“لا تسيء الفهم. إن انهرتَ الآن ستتعطل الأمور. أحتاجك بكامل وعيك.”
ابتسم بسخرية خفيفة.
“آه. عدنا إلى أوريانا التي أعرفها.”
لكنه لم يعد ينظر إليّ كما كان يفعل قبل دقائق.
كان هناك شيء مختلف في عينيه.
كأنه لمح… الشرخ الصغير.
ولم يعلّق عليه.
تنهد وهو يعيد نظره إلى الأوراق.
“اسمعي… لا أحتاج المساعدة. فقط… ابقي بحالة جيدة.”
رفعت حاجبي.
لكنه أكمل، هذه المرة دون سخرية.
“رؤيتك بهذا المنظر… تذكرني بذلك اليوم.”
تجمدت يدي.
“عندما سقطت والدتي.”
صوته لم يرتجف.
لكن الكلمات خرجت أثقل من المعتاد.
“الشخص الذي كان منكسرًا بشدة… الذي كان يبكي ليلًا ونهارًا ويرفض الأكل… كان أنتِ.”
صمت.
“كنتِ أكثرنا انكسارًا. صحيح أنك الآن باردة… وعديمة المشاعر ظاهريًا… لكنك أكثرنا حساسية.”
نظرت إليه طويلًا.
“هل هذا مدح… أم ذم؟”
تنهد بخفة.
“لا أعلم. لكنه حقيقي.”
ثم أضاف بهدوء غير معتاد:
“فقط ابقي بخير. والدي سيكون بخير.”
رفع عينيه إليّ مباشرة.
“وإذا حدث وشعرتِ بالحزن… أو بشعور سيئ… تعالي إليّ. سأكون هنا.”
رمشت ببطء.
“اشعر بالغثيان.”
“منذ متى كانت لطيفًا هكذا؟”
قال فجأة بخجل واضح، وصوته ارتفع دون قصد:
“هاي! لقد جمعت كل مشاعري لأستطيع قول هذا الكلام، فلا تفسديه بسخريتك!”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي.
“لم أكن سأسخر. كنت سأقول إنك تستطيع أن تصبح شاعرًا… أو كاتبًا. قد تنجح.”
اتسعت عيناه.
ثم أشار إلى الباب بعصبية يخفي بها احمراره.
“فقط اخرجي! أنا المخطئ. لم يكن عليّ التحدث معك أصلًا.”
تقدمت بهدوء وجلست.
سكبت لنفسي شايًا من الكوب الموضوع بجانبه.
ارتشفت رشفة.
“حسنًا… ألا يمكنني شربه قبل أن أرحل؟ أنت حقًا لا تزال وقحًا كالعادة.”
تمتم بشيء غير مفهوم وهو يدير وجهه.
ارتشفت رشفة أخرى.
ثم وقفت.
“في العموم… شكرًا لك على نصيحتك.”
تجمد للحظة.
“مهلًا… هل سمعتُ خطأ؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“إلى اللقاء.”
استدرت.
“انتظري-“
“أنتِ… هل قلتِ-“
لكني غادرتُ بسرعة.
خلفي، بقي واقفًا في مكانه.
“هل سمعتها تقول شكرًا…؟”
—
عدتُ إلى غرفتي.
أغلقتُ الباب خلفي واستندتُ إليه.
كنتُ… سعيدة.
سعيدة حقًا بتلك المحادثة.
رغم أنني قلتُ إنني لن أنجرف نحو مشاعر ليست لي.
في النهاية، هذه الكلمات…
ليست موجهة لي أنا.
إنها لأوريانا.
للشخص الذي يظنونه أنا.
لكن-
لا بأس.
لنستمتع بها قليلًا.
بما أنني قررتُ العودة إلى عالمي في النهاية.
طرقات خفيفة على الباب.
“تفضل.”
دخلت إليسا.
ملامحها مترددة قليلًا.
“هل أنتِ بخير؟ لم أستطع زيارتكِ هذه الأيام بسبب ما حدث.”
“أجل. أنا بخير.”
اقتربت خطوة.
“والدي قال إنه سيتصرف في أمر الدوقية.”
أومأتُ.
“أجل. أشكره على ذلك.”
صمت قصير.
ثم نظرت إليها مباشرة.
“لكن لدي سؤال.”
عرفتُ من نبرتها أن الأمر ليس عابرًا.
“ماذا كنتِ تفعلين مع إيثان؟ ولماذا ذهبتِ معه؟”
توقفت يدي عن ترتيب الطاولة.
إيثان.
تلك الشعلة.
تلك العيون الفارغة.
اختي… أرجوكِ لا تكرهيني.
رفعتُ بصري ببطء.
“كان يريد الخروج. هذا كل شيء.”
ضيقت عينيها قليلًا.
“وأنتِ منذ متى ترافقينه وحدكِ؟”
ابتسمت ابتسامة هادئة.
“منذ متى تهتمين بالأمر؟”
ترددت.
ثم قالت بنبرة أخفض:
“أنا فقط… لم يعجبني منظره وهو يتمسك بكِ هكذا.”
آه.
إذن هذا هو السبب.
الغيرة.
ليست مني فقط.
اقتربتُ منها خطوة.
“لا تقلقي. لم يحدث شيء.”
ثم أضفتُ بنبرة أكثر جدية:
“إيثان ليس بخير يا إليسا.”
ارتبكت للحظة.
“ماذا تقصدين؟”
نظرتُ نحو النافذة.
“أحيانًا… الأشخاص الذين يضحكون أكثر من اللازم… هم الأكثر خوفًا من الداخل.”
سادت لحظة صمت ثقيل.
راقبتني وكأنها تحاول قراءة ما خلف كلماتي.
“وأنتِ؟”
سؤالها جاء فجأة.
التفتُّ إليها.
“ماذا عني؟”
“هل أنتِ بخير فعلًا؟”
ابتسمتُ.
تلك الابتسامة التي أتقنتها جيدًا.
“أنا دائمًا بخير.”
لكن للمرة الأولى-
لم أكن متأكدة إن كانت صدقتني.
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة.
“إلى اللقاء.”
استدرت.
“انتظري.”
توقفتُ لحظة-
لكني لم ألتفت.
“أنتِ… هل قلتِ…؟”
لكنني كنت قد غادرت بالفعل.
—
هل سمعتها تقول شكرًا؟
ظلَّ ليونارد يحدّق في الباب المغلق وكأنه ينتظر أن يعود الصوت من جديد.
—
عدتُ إلى غرفتي.
أغلقتُ الباب خلفي.
وتنفست.
كنت… سعيدة.
حقًا.
رغم أنني قلت إنني لن أنجرف نحو المشاعر.
في النهاية، هذه الكلمات ليست لي.
هذه العائلة ليست لي.
هذا العالم ليس لي.
أنا مجرد دخيلة في قصة.
وقد قررتُ العودة إلى عالمي.
إذن…
فلنستمتع قليلًا.
قليلًا فقط.
طرقات خفيفة على الباب.
“تفضل.”
دخلت إليسا.
كانت ملامحها هادئة، لكن عينيها مترددة.
“هل أنتِ بخير؟ لم أستطع مقابلتكِ هذه الأيام بسبب ما حدث.”
“أجل، أنا بخير.”
نظرتُ إليها مباشرة.
“والدي قال إنه سيتصرف في أمر الدوقية.”
أومأت.
“أجل… شكرًا له.”
تقدمت خطوة.
ثم سألتها بهدوء:
“لكن لدي سؤال.”
تصلبت قليلًا.
“ماذا كنتِ تفعلين مع إيثان؟ ولماذا ذهبتِ معه؟”
تجنبت عيني للحظة.
“الأكاديمية أرسلت استدعاءً رسميًا. كان عليه المغادرة فورًا.”
“هذا ليس ما سألته.”
رفعت نظرها إليّ.
كان هناك توتر خفيف في كتفيها.
“طلب مني أن أرافقه حتى البوابة.”
صمت.
“قال إنه لا يريد أن يذهب… وهو يشعر أنه يهرب.”
تجمدت أنفاسي دون أن يتغير وجهي.
“يهرب من ماذا؟”
ترددت.
ثم قالت بهدوء:
“منكِ.”
سكنت الغرفة.
“قال… إنه كلما نظر إليكِ، يشعر أنه قد يؤذيكِ يومًا ما.”
شعرتُ بذلك الشيء الصغير، العنيد، يتحرك مجددًا.
“وأنه إن بقي… سيضعكِ في خطر.”
رفعتُ رأسي ببطء.
“هذا سخيف.”
لكن صوتي لم يكن قاطعًا كما أردت.
تابعت إليسا:
“قال أيضًا… إنه لا يكرهكِ. بل العكس تمامًا. ولهذا تحديدًا… كان عليه أن يبتعد.”
صمت.
طويل.
ابتسمتُ أخيرًا.
ابتسامة هادئة.
“إذن هو يهرب بدافع النبل.”
“أوريانا-“
“لا بأس.”
استدرتُ نحو النافذة.
“في النهاية… الجميع يختار ما يراه صوابًا.”
ترددت إليسا… ثم تكلمت بسرعة، وكأن الكلمات أفلتت منها رغماً عنها:
“وأوصلته أيضًا. وأخبرته أنكِ كنتِ حزينة لفراقه… وأن الأمر سيكون بخير… وأن الدوق سيستيقظ.”
تجمدت يدي على حافة النافذة.
لكنني لم ألتفت.
تابعت بصوت أخفض:
“لقد ظل يبكي طوال الطريق… كان يكرر أنه يريد حقًا أن يكون معكم.”
صمت.
“أوبس… آسفة. انجرفت بالكلام. لم أقصد أن أجعلك حزينة أو أي شيء من هذا القبيل.”
أغمضتُ عيني لحظة.
“لا، الأمر بخير. أنا بخير.”
استدرت ببطء.
ابتسمت.
“لذا… اخرجِي.”
تجمدت.
“ولكن أنا-“
دفعتها خطوة نحو الباب.
“هيا. فقط… هيا. الآن. اخرجي.”
نظرت إليّ بقلق، لكنها غادرت أخيرًا.
أغلقتُ الباب.
وبقيتُ وحدي.
—
إيثان سيكون بخير.
عندما يستيقظ الدوق… سأخبره أن يعيده.
الأمر بسيط.
مجرد ترتيب أحداث.
مجرد انتظار.
تنفست ببطء.
الفجر.
سأغادر عند الفجر.
إلى جبال سيرون.
لإحضار زهرة ميرفيا.
—
تجهزنا ليلًا.
أنا ومارسلين.
الصمت كان كثيفًا، كأن القصر نفسه يحبس أنفاسه.
أحضرتُ العباءة الداكنة وارتديتها ببطء، أخفيتُ شعري جيدًا، ثم أخرجتُ الأقراط التي تغيّر المظهر. تأملتهما لحظة قبل أن أضعهما.
إيفي تقدمت خطوة.
“سآتي معكِ.”
“لا.”
نظرتُ إليها مباشرة.
“ستبقين هنا. في الغرفة السرية أسفل غرفتي.”
اعترضت بعينيها.
“لأنكِ إن خرجتِ قد يحدث لكِ شيء سيئ. وأنا لا أملك رفاهية القلق عليكِ أيضًا.”
خفضت رأسها.
“ابقَي في الأسفل. لا تخرجي مهما حدث.”
أومأت أخيرًا.
استدرت.
“الآن… سنخرج.”
—
تسللتُ عبر الممرات المظلمة حتى وصلتُ إلى الحديقة.
الهواء كان باردًا.
رطبًا.
الشئ الجيد أن جسدي اعتاد على هذه الحركات… بسبب التدريبات التي كنت أفعلها.
القفز الخفيف.
الهبوط دون صوت.
التنفس المنتظم.
عندما وصلتُ إلى الجدار… إلى الحفرة الصغيرة التي استخدمتها سابقًا-
توقفت.
“آنسة أوريانا.”
أغمضتُ عيني.
بجدية… ألا أستطيع الخروج مرة واحدة دون أن يراني أحد؟
التفتُّ ببطء.
نيكولاس.
كان يقف في الظل، وكأنه جزء من الليل نفسه.
عيناه ثابتتان عليّ.
“إلى أين؟”
“نزهة ليلية.”
لم يبتسم.
“مرتدية عباءة تخفي هويتك، وتتسللين عبر ثغرة في الجدار؟”
تنهدت.
“لا شأن لك.”
“بل لي أنستي.”
صوته كان هادئًا.
“إن حدث لكِ شيء… ستنهار أشياء كثيرة.”
رفعتُ حاجبي.
“أهذا قلق؟”
“هذا حساب للمخاطر.”
اقترب أكثر. كان هادئًا.
“أنتِ لستِ في حالة جيدة لتذهبي وحدك.”
نظرتُ إليه مباشرة.
“أرجوك… هل لي أن أطلب معروفًا؟ ألا تخبر أحدًا.”
صمت.
نظر إليّ طويلًا، وكأنه يقيس وزن الكلمات قبل أن يرد.
ثم قال بهدوء غريب:
“أتذكرين عندما طلبتِ مني أن آتي… لأنكِ أردتِ الاعتراف لي بحبك؟”
تصلبتُ قليلًا.
“نسيتُ الأمر تمامًا.”
حاولتُ أن أقول شيئًا ساخرًا، لكنه أكمل:
“كنتِ تستغلينني، أليس كذلك؟”
لم أجب.
“لم تحبيني.”
عيناه لم تكونا غاضبتين.
كانتا… ثابتتين فقط.
“أردتِني أن أبقى في الأسفل. قريبًا. لكي أكون موجودًا عندما يحدث شيء.”
الهواء صار أثقل.
“لا بأس.”
قالها ببساطة أربكتني.
“لكن كوني بخير. رغم أنني أرى أنه كان عليكِ أخذ شخص معكِ… سأعتبر أنني لم أرَ شيئًا الليلة.”
رفعتُ حاجبي.
“حقًا؟ بهذه السهولة؟”
اقترب خطوة أخيرة.
قولت بهدوء.
“تعلم… عندما أعود… قد أفكر مجددًا في موضوع حبي لك.”
ابتسم.
تلك الابتسامة الهادئة .
“هل هذه رشوة؟”
سأل بنبرة خفيفة.
نظرتُ إليه بثبات.
“لا. أقولها بجدية.”
صمت بيننا.
ثم تنحى أخيرًا عن الطريق.
“حسنًا. إلى اللقاء… أوريانا.”
لم أعرف لماذا نطق اسمي بهذه الطريقة.
خرجتُ عبر الفتحة في الجدار.
—
همست مارسيلين فور ابتعدنا قليلًا:
“ألا تخشين أن يخبر الدوقية؟”
هززت رأسي.
“الناس في الداخل لن يعرفوا شيئًا. وإن أخبر أحدًا… فلن يملك دليلًا.”
أخرجتُ الأقراط.
ارتديتهما.
شعرتُ بذلك الوخز الخفيف خلف أذني.
وببطء-
تغير مظهري.
عاد الوجه الذكوري.
الملامح الحادة.
الصوت الأعمق.
تنفستُ مرة واحدة.
“الآن… فعلي السحر.”
أومأت مارسيلين .
الهواء اهتز.
الأرض أضاءت بخطوط زرقاء خافتة.
“إلى جبال سيرون.”
الريح ارتفعت فجأة حولنا.
والضوء ابتلع المكان.
“لننتقل.” _______________________________________
عندي كلام عايزة اكلم عنه في ناس كتير بتقولي عايزين شخصيتي البطلة قوية يعني يا جماعة البطلة اصلا شخصيتها قوية ممكن الكل بيقول كده لان البطلة عيطت وبكت ساعة ليونارد وايثان والدوق وده شئ طبيعي يعني حتي لو قوية فهي انسانة يعني عندها مشاعر يعني هي اصلا بتعني من صدمة من وهي صغير يعني تخيلوا كده بعد الشر يعني انو ماماتكم تموت قدامكم وانتوا صغيرين يارب احفظ كل امهاتنا يارب بس تخيلي الموقف والاسوء بعدها ان الكل يقول انو الموضوع بسببك طبيعي هيبقي عندك صدمة من الموضع يعني انا لما خليتها قوية وباردة ما عجبكم وقلتوا تعبر عن مشاعرها لما خلتها تعبر ما عجبك ايش اسوي انا بس بجد شايف انا انو الموضوع منطقي وانا تعبر عن مشاعرها لانها لسه ما تخطت الموقف
التعليقات لهذا الفصل " 54"