على عكس تفكير إيلينا، لم يُعرِ بنديكت أيّ اهتمامٍ لكلام الإمبراطورعن عودته إلى منصبه أو تسجيله في سجلّ العائلة الإمبراطورية. كلّ ما أدركه عندما ذكر الإمبراطور ‘الحفيد الإمبراطوري’، هو أنه قد يُولَد ‘طفل’ بينه وبين إيلينا.
إذا كانا زوجين ‘حقيقيين’، فمن الطبيعي أن يُنجبا طفلاً. ولكي يُنجبا طفلاً، يجب …
‘أن نمرّ بعمليةٍ ضرورية.’
تحرّكت تفاحة آدم عندما اتبلع ريقه من الإثارة. لم يختبر ذلك قط، لكنه سمع كلّ القصص في الجيش الذي يُهيمن علبه الرجال طوال حياته، كان يعرف كلّ شيءٍ نظريًّا.
تذكّر بنديكت كلام إيلينا التي كانت قلقةً من أنه قد لا يرغب في مثل هذه الأمور بسبب ‘الماضي’.
‘يبدو أنها قلقةٌ بسبب دفعي لها بعيدًا خلال فترة العقد. يجب أن أكون أكثر نشاطًا كلّ ليلة.’
كانت إيلينا تقلق عبثًا حقًا. يقسم أنه لم يشعر بالنفور ولو للحظة. بل على العكس…
‘كنتُ أواجه صعوبةً في السيطرة على نفسي عدّة مرّات.’
كان دائمًا يشتاق إلى إيلينا، وسيظهر ذلك دومًا عندما يشتعل جسده كلّه.
“إذن… ماذا لو بدأنا بذل جهدنا فورًا من اليوم؟”
“من اليوم؟”
اتّسعت عيون إيلينا. كانت عيون بنديكت الحمراء تشتعل كفرنٍ حميم.
‘تظاهر بعدم الاهتمام، لكنه كان يشتاق إليه حقًا. هل هو سعيدٌ إلى هذه الدرجة؟’
انخفض حاجبا إيلينا بحزن. نظرت إلى بنديكت الذي يبدو متحمّسًا جدًا، شعرت بالشفقة عليه لأنه كان يتظاهر بالاستسلام لوضعه ويقول بهدوءٍ إنه لا يريد شيئًا من الإمبراطورية.
“همم… لكن هناك الكثير من الأمور التي يجب ترتيبها أولاً. على أيّ حال، يجب عليكَ استشارة لورانس أيضًا.”
الأمر يتعلّق بأن يُصبِحا أخوين قانونيين فورًا، ويتعلّق بجيش الإمبراطورية الذي يقوده ولي العهد، فمن الطبيعي أن يتمّ الحديث مع لورانس أولاً.
“هل تسأل لماذا؟ لأن لورانس عضوٌ في العائلة الإمبراطورية. لكي نتجنّب أيّ نزاعٍ مُحتَمل، يجب أن نأخذه بعين الاعتبار بالطبع.”
“……!”
أخيرًا اتسعت عيون بنديكت بفهمٍ ثم عادت إلى طبيعتها.
«أحتاج إلى إنجاب وريثٍ للعائلة الإمبراطورية في أسرع وقتٍ ممكن، ولن يكون الأمر سهلًا.»
تذكّر فجأةً كلام فيفيان. كان ذلك في اليوم الذي كادت فيفيان أن تتعرّض لمشكلةٍ في زقاقٍ خلفي. في ذلك الوقت، ظنّ أنه أمرٌ لا يستحق الاستماع إليه، لكنه لم يكن كذلك تمامًا.
‘إنجاب حفيدٍ إمبراطوريٍّ آخر قبل أن يُنجب ولي العهد طفلاً قد يصبح بذرة نزاع.’
من الأفضل بكلّ النواحي أن يُنجب لورانس، ولي العهد والأخ الأكبر، وريثه أولاً. كان لورانس وفيفيان قد تزوّجا قبلهما أيضًا. إذا وُلِد طفلٌ بينه وبين إيلينا أولاً، فسيشعر لورانس بالانزعاج بالتأكيد. وقد يُصبِح ذلك تهديدًا لسلامة الطفل.
“أنتِ حكيمةٌ حقًا.”
أومأ بنديكت برأسه ونظر إلى إيلينا بعيونٍ مليئةٍ بالحب. أُعجِب بإيلينا مجدّدًا، التي كانت تلاحظ دائمًا النقاط التي لا يفكّر فيها هو، أكثر فأكثر.
‘بالمناسبة، السبب الذي ذهبت لأجله فيفيان إلى ذلك الزقاق …’
ضيّق بنديكت عينيه وتذكّر كلام فيفيان.
«كان البائع في ذلك الزقاق مشهورًا بصنع وبيع دواءٍ للحمل.»
لمع بريقٌ في عينيه وهو يشدّ قبضته سرًّا كأنه اتخذ قرارًا.
في تلك اللحظة، رأى شابًا يمشي بسرعةٍ في الممرّ المقابل، يركض نحوهما مذعورًا.
“أتشرّف بلقاء صاحب السعادة الأرشيدوق ريتشارد!”
عبس بنديكت قليلاً. نادرًا ما يأتي شخصٌ لتحيّته من بعيدٍ بهذه الطريقة. التفت الشاب، الذي كان يلهث، نحو إيلينا مباشرةً وانحنى بفرحٍ كبير.
“صاحبة السعاد الأرشيدوقة! هل كنتِ بخيرٍ طوال هذه الفترة؟”
تعمّق عبوس بنديكت أكثر. كانت طريقته ودودةً جدًا مقارنةً بالاحترام الرسمي الذي أظهره له. كان واضحًا للجميع أنه ركض ليُحيّي إيلينا لا هو. ردّت إيلينا على تحيّته بابتسامةٍ مُشرقة.
“أوه، تريفور؟ ما الذي أتى بكَ إلى القصر الإمبراطوري؟”
‘ماذا، هل تعرف اسمه حتى؟’
أصبح وجه بنديكت شرسًا تمامًا. حدّق في وجه الرجل ذي النظارات الناعم كأنه يريد أن ينقضّ عليه. ابتسم تريفور لإيلينا دون أن يُلاحظ نظرات بنديكت الحادّة.
“بفضل استيقاظ جلالة الإمبراطور، أُعِدّ مكتب طوارئ في القصر. يجب ترتيب مواد تقارير قصر ولي العهد ورفعها لجلالته. بسبب ذلك، أعمل ليالٍ متتاليةٍ هنا. هاها.”
“لابدّ أنها مررتَ بوقتٍ عصيب.”
بل إن إيلينا أعربت عن قلقها بشأن عيني تريفور، حتى أنها تحدّثت بصوتٍ رقيق.
“هل تعرفينه؟”
كان السؤال بسيطًا من فم بنديكت، لكن صوته كان مليئًا بالشراسة. ارتجف تريفور غريزيًا. لم تُلاحظ إيلينا ذلك، فأجابت على سؤاله بمرح.
“هو مديرٌ ماليٌّ في قصر ولي العهد. التقيتُه صدفةً في قصر ولي العهد سابقًا وساعدتُه.”
تذكّر تريفور تقرير المالية في قصر ولي العهد الذي تبلّل بالماء وأصبح فوضى، فتنهّد براحةٍ مرّةً أخرى. لو لم تتذكّر إيلينا كلّ الأرقام، لكان قد طُرِد من وظيفته منذ زمن.
“إذا لم تكونا مشغولين، هل يمكنني دعوتكما لشرب الشاي في المكتب كشُكرٍ على مساعدة صاحبة السعادة سابقًا، سعادتكما. في الحقيقة، خبزت ليندا بعض الكعك هذه المرّة وهي لذيذةٌ جدًا.”
“ها. أن يتجرّأ موظّفٌ صغيرٌ على دعوة نبيل، أليس هذا تجاوزًا-“
كان بنديكت ينوي رفض الدعوة بحدّةٍ مع ضحكةٍ ساخرة. لكن لمعت عينا إيلينا ووافقت قبل أن يُنهي كلامه.
“أوه، ليندا؟”
“نعم! إذا أكلت صاحبة السعادة الكعكات التي صنعتها بنفسها، ستفتخر لعامٍ كاملٍ على الأقل. في المرّة السابقة، عندما قلتُ أنني قابلتُكِ بالصدفة، ظلّت تتوسّل لأروي لها قصصًا عن صاحبة السعادة لشهرٍ كامل.”
“من هي ليندا التي تتحدّثان عنها أصلاً؟”
انفجر بنديكت غاضبًا وسأل بعبوس. كان غاضبًا جدًا من حديثهما عن شيءٍ يعرفانه هما فقط أمامه. كان يكره ذلك الرجل المسمّى تريفور. بدا وكأنه على وشك أن يسحب سيفه في أيّ لحظة.
“ليندا ابنة تريفور. تقول إن حلمها أن تصبح محاميةً ممتازةً مثلي.”
تذكّرت إيلينا الطفلة التي اتّخذتها قدوة، فابتسمت بخجل. عند سماع أن للرجل الذي أمامه ابنة، خفّ عبوس بنديكت قليلاً.
“لهذا الرجل ابنة؟”
“نعم، إنه رجلٌ متزوّج، ويعيش حياةً عائليةً سعيدة، ويساطيع أن يتحمّل المسؤولية.”
لوّح تريفور بيده نفيًا لمديح إيلينا. ثم نظر إلى بنديكت بعيونٍ مليئةٍ بالاحترام.
“هاها! مقارنةً بكما، أنا لا شيء. صاحب السعادة الأرشيدوق هو أفضل سيدٍ في الإمبراطورية. دائمًا كنتُ أعتقد أن حبّكما هو الأسمى والأجمل في الإمبراطورية.”
“أنتَ تعرف كيف تقيّم الأمور جيدًا.”
انقلب عبوس بنديكت إلى هدوءٍ تام. باتت نظرته إلى تريفور راضيةً الآن. إنه رجلٌ يعرف قيمته وقيمة إيلينا الحقيقية. لا شكّ أن تريفور وابنته ليندا يملكان بصرًا ممتازًا.
حكّ تريفور رقبته بخجل.
“لكن يبدو أنني تجاوزتُ حدودي اليوم. كيف أدعوكما وأنتما مشغولان. سامحاني على وقاحتي.”
غيّر بنديكت موقفه فورًا. بما أنه متزوّجٌ ولديه ابنةٌ تحبّ إيلينا، أصبح يثق بتريفور تمامًا.
بعد قليل.
في المكتب المؤقّت الذي أُعِدّ في القصر الإمبراطوري، شرب الاثنان الشاي الذي قدّمه تريفور. كانت الكعكات التي خبزتها ابنته ليندا بنفسها لذيذةً جدًا. كعكٌ خشنٌ من موادٍّ بسيطة، لكنه يحمل طعم الحبّ الذي صنعته وهي تفكّر في أبيها الذي يعمل بجد.
‘ابنة إيلينا ستكون لطيفةً بالتأكيد.’
شعر بنديكت بالتأثّر واستمتع بطعم الأُسرة السعيدة. في هذه الأثناء، ابتسمت إيلينا وهي تنظر إلى مكتب تريفور الفوضوي بكومة الوثائق.
“يبدو أنكَ لا تزال مشغولاً جدًا.”
“من المفترض أن أعتاد على العمل بعد مرور بعض الوقت، هاها.”
“همم، هذه الأرقام في تقرير المالية تبدو غريبةً قليلاً.”
كانت الأرقام التي استعادتها سابقًا محفورةً بوضوحٍ في ذهنها، وكان تدفّق النقد مختلفًا قليلاً عن المواد التي رأتها حينها. في تلك اللحظة، أصبح وجه تريفور داكنًا.
أجاب بصوتٍ مكسور.
“صاحبة السعادة حقًا مذهلة. نعم، هناك خطأ. مهما حاولتُ، استمرّ الخطأ في الظهور. حسبتُ مرّاتٍ عديدة، لكنني لم أعثر على السبب.”
“هل يمكنني مراجعة كلّ المواد؟”
“إ-إذا فعلتِ ذلك، سيكون هذا معروفًا لا أستطيع ردّه!”
انحنى تريفور مرارًا شاكرًا. كان وجهه كأنه تلقّى نعمةً إلهية. أصبحت نظرة إيلينا التي تقلّب الوثائق بسرعةٍ أكثر حدّةً تدريجيًا.
أخيرًا، بعد مراجعة كلّ الوثائق، أصبح وجهها جادًّا جدًا.
التعليقات لهذا الفصل " 103"