلالتك، ما معنى هذا الكلام، تسجيلٌ رسمي؟!”
توقّفتُ أنا وبنديكت فجأة. كان الصوت الذي يرنّ من ممرّ غرفة نوم الإمبراطور بالتأكيد صوت لورانس.
“لا يمكنني قبول ذلك مطلقًا. كيف تقبل دمًا دنيئًا كهذا في العائلة؟”
كان الصوت عاليًا جدًا لدرجة أننا استطعنا سماع المحتوى بوضوحٍ رغم أن الباب السميك مغلقٌ بالتأكيد. يبدو أن الإمبراطور أخبر لورانس بقصّة الاعتراف ببنديكت. رفعتُ نظري قليلاً بحذرٍ ونظرتُ إلى وجه بنديكت.
‘إنه أكثر هدوءًا مما توقّعتُ.’
بالنظر إلى أنه لم يتمالك حماسه قبل لحظةٍ قائلاً إنه لطالما كات شيئًا يريده دائمًا، كان تعبيره خاليًا من أيّ اضطرابٍ الآن. كان يبدو أكثر حماسًا عندما تحدّث فجأةً عن ‘ابنةٍ’ قبل قليل.
“لا أفهم أبي مُطلَقًا!”
خبط!
مع الكلمات الأخيرة التي صاح بها، انفتح باب غرفة نوم الإمبراطور بعنفٍ مع صوتٍ خبطٍ كاد أن يحطّم الباب. التفتُّ برأسي تلقائيًا نحو اتجاه الصوت الصاخب.
كان لورانس يدير ظهره بسرعةٍ أمام عيون الإمبراطور ويخرج من الغرفة بخُطًى غاضبة. كان وجهه مليئًا بالغضب الشديد.
‘يبدو أنه غاضبٌ جدًا.’
كان يبدو وكأنه رمى كلّ آداب البلاط التي يحافظ عليها عادةً كوليّ عهد. بالإضافة إلى أنه نادرًا ما ينادي الإمبراطورة أو الإمبراطور بـ’أمي’ أو ‘أبي’، لكنه ناداه بذلك الآن، ممّا يعني أنه غاضبٌ بشكلٍ مُفرِط.
“لنعد الآن.”
همستُ لبنديكت بهدوء. لم يكن من الجيد أن نتورّط في مشاجرةٍ بين أبٍ وابنه. خاصّةً إذا كان سبب المشاجرة هو بنديكت. نظر بنديكت إلى لورانس للحظةٍ قصيرةٍ ثم وجّه نظره نحوي.
“حسنًا.”
ابتسم بنديكت بلطف. لم يكن وجهه يُظهِر أيّ قلقٍ أبدًا من أن تسجيله في العائلة الإمبراطورية قد يتم إعاقته بسبب معارضة لورانس. بينما كنتُ أغادر الممر معه، التفتُّ فجأة.
ضيقتُ عينيّ نحو ظهر لورانس الذي يخطو بخُطًى غاضبة، خطوةً بخطوة. كان هناك شعورٌ بأن شيئًا ما يلوح في الأفق.
∗ ∗ ∗
في اليوم التالي.
عاد بنديكت، الذي كان خارج المنزل منذ الصباح الباكر، وفي يده ظرفٌ مجهول. كان يُرافقني دائماً في نزهاتنا مؤخّراً، لذا كان من المستغرب أن يخرج بمفرده دون أن ينبس ببنت شفّة، لكنني لم أرغب في الخوض في الأمر.
‘ليس لديّ الآن مساحةٌ في رأسي لأحمل مثل هذه الأمور.’
الاعتداء الذي استهدف حياتي، وفاة الإمبراطورة، استيقاظ الإمبراطور، غضب لورانس، وتفاصيل دفاتر حسابات قصر ولي العهد المشبوهة. كلّ هذه الأحداث وقعت في أوقاتٍ مختلفة، وأسبابها مختلفة، والأشخاص المعنيّون مختلفون، لكنها كانت تزعجني بشكلٍ غريب. كأن هناك خيطًا رفيعًا غير مرئيٍّ يخترق كلّ هذه الأحداث. لكن لم يكن هناك تأكيدٌ حاسم.
“ما الذي يحدث بالضبط.”
جلستُ في المكتب ونقرتُ على الطاولة بأصابعي بخفوت. في ذلك الوقت، دخلت السيدة بيرونا المكتب مع صوت طرقٍ على الباب.
“سيدتي، أعتذر لإزعاجكِ قليلاً.”
“ما الأمر، سيدة بيرونا؟”
كان في يد السيدة بيرونا صينيةً فضيّةً صغيرة. وضعت الكأس الذي على الصينية بمهارة. كان بخارٌ ساخنٌ يتصاعد من الكأس.
“أحضرتُ دواءً جيدًا للجسم. الشتاء على الأبواب، سيُدفّئ هذا جسمكِ قليلاً.”
“كنتِ تنشغلين في الكثير من الأعمال في إقليم الأرشيدوق، شكرًا لعنايتكِ بي هنا أيضًا.”
ابتسمتُ للسيدة بيرونا.
خلال الأيام القليلة التي غبتُ فيها عن المنزل في العاصمة، غابت صوفي أيضًا. عندما عدتُ ولم أرها، اعتقدتُ أنها ربما تركت العمل، لكن أخبرني بنديكت أن صوفي أخذت إجازةً طويلة.
استدعى بنديكت السيدة بيرونا من الإقليم بدلاً من صوفي. كان ذلك اعتبارًا لي بعد صدمة الاعتداء. في حالتي آنذاك، كان من الصعب إدارة الخدم في المنزل بدون صوفي.
“لا داعي للشكر. لا تعرفين كم فرحتُ بعودتكِ بخير، سيدتي.”
“أعتذر لإثارة قلقكِ عبثًا.”
عندما ابتسمتُ بحرجٍ أثناء الرّد، هزّت السيدة بيرونا رأسها ومسحت دموعها قليلاً. قالت إن بنديكت بدا وكأنه سيسقط في أيّ لحظةٍ خلال غيابي.
“الآن، لا يمكنني تخيّل إقليم الأرشيدوق بدون سيدتي. يجب أن تعيشي سعيدةً إلى الأبد بجانب سيدي بيني، وتلدين أبناءً وبناتٍ كثيرين.”
“بووه-!”
كنتُ على وشك ابتلاع الدواء الذي ناولته لي السيدة بيرونا، لكنني فجأةً بصقتُه من فمي. عبستُ والتفتُّ إلى السيدة وسألتُها.
“ما هذا الدواء المرُّ جدًا؟”
نظرتُ مرّةً أخرى إلى الدواء الغامض بدهشة. كان الدواء أسود اللون، ورائحته ليست قويّةً جدًا، لكنه مُرُّ بشكلٍ فظيع. بالطبع، كنتُ مرتبكةً من كلام السيدة عن إنجاب أبناءٍ وبناتٍ كثيرين، لكن أكثر من ذلك، كان طعم الدواء صادمًا لدرجة أنني بصقتُه. سعلت السيدة بيرونا بخفّة، همم.
“عادةً ما تكون الأدوية الجيدة للجسم ذا طعمٍ مُرّ.”
“يبدو أكثر مرارةً بكثيرٍ من الدواء الذي كنتُ أتناوله في إقليم الأرشيدوق سابقًا؟”
على أيّ حال، بما أنه جيدٌ للجسم، ليس بيدي حيلة. عبستُ كثيرًا ورفعتُ الدواء إلى فمي مرّةً أخرى. في ذلك الوقت، تمتمت السيدة بيرونا بصوتٍ منخفضٍ كأنها متفاجأة.
“عندما تذوّقتُه قليلاً، لم يكن أكثر مرارةً من مخالب ومرارة الدب …”
“بوهوك-. ماذا…؟ مرارة… الدب؟”
تدفّق الدواء مباشرةً من فمي. نظرتُ إلى السيدة بيرونا بعيونٍ مصدومة.
“الدواء الذي كنتُ أتناوله سابقًا… كان مرارة دب؟”
“سيدتي. ذ- ذلك…”
أغلقت السيدة بيرونا عينيها بقوّةٍ بسبب زلّة لسانها، ثم كشفت الحقيقة التي كانت مخفيّةً حتى الآن. قصّة خروج بنديكت لصيد دبٍّ خطرٍ لإعادة أموال الاستثمار التي استثمرها إيدن سبنسر، وأمره بصنع دواءٍ من مرارة الدبّ الذي صاده لي لأن جسدي ضعيف.
“كما هو متوقع… كان ذلك بنديكت أيضاً.”
اختفت الصدمة من أنني كنتُ آكل مرارة دبٍّ دون معرفتي بذلك، وتألّقت الدموع في عينيّ. عند التفكير في الأمر، يبدو أن قضيّة شريك الرقص في حفلة الصيف حلّها بنديكت أيضًا. تصرّف ماركيز سبنسر الشاب وكأنه هو مَن منحني معروفًا في ذلك الأمر.
«هناك مثل شعبيٌّ قديمٌ يقول أن مَن ترقصين معه رقصتكِ الأولى إما أن يكون حبّكِ الأول أو الأخير…»
تذكّرتُ كلام السيدة بيرونا، وشعرتُ يخديّ يحترقان. القصة التي سخرتُ منها معتبرةً إياها خرافةً أصبحت حقيقة. لو كنتُ رقصتُ مع الماركيز الشاب سبنسر الذي خدعني كشريكٍ أوّل في الحفلة، لكان ذلك مُرعبًا. بالإضافة إلى أنه، حسب ما سمعتُ، كان هو مَن اعترض رسالة بنديكت في يوم المأدبة الخاصّة وجعلنا نُسيئ فهم بعضنا البعض.
نظرت السيدة بيرونا إليّ بعيونٍ راضية.
“إن الأرشيدوق يكنّ لكِ حبًّا كبيرًا، سيدتي.”
“مع ذلك ….”
تأثّرتُ قليلاً، ورفعتُ حاجبي. ارتعشت يد السيدة بيرونا في الهواء.
التعليقات لهذا الفصل " 104"