كانت الأخبار التي نقلها مساعد لورانس صادمةً بالفعل.
“لقد توفّيت جلالة الإمبراطورة.”
“……!”
في لحظة، اهتزّ جسد لورانس، وترنّح بشدّة، فهرع المساعد ليُسنِده. ما إن استعاد توازنه بشقّ الأنفس حتى غادر منزل العاصمة مُسرعًا وهو يرتدي رداءه.
“ما … ما هذا بالضبط…”
تمتم بنديكت مذهولًا وهو يمسك بالوثائق التي تفضح جرائم الإمبراطورة. كنتُ أنا أيضًا في حالة ذهولٍ مماثلة. في اللحظة التي ظننتُ أننا أمسكنا أخيرًا بخيط، ماتت المشتبه بها الرئيسية.
فكّرتُ أنه من الأفضل أن أستعيد رباطة جأشي أولاً، فحاولتُ تنظيم أنفاسي بصعوبة.
“يجب أن نتحقّق من وفاة الإمبراطورة.”
كان حدسي يُخبِرُني أن وفاة الإمبراطورة ليست صُدفةً على الإطلاق.
لكن بعد أيامٍ قليلة، كنتُ أعانق رأسي بمشاعر معقّدة.
“هل كانت صُدفةً حقًا؟”
كنتُ أشكّ في أنها قتلٌ مُدبَّر، لكن سبب الوفاة كان فعلاً نوبةً قلبية. مهما كان القاتل شرّيرًا، فلا يوجد مَن يستطيع إحداث نوبةٍ قلبيةٍ حتمية.
كانت وفاة الإمبراطورة التي لم تكن تعاني أيّ مرضٍ مزمنٍ صدمةً للجميع. لم يتوقّع أحٌد أن تسبق الإمبراطورة الإمبراطور، الذي كان طريح الفراش منذ زمنٍ طويلٍ دون وعي.
أُقيمت جنازة الإمبراطورة بأجواء حزن الشعب الإمبراطوري. حضرنا أنا وبنديكت الجنازة بصفتنا الأرشيدوقيين. كان وجه لورانس الذي أدار الجنازة معقّدًا.
لو سارت الأمور حسب خطتنا، لكانت الإمبراطورة اتُّهمت من بنديكت بمحاولة قتلي، ولأصبح البلاط الإمبراطوري في ضجةٍ لفترة. أضف إلى ذلك أن شرفها كإمبراطورة سيسقط أرضًا لا محالة. لكن المتوفاة الآن دُفِنت بشرف.
“هيك، هيك.”
بكت فيفيان بحرقةٍ طوال الجنازة. بدت شاحبةً ومتعبةً جدًا بعد أن أقامت جنازتي والدها وحماتها في أقلّ من عام.
“الآن، سيصبح تتويج صاحب السموّ ولي العهد مسألة وقتٍ فقط، أليس كذلك؟”
“يجب أن نتقرّب أكثر من صاحبة السموّ ولية العهد، فسلطة الإمبراطورة في الإمبراطورية قويّةٌ جدًا.”
همس النبلاء فيما بينهم. كان كلامهم صحيحًا. الإمبراطور لا يزال حيًّا، لكنه فاقد الوعي منذ إصابته المُفاجئة. حتى الآن، كان لورانس والإمبراطورة يتقاسمان مهام الإمبراطور، لكن مع وفاة الإمبراطورة، سيصبح لورانس عمليًا هو مَن يؤدي دور الإمبراطور وحده.
بالإضافة إلى ذلك، كانت الإمبراطورة تعارض حتى الآن التنازل عن العرش للورانس. لأنها كرهت فكرة أن تصبح فيفيان إمبراطورةً وتُدفع هي إلى منصب إمبراطورةٍ أرملةٍ شرفيٍّ فقط. لكن مع اختفاء الإمبراطورة، لم يعد هناك مَن يعارض صعود لورانس إلى العرش فورًا.
نظرتُ إلى لورانس الذي يقرأ كلمة التأبين وهو يستمع إلى همسات النبلاء.
‘كل شيءٍ مثاليٌّ جدًا لدرجة أنه يبدو غير طبيعي.’
محاولتا الاغتيال اللتين استهدفتا حياتي، والأدلّة على أن الإمبراطورة كانت وراءهما، ولورانس الذي جاء إلى منزل الأرشيدوق بالأدلّة، ثم وفاة الإمبراطورة المفاجئة.
حدثت حادثةٌ خطيرةٌ لم أتخيّلها، وتم الكشف عن الحقيقة بسهولةٍ من شخصٍ غير متوقّعٍ قبل أن يبدأ بنديكت التحقيق. لكن نتيجةً لذلك، لم يُعاقَب أحدٌ ولم يفقد أحدٌ شرفه. لأن المجرم اختفى إلى الأبد في توقيتٍ مثاليٍّ كالمزحة.
في العربة العائدة بعد انتهاء الجنازة، تمتمتُ لنفسي بهدوء.
“لقد اختفى المجرم.”
كان هذا ينطبق لا على حادثة الاغتيال التي استهدفتني فحسب، بل على جريمة قتل البارون هايدن أيضًا.
‘إذا كانت الإمبراطورة وراء جريمة قتل البارون هايدن أيضًا، فمع موتها لن نتمكّن من إثبات براءة بنديكت.’
هزّ بنديكت الجالس أمامي رأسه قليلاً. كان تعبيره قلقًا على يدي. ابتسمتُ له ابتسامةً باهتةً وأجبتُه.
“أنا غاضبة، ظننتُ أننا سنتمكّن أخيرًا من إثبات براءتكَ هذه المرّة.”
“لا يهمّ. أنا سعيدٌ جدًا كما نحن الآت.”
“ومع ذلك، كنتُ أتمنّى أن تُعلَن براءتكَ بكلّ فخر.”
قلتُ ذلك وهززتُ رأسي بمرارة.
بالطبع، لم يعد منزل الأرشبدوق ريتشارد يعاني صعوباتٍ ماليةٍ كالسابق، وهو ليس في السجن أيضًا. لكن شرف بنديكت كان مُهمًّا بالنسبة لي. ليس الإفراج عنه لعدم كفاية الأدلّة، بل أن يكون بريئًا تمامًا دون أيّ خطأٍ أو ذنب. هذا هو معنى ‘البراءة’ التي أردتُ الحصول عليها له.
بعد فترةٍ قصيرة.
انتهت أخيرًا فترة الحداد على الإمبراطورة. وكما توقّعنا، أصبحت الإمبراطوريّة في ضجّةٍ حول تتويج لورانس. في النهاية، قرّر مجلس الدولة تنصيب لورانس إمبراطورًا بدلاً من الإمبراطور الفاقد للوعي.
طبيعيًا، أصبحت تحرّكات النبلاء نشيطة. النبلاء الذين يحاولون التقرّب من لورانس الذي سيصبح إمبراطورًا، والسيدات النبيلات اللواتي يستعددن لإعادة تنظيم المجتمع الراقي حول فيفيان التي ستصبح إمبراطورة، كلٌّ يبذل جهده للتقرّب منهما بطريقته.
بالطبع، لم نكن أنا وبنديكت ضمن أيٍّ منهما. كنا على علاقةٍ مضطربةٍ معهما لأسبابٍ عديدة.
“بعد انتهاء التتويج، يمكننا العودة إلى إقليم الأرشيدوق وعيش حياةٍ هادئة.”
بدا بنديكت متحمّسًا قليلاً. الإمبراطورة التي كانت تهدّدنا اختفت، والوضع المالي لإقليم الأرشيدوق ممتاز. بما أننا أكّدنا مشاعرنا لبعضنا، لم نعد زوجين بعقد. لذا يكفي أن نعيش كزوجين عاديين بعيدًا عن السياسة والمجتمع الراقي في العاصمة.
“نعم، لنفعل ذلك.”
حاولتُ محو الشعور المزعج الذي يؤرّقني في مكانٍ ما وأومأتُ برأسي. ثم نظرتُ إلى الرسم التوضيحي للورانس وفيفيان على الصفحة الأولى من الصحيفة. نهاية سيناريو مثالي، وبطلاه اللذان سيصبحان إمبراطورًا وإمبراطورة ليحظيا بنهايةٍ سعيدةٍ مرّةً أخرى.
استمرّت أيامٌ عاديّةٌ لأوّل مرّةٍ منذ فترةٍ لبضعة أيامٍ بعد ذلك. تناولنا أنا وبنديكت الطعام معًا، تمشّينا، وخرجنا إلى الشارع المزدحم لتفصيل الملابس التي سنرتديها في حفل التتويج. كانت حياة زوجين نبيلين عاديين. أيّامٌ هادئةٌ نادرة. لا مُهاجمين، ولا مَن يرتدي قناع الصديق ليُفرِّق بيننا.
بالطبع، كانت هناك بعض الأحداث الصغيرة مثل سقوط ثريا قديمةٍ فجأةً فوق رأسي أثناء تناول الإفطار معه، أو انهيار تمثالٍ في الحديقة نحوي فجأة، أو انفصال عجلة العربة التي ركبناها أثناء الخروج.
في كلّ مرّة، أظهر بنديكت ‘حاسّته السادسة’ التي يدّعيها بكفاءة. كان يستشعر الخطر بسرعةٍ فور حدوث الحادث، ثم يندفع ليحميني ويصدّ الخطر بسهولة. باستخدام التدحرج الأمامي والركلة الدورانية، وحتى حركات السقوط البهلوانية.
“كما توقّعت، حمايتكِ من مسؤوليتي. لا يمكنكِ الاستغناء عني.”
كان ينظر إليّ بفخرٍ بعد إنقاذي بأناقة. وبالطبع، الكلمات التالية كانت ثابتة.
“هذا هو واجب الزوج ‘الحقيقي’ بالضبط.”
منذ اليوم الذي لم نعد فيه مقيّدين بعلاقة عقد، بدأ يولي اهتمامًا خاصًّا بكلمة ‘حقيقي’. كأن لديه ضغينةً ضد كلمات ‘زوجةٍ مزيّفة’ أو ‘زوجٍ مزيّف’.
على أيّ حال، بفضل بنديكت، كنتُ أقضي أيامًا هادئةً دون أذًى ولو بشعرةٍ واحدةٍ رغم هذه الحوادث الصغيرة. حتى اليوم السابق للتتويج تمامًا.
أخيرًا، في اليوم السابق لتتويج لورانس وفيفيان إمبراطورًا وإمبراطورة. انقلبت الإمبراطورية التي كانت في جوٍّ من الحماس لتحضير التتويج رأسًا على عقب.
“خبرٌ عاجل! خبرٌ عاجل!”
“لقد استيقظ جلالة الإمبراطور أخيرًا!”
فتح الإمبراطور الذي كان فاقدًا للوعي لأكثر من عامٍ عينيه فجأة. وبالصدفة، قبل يومٍ واحدٍ فقط من تتويج لورانس.
“يبدو أن تتويج لورانس أُلغي في النهاية.”
رمى بنديكت الصحيفة في المدفأة بصوتٍ متذمّر. أومأتُ أنا أيضًا برأسي كأنني توقّعتُ ذلك. بما أن الإمبراطور استيقظ سليمًا، لم يعد بالإمكان تنصيب لورانس إمبراطورًا. تمتمتُ بهدوء.
“كيف سيكون شعور لورانس الآن.”
“سيفرح باستيقاظ جلالة الإمبراطور، لكنه في الوقت نفسه سيشعر وكأن جوهرةً كانت في يده قد سُرِقت. عاش طوال حياته ليصبح إمبراطورًا، ثم فاتته الفرصة على بُعد خطوة.”
“صحيح. يبدو أنه استبعد بالفعل النبلاء الموالين لجلالة الإمبراطور ووضع أتباعه في مناصب رئيسيةً في مجلس الدولة.”
وافقتُ على رأي بنديكت. لن يتمكّن لورانس من الفرح الخالص باستعادة والده لوعيه. في النهاية، كلّ خططه للوصول إلى العرش قد انهارت.
في السيناريو الذي بدا مثاليًا، ظهر متغيّرٌ غير متوقّعٍ تمامًا. جعلني ذلك أشعر بالقلق. لم أتمكّن من توقّع ما سيجلبه ظهور الإمبراطور في هذه اللحظة.
في ذلك الوقت، زارنا ضيفٌ غير متوقّعٍ في منزل العاصمة.
“سعادتك، جاء شخصٌ من القصر الإمبراطوري.”
مع كلام الخادمة، ظهر رجلٌ يرتدي زيًّا يخصّ موظّفي القصر أمامنا. كان وجهًا غريبًا مختلفًا عن الرُّسُل الذين جاؤوا من القصر حتى الآن. وقف بوقارٍ وألقى رسالةً مختومةً بختم الإمبراطور بجديّة.
جِئتُ لأنقُل أمر جلالة الإمبراطور إلى الأرشيدوق ريتشارد والأرشيدوقة ريتشارد.”
التعليقات لهذا الفصل " 101"