الفصل ٣١
دَقَّ!
أغلق الباب بقوةٍ شديدة حتى شعر الجميع بهزةٍ خفيفة في الأرض.
“……….”
ساد صمتٌ محرج للحظات.
الارتباك والغضب والقلق الذي تركه لوكاس خلفه أصبح الآن من نصيبنا جميعًا.
وفي وسط ذلك، كان كاليبس يتنهد بتعبيرٍ معقد.
“…لمَ… هكذا؟ ما المشكلة؟”
“لا أدري.”
سأل نوكس، لكن حتى الدوق لم يستطع الإجابة.
كنتُ قد فتحتُ فمي على وسعه بعينين كعيني الأرنب، ومنذ اللحظة التي نهض فيها لوكاس من مقعده، ظللتُ متجمدةً على هذا الحال.
بلع_
ما إن غاب لوكاس حتى بالكاد تمكنتُ من ابتلاع اللحم.
‘لماذا تصرف هكذا؟ في البداية بدا وكأنه يريد إجراء اختبار الوريث بأسرع وقت ممكن…’
بعد أن استعرضتُ مجرى الحديث في ذهني، أدركتُ فجأة: آه!
نعم، كان هناك لحظةٌ تغير فيها وجه لوكاس بوضوح.
تحديدًا عندما ذُكر اسم عائلة ماركيز ليليث.
‘هل يكره عائلة ماركيز ليليث؟ لماذا؟’
أنا ونوكس نكره عائلة ماركيز ليليث بسبب ما حدث سابقًا، وهذا أمرٌ مفهوم.
لكن لوكاس، الذي لم يكن موجودًا في تلك الحادثة، يكرههم إلى هذه الدرجة…
‘إذن هناك أمرٌ ما.’
أمسكتُ باللحم المتبقي بالشوكة، وخزته مرارًا حتى صار كالكباب، ثم وضعته في فمي دفعةً واحدة.
“شكرًا على الطعام. سأذهب لرؤية أخي!”
غادرتُ غرفة الطعام مسرعةً، مررتُ على الشيف وأخذتُ بعض الساندويتشات، ثم ركضتُ إلى غرفة نوم لوكاس.
طق طق.
طرقتُ الباب بحذر.
“ارجعي! لا أحد هنا!”
جاء صوتٌ غاضبٌ من الداخل.
ألصقتُ أذني بالباب وهمستُ بهدوء:
“أخي، هذه أنا…”
“…………..”
لم يأتِ رد.
انتظرتُ قليلاً، ثم استدرتُ واتكأتُ على الباب.
“جئتُ وحدي.”
“…حقًا؟”
“لا، أكذب عليك.”
“………….”
ما إن قلتُ “كذب” حتى شعرتُ بالجو يصبح أكثر برودة. حسناً، يبدو أن المزاح ممنوع الآن.
خشيتُ أن يطردني للمرة الثالثة، فأسرعتُ برفع الساندويتش وأنا أهمس:
“أتظن أنني جئتُ بيدين فارغتين؟ جئتُ مع ساندويتشات لذيذة أيضًا.”
“…تعالي أو لا تأتِ، لا يهم.”
بعد صمتٍ طويل، انفتح باب الغرفة أخيرًا.
‘يا إلهي، نجحتُ أخيرًا.’
دخلتُ الغرفة فلم أرَ سوى الظلام.
الوقت لا يزال مبكرًا، هل كان ينوي النوم بهذه الساعة؟ أم أنه اعتاد الظلام؟
في النهار تبدو غرفة نوم أرستقراطيه فخمة جدًا، لكن مع شمعةٍ واحدة فقط، بدت الغرفة كئيبةً ومخيفة.
ما إن دخلتُ حتى لف لوكاس نفسه بالغطاء كاللفافة.
“لم تأكل عشاءك. هيا، كُلْ هذا.”
جلستُ على الأرض بجانب السرير، فسألني بحذر:
“وأنتِ؟”
“أنا أيضًا تركتُ الطعام. أحضرتُ حصتي لنأكل معًا.”
عند سماع ذلك، برز وجهه الأبيض قليلاً من بين الغطاء.
“لمَ لم تأكلي؟ في سنك يجب أن تأكلي كثيرًا.”
“وأنت أيضًا كذلك.”
“…أنا اعتدتُ على الجوع خمس سنوات.”
اعتاد؟ لكن فتحتي أنفك يا سيدي الصغير تتسعان يومًا بعد يوم؟
ابتسمتُ ولوّحتُ بيدي السمينة لأنشر رائحة الساندويتش.
“…آه، حقًا. هل تظنين أنني سأخرج من أجل… هذا الشيء؟”
زحف للخارج كما لو لم يكن لديه خيار آخر وجلس بجانبي.
رغم وجود طاولة جانبية سليمة تمامًا، إلا أننا جلسنا على الأرض. يبدو أن كلينا لم يتأقلم بعد مع حياة النبلاء.
عندما أخذت قضمة من الشطيرة، أخذ لوكاس، الذي كان يفكر في الأمر للحظة، قضمة من الشطيرة أيضاً.
“……….”
اتسعت حدقتا العينين الحذرتان ببطء.
بدا الأمر أكثر لذة مما كان يتوقع، وبدأ لوكاس، الذي كان شارد الذهن للحظة، في تناول الساندويتش على عجل.
يسعدني أنها تناسب ذوقه.
حسنًا، الآن وبعد أن شبع بطنه… حان وقت الموضوع الرئيسي.
“يا سيدي الصغير.”
“ماذا؟”
“هل تكره عائلة ماركيز ليليث؟”
“كح كح!”
يا للهول.
يبدو أن التوقيت لم يكن مناسبًا بعد. شعرتُ بالحرج فحككتُ خدي، بينما احمرّ وجه لوكاس وقال بغضب:
“هل تطرحين مثل هذا السؤال دون مقدمات؟!”
“لكن هذا ما أريد معرفته أكثر من أي شيء. ألا يمكنك إخباري أنا فقط؟”
استدار لوكاس بعيدًا.
“…ستخبرين أبي على أي حال.”
“أمم. إذا قلتَ لي لا أخبره، فلن أفعل.”
مددتُ إصبعي الصغير السمين.
“……….”
نظر إليّ جانبًا ثم تسلل ببطء إلى السرير مرة أخرى، يراقب إصبعي بنظرةٍ حذرة.
لمَ يخاف هكذا؟
لوكاس الذي أعرفه ليس من النوع الذي يخاف من مثل هذه الأمور.
“لكن يا أخي.”
“ماذا؟”
“إذا كنتَ تكره عائلة ماركيز ليليث حقًا، ألم يكن الأفضل أن تقول ذلك مباشرة في غرفة الطعام؟”
“………..”
“كنتُ سأنضم إليك وأذمهم معك، فأنا أيضًا أكرههم جدًا.”
سألته مرة أخرى بهدوء،
“……….”
فأطلق لوكاس تنهيدةً طويلة، ثم استدار أخيرًا لينظر إليّ.
“…بعد التفكير، أعتقد أن الخوف أكبر من رغبتي في إخفاء الأمر.”
“لماذا؟”
“لأن أبي تخلى عني.”
“ماذا؟!”
لحظة من فضلك. ما هذا بحق الجحيم؟
انفتح فمي على مصراعيه وأنا أتناول شطيرتي من شدة الدهشة من الكلمات المفاجئة.
“هذه الحقيقه. قال لي ماركيز ليليث بنفسه عندما كنتُ في الثالثة من عمري بعد أن خطفني.”
حتى اسم ماركيز ليليث ظهر في القصة؟
“قال إنه عرض على أبي خمسة آلاف ذهب مقابل إعادتي، لكن أبي ردّ بأنني لا أساوي هذا المبلغ، وأخبره أن يتصرف بي كما يشاء.”
“…يا أخي. وأنت تصدّق هذا الكلام الفارغ؟”
“سواء صدّقتُ أم لا، المهم أن أبي أعادني في النهاية. هذا يكفي.”
لم ينكر، يبدو أنه يؤمن بهذا الكلام إيمانًا راسخًا.
حسنًا، في ذلك الوقت كان عمره ثلاث سنوات فقط.
مجرد الخطف كان صدمةً كبيرة، فكيف يفكر بعقلانية في تلك السن؟
لكن بدلاً من الشعور بالأسى على ماضيه المريع، تبادر إلى ذهني سؤالٌ آخر.
“…وماذا فعل الماركيز بعد ذلك؟”
“باعني في الخارج.”
ارتجفت لهبة الشمعة. بدأ الظل الذي يغطي لوكاس يهتز بعصبية.
“لقد تم بيعى مراراً وتكراراً على هذا النحو حتى وصلتُ إلى سيرك.”
كان يتحدث وكأنه غير مبال، لكنه في النهاية دفن وجهه بين ركبتيه.
“…الآن، مجرد رؤية ماركيز أو نبيل يجعلني أشعر بالغثيان.”
فقدت شهيتي. اضطررت إلى ترك الساندويتش الذي كنت أتناوله.
“لوكاس أخي.”
لم أكن أتوقع أن تكون الجراح عميقة إلى هذا الحد.
حتى عندما كنت أنظر إلى الدوق ، لم أشعر بشيء، ولهذا السبب بالذات لم أتمكن من إدراك الأمر.
‘لكنك تعرضت للأذى كثيراً خلال السنوات الخمس الماضية.’
لم أجرؤ على قول أي كلمة أمامه.
سواء كانت كلماتي تهدف إلى المواساة أو التشجيع، كنت أخشى أن تطير جميعها بعيدًا مثل
“لوكاس أخي.”
“ماذا؟”
“هل تنام معي الليلة؟”
“مـ… ماذا تقولين؟! هل جننتِ؟!”
أحيانًا تكون هناك مواساة لا تحتاج إلى كلمات.
لكن لماذا يحمر وجه هذا الرجل إلى هذا الحد؟
هززت كتفيَّ.
“خشيت أن يشعر أخي بأنه وحيد هنا، فقلت ذلك… إن لم يعجبك الأمر فلا بأس…”
“لا، بالمناسبة، هناك وسادتان بالصدفه!”
“ماذا؟”
في تلك اللحظة، قاطعني لوكاس وقفز من مكانه فجأة.
“بالمناسبة، السرير حجمه كبير أيضًا، فهو واسع جدًا! لكن مع ذلك، لا تذهبي أبدًا وتقولي مثل هذا الكلام بلا مبالاة لأي أحد آخر!”
وعلى عكس كلامه، كان قد صعد إلى السرير بالفعل، ويضرب بكف يده على المكان الفارغ بجانبه: طق، طق.
“أحذّركِ مرة أخرى… أنا لم أنم مع إنسان آخر من قبل، فقد أشعر بعدم الراحة… زززز.”
“؟”
بل إنه نام في غضون خمس ثوانٍ فقط.
“…لوكاس؟”
دفعته برفق في أنفه عدة مرات لأتأكد، لكن وجهه الوسيم لم يرف له جفن.
نعم. من الأفضل أن تغفو فوراً بدلاً من أن تعاني من الأرق.
“لوكاس، تصبح على خير.”
تمتمت بهدوء، ثم استلقيت بجانبه بصمت حتى لا يشعر بالوحدة، وأغمضت عينيَّ.
في الماضي… في حياة سابقة أصبحت الآن تكاد تتلاشى من ذاكرتى.
كنت مستلقية في غرفة واحدة مساحتها ثلاثة بيات (حوالي 10 أمتار مربعة تقريبًا)، كنت أشعر بالوحدة الشديدة.
ليس لدى أم، ولا أب.
وأقاربى لا يريدون مقابلتي.
ولم يكن لديَّ صديق واحد حتى يمكنني الاتصال به فجأة لنلتقي بشكل عفوى.
كلما طال بقائي هكذا، شعرتُ أكثر فأكثر بأنني أصبحتُ وحيدة تمامًا.
لذلك اقترحتُ على لوكاس أن ننام معًا.
“أنت تنام جيدًا. حتى أنك لا تعاني من الكوابيس.أليس من المفترض أن يحلم بطل الرواية الوسيم بكابوس في مثل هذه اللحظات؟”
[my baby🤏🥺]
لا… إنه يشخر.
ززززز…
فيووو~ بوب!
بل إن فقاعات النوم الهانئ خرجت من أنفه دلالة على نومه العميق.
“…مقزز.”
ثم تحركتُ مبتعدةً بمؤخرتي قدر استطاعتي، وأغمضتُ عينيَّ.
التعليقات لهذا الفصل " 31"