ذهبنا أنا وإيثان.
وكان معنا ثلاثة حراس.
بدا كل شيء… عاديًا.
هادئًا أكثر مما ينبغي.
إيثان انحنى بين الأزهار، يمرر أصابعه فوق البتلات كأنه يلمس شيئًا هشًا جدًا.
كان يضحك عندما تطير بعض البتلات بفعل حركته.
مارسلين كانت جالسة على كتفي، ساقاها تتدليان بخفة، تراقب المكان بعينيها اللامعتين.
إيفي كانت معنا أيضًا، تدور حول إيثان بحماس، فيركض خلفها قليلًا ثم يتعثر في العشب ويضحك.
كان مشهدًا جميلًا.
بسيطًا.
هادئًا.
كنتُ أمسك شمسية فوق رأسي بسبب الشمس، ظلها يغطي وجهي وجزءًا من كتفي.
وإيثان كان يرتدي قبعة صغيرة تحميه من الضوء، مائلة قليلًا بسبب حركته المستمرة.
ثم فجأة—
أخرج كرة من حقيبته.
رفعتها حاجبي.
“ما هذه؟”
ابتسم بفخر.
“لقد أحضرتها. ما رأيك أن نلعب بها؟”
نظرتُ إليه للحظة.
ثم ابتسمتُ دون أن أشعر.
“حسنًا. فلنلعب.”
بدأنا نلقي الكرة لبعضنا البعض.
مرة… مرتين… ثلاث.
ضحكته كانت ترتفع مع كل رمية ناجحة.
كان فرِحًا للغاية.
ذلك النوع من الفرح الذي لا يُصطنع.
ركض قليلًا وهو يحاول التقاطها.
ثم رماها لي بكل قوته الصغيرة.
ضحكت.
وعندما جاء دوري—
قذفتها.
لكنها خرجت أبعد مما توقعت.
تدحرجت على العشب.
ثم تجاوزت جزءًا من المسار…
واختفت قليلًا بين الأشجار.
توقفتُ.
“أنا آسفة… سأذهب وأحضرها.”
تحركتُ خطوة.
لكن إيثان أسرع.
“لا! سأحضرها! لا يجب أن تتعبي أختي.”
نظرتُ إليه بجدية.
“أنت صغير. لا يجب أن تذهب وحدك. سأذهب أنا.”
تحرك أحد الحراس فورًا.
“سأرافقكِ يا آنسة.”
نظرتُ إليه ببرود.
نظرة ثابتة.
“لا يجب أن تتبعنا في كل مرة.”
تردد.
“نحن لن نهرب. جئنا أنا وإيثان لنستمتع. فلا تضيّق علينا.”
خفض رأسه قليلًا.
“لا أقصد يا آنسة أوريانا، فقط—”
قاطعته بهدوء حاد:
“لا يهمني.”
استدرتُ.
“سأذهب لأحضرها فقط. انتبهوا لإيثان.”
تقدمتُ نحو الجهة التي اختفت فيها الكرة.
العشب أصبح أطول قليلًا هنا.
والأشجار أقرب.
خطواتي كانت خفيفة.
لكن—
كلما ابتعدتُ خطوة…
شعرتُ بأن الأصوات خلفي تخفت.
ضحكة إيثان.
حركة إيفي.
مارسيلين كانت واقفة معاهم رغم أنها غير مرئية لأني أمرتها بالبقاء مع ايثان
حتى همسات الحراس.
الهواء أصبح أهدأ.
أثقل.
توقفتُ لحظة.
“أين ذهبت الكرة…؟ لم تبتعد كثيرًا.”
نظرتُ حولي.
كان من المفترض أن تكون هنا.
خطوتُ خطوة أخرى داخل الغابة.
ثم أخرى.
لم أعد أرى أحدًا خلفي.
الأشجار أصبحت أقرب.
متشابهة.
والهواء—
أثقل.
كأنني أتنفس ببطء أكبر دون أن أشعر.
ثم رأيتها.
الكرة.
بعيدة قليلًا.
لكن ليست بعيدة بما يكفي لتبرر هذا الصمت.
تقدمتُ نحوها.
مددتُ يدي.
انحنيتُ—
وعندما أمسكتها—
“هاه—؟”
شعرتُ بالأرض تختفي تحت قدمي.
لم يكن انزلاقًا.
لم يكن تعثرًا.
بل سقوطًا مفاجئًا.
“أخ—!”
الهواء اندفع من صدري.
جسدي هبط فجأة.
ارتطمتُ بشيء صلب في الأسفل.
صوت مكتوم.
ألم حاد في كتفي.
بقيتُ لثانية بلا حركة.
أحاول استيعاب ما حدث.
رفعتُ رأسي.
ظلام.
ضوء خافت جدًا من الأعلى.
نظرتُ حولي.
“ماذا…؟”
حفرة.
حفرة عميقة.
جدرانها ترابية متماسكة.
رفعتُ رأسي بسرعة.
الفتحة التي سقطتُ منها—
كانت هناك.
ثانية واحدة.
ثم—
تحرك شيء في الأعلى.
صوت خفيف.
وانغلقت.
اختفى الضوء.
اختفى الشكل الدائري الذي يربطني بالعالم فوقي.
سقط بعض التراب على كتفي.
ثم…
سكون.
تجمدتُ.
“ماذا حدث للتو…؟”
مددتُ يدي نحو الأعلى.
لا شيء.
فقط جدار ترابي أملس.
محكم.
كأن الحفرة لم تكن موجودة أصلًا.
كأنها ابتلعتني.
وأغلقت فمها.
في تلك الأثناء—
عند إيثان.
نظر إلى المكان الذي ذهبتُ نحوه.
مر وقت.
أكثر مما يجب.
“ألم تتأخر أختي؟”
قال أحد الحراس بتردد:
“أظن ذلك، سموّك.”
خطا إيثان خطوة للأمام.
“إذًا سأذهب لأراها.”
تقدم.
لكن الحارس تحرك بسرعة وأوقفه.
“آسف، سموّك. لا أستطيع السماح بذلك. إذا ذهبتَ إلى هناك قد يحدث لك شيء.”
نظر إليه إيثان بحدة.
“ما الذي قد يحدث لي في هذه الغابة؟”
تلعثم الحارس.
“فقط… احتياط—”
قاطعَه إيثان ببرود لم يكن معتادًا عليه.
“إذًا اذهب وابحث عنها.”
توتر الحارس.
“حسنًا، سموّك… لكن الآنسة أوريانا رفضت أن أرافقها، وبصراحة شخصيتها صعبة، لذا عندما—”
تجمدت الكلمات في حلقه.
لأن إيثان كان ينظر إليه.
بغضب واضح.
“عذرًا… منذ متى يُسمح لكم بإبداء آرائكم عن سيدتكم بهذه الحرية؟”
ارتبك الحارس فورًا.
انحنى.
“آسف، سموّك.”
صوت إيثان كان ثابتًا.
“اذهب. وابحث عن أختي. بسرعة.”
“حاضر.”
انطلق الحارس نحو الداخل.
بقي إيثان واقفًا.
قبضته مشدودة حول طرف قميصه.
ينظر إلى الأشجار.
إلى المكان الذي ابتلعني.
وهمس لنفسه بصوت بالكاد سُمع:
“ما الذي يحدث…؟ أين ذهبتِ يا أختي…؟”
ابتلع ريقه.
حاول أن يبدو هادئًا أمام الحارسين المتبقيين.
لكن أصابعه كانت ترتجف قليلًا.
“أتمنى… أن تكوني بخير.”
“سحقًا…!”
دفعتُ نفسي لأعلى بكل ما أملك من قوة.
غرزتُ أصابعي في الجدار الترابي.
حاولتُ أن أتشبث بأي نتوء.
لكن التربة كانت تنزلق.
قدمي فقدت ثباتها—
وسقطتُ بقوة إلى الأسفل مرة أخرى.
“أخخخخ—!”
الألم صعد في ساقي وكتفي.
تشنجت أنفاسي.
“سحقًا…!”
رفعتُ رأسي إلى الأعلى.
ظلام.
لا دائرة ضوء.
لا فتحة.
لا شيء يدل أن هناك عالمًا فوقي.
إذا بقيتُ هنا طويلًا…
الهواء سيقل.
أشعر به.
أثقل.
أبطأ.
أنفاسي ترتد إليّ ساخنة.
عليكِ التفكير.
الآن.
فكري بشيء.
أي شيء.
ضربتُ الجدار بيدي.
“هل هناك أحد؟!”
صرختُ.
صوتي ارتد إليّ فقط.
خافتًا.
مكسورًا.
“هل تسمعونني؟!”
لا رد.
لا حركة.
لا صوت حارس يقترب.
لا خطوات.
ماذا يحدث هنا بحق الجحيم…؟
مر الوقت.
لا أعرف كم.
الدقائق بدت أطول من اللازم.
كل ثانية تمر كانت تضغط على صدري أكثر.
في الأعلى—
تحرك الجميع بسرعة.
الحراس ينتشرون.
الأوامر تتوالى.
والدوق كان في قلب الفوضى.
صوته انفجر غضبًا:
“كيف حدث هذا وأنتم موجودون؟!”
صمت ثقيل سقط أمامه.
عيناه كانتا قاسيتين.
“أقسم— إن حدث لها شيء… سأقتلكم جميعًا!”
لم يكن تهديدًا فارغًا.
كان وعدًا.
إيثان كان يقف قريبًا.
وجهه شاحب.
يداه مشدودتان.
“ابقَ هنا يا إيثان.”
قالها الدوق بحدة.
حدة غير مقصودة—
لكنها خرجت من انفعاله.
التفت إليه بسرعة، صوته انخفض قليلًا رغم التوتر.
“ابقَ هنا.”
إيثان لم يجب.
فقط شدّ قبضته أكثر.
الدوق استدار.
“ليونارد!”
وصل ليونارد مسرعًا.
“أحضر كل الحراس. الآن. فتشوا الغابة بالكامل. لا أريد شبرًا واحدًا غير مُفتش!”
“حاضر.”
اندفع ليونارد دون تردد.
القلق كان واضحًا في عينيه رغم محاولته الثبات.
أما إيثان—
فكان ينظر نحو اتجاه الغابة.
نحو المكان الذي اختفيتُ فيه.
قلبه ينبض بسرعة.
لكنه لم يتحرك.
لأن والده أمره أن يبقى.
وللمرة الأولى—
كان يشعر أن البقاء في مكانه…
أصعب من أي شيء آخر.
أمسكت فيكتوريا كتف إيثان من الخلف.
“إيثان، ماذا تفعل؟ عليك العودة إلى البيت الآن.”
لم يلتفت إليها.
عيناه كانتا ثابتتين على الغابة.
“لا. يجب أن أنتظر لأرى إن كانت أختي بخير.”
شدّت قبضتها قليلًا على كتفه.
انخفض صوتها.
“ألم أقل لك من قبل؟ أم نسيت ما أخبرتك به البارحة؟”
تجمّد إيثان.
والكلمات أعادته إلى تلك اللحظة.
البارحة—
عندما ذهبتُ لأحضر الحلويات.
كان إيثان ينتظر في الحديقة.
وجاءت فيكتوريا.
شعرها الأحمر يلمع تحت الضوء.
اقتربت منه بخطوات هادئة.
إيثان شعر بشيءٍ منذ اللحظة الأولى.
شيء ينفّره منها.
انقباض في معدته.
عدم ارتياح لا يستطيع تفسيره.
“إيثان، مرحبًا.”
“أهلًا.”
ابتسمت.
“ألا تعرفني؟”
“لا أعرفك… أمي أخبرتني عنك.”
رفعت حاجبها.
“أوه، هذا مذهل. إذًا لماذا تتراجع كلما اقتربت منك؟”
كان قد تراجع فعلًا خطوة دون أن يشعر.
خفض نظره قليلًا.
“أنا فقط… أنتظر أختي. لذا أرجوكِ.”
ابتسمت مرة أخرى.
لكن تلك الابتسامة—
لم تكن مريحة أبدًا.
باردة.
ضيقة.
كأنها تخفي شيئًا خلفها.
“يبدو أنك أيضًا مثل البقية. حسنًا… لم أستغرب.”
قطب حاجبيه.
“ماذا؟”
“لا تهتم.”
اقتربت أكثر.
انخفض صوتها كأنها تخبره بسر.
“لكن هل تعرف؟ سمعت شيئًا مثيرًا للاهتمام.”
لم يجب.
“سمعت أن سبب سقوط الدوقة… ودخولها في الغيبوبة… كان بسبب إيثان.”
سكتت لحظة.
ثم همست:
“لأنه كان خطرًا عليها. بسبب قوته الزائدة.”
نظرت في عينيه مباشرة.
“ما رأيك بهذا؟”
إيثان لم يصرخ.
لم ينكر.
لم يبكِ.
فقط…
سكت.
لم يستغرب كثيرًا.
لقد سمع كلمات مشابهة في الأكاديمية.
همسات.
ضحكات خلف ظهره.
“خطر.”
“ملعون.”
“سوء حظ.”
وكان يتحملها.
بصمت.
لكنها لم تتوقف.
“وأيضًا قرأت شيئًا مثيرًا للاهتمام يا إيثان.”
مالت قليلًا نحوه.
“الأشخاص الذين يحملون الكثير من القوة… يجلبون المشاكل وسوء الحظ لمن حولهم.”
تراجعت خطوة.
وتركت الكلمات معلقة بينهما.
ثقيلة.
مقصودة.
لم يسكت إيثان فورًا.
نظر إليها مباشرة.
رغم صغر سنه… كان في عينيه اعتراض صريح.
“هذا ليس صحيحًا. لا يوجد كلام علمي على هذا الأمر.”
رفعت حاجبها بخفة.
“أجل… أنت محق.”
قالتها بسهولة أربكته.
ثم مالت قليلًا نحوه.
“لكن أخبرني… لماذا تقترب من أوريانا بدلًا من إخوتك الآخرين؟ هل تحبها لهذه الدرجة؟”
توردت أذناه.
تشابكت أصابعه أمامه بخجل واضح.
تردد.
ثم قال بصوت خافت:
“حسنًا… أجل. أمي دائمًا كانت تخبرني أنها لطيفة… وأنها ستكون أختًا جميلة لي.”
توقفت عند كلمة.
“لطيفة؟”
ابتسمت.
ابتسامة خفيفة… لكن شيئًا فيها لم يكن طبيعيًا.
“هذا غريب.”
رفع رأسه.
“لماذا؟”
“لأنه… عندما كان الدوق يقول أنه سيأتي ليحضرك من الأكاديمية… كانت تعترض دائمًا.”
تجمد.
“ماذا؟ مستحيل.”
نظرت إليه نظرة طويلة.
“ماذا تعني بمستحيل؟ أخبرتك… من يملكون قوة كبيرة يؤذون من حولهم. يجعلونهم في خطر.”
اقتربت خطوة.
صوتها أصبح أهدأ.
“ربما… كانت تحاول أن تبتعد عن مصدر الخطر.”
عيناه اتسعتا.
“لا.”
“حسنًا.” رفعت كتفيها بلا مبالاة.
“إن كنت لا تصدقني… ستأتي الأيام وتثبت لك.”
” كان عليك البقاء في الأكاديمية. هذا أفضل للجميع.”
وتركت الكلمات خلفها.
كأنها زرعت شيئًا.
ورحلت.
الآن—
في الغابة.
قبضتها لا تزال على كتفه.
“هل نسيت؟” همست فيكتوريا.
عاد التوتر إلى صدره.
تلك الكلمات.
تلك النظرات.
الهمسات في الأكاديمية.
كلها تجمعت للحظة واحدة.
لكن—
شد فكه.
ورفع رأسه قليلًا.
“أختي ليست مثل البقية.”
صوته كان منخفضًا.
لكن ثابتًا.
ليس دفاعًا طفوليًا.
بل قرار.
“لن يحدث لها شيء بسببي أنا متأكد.”
قبضتها ارتخت قليلًا.
لكن ابتسامتها لم تختفِ.
بل أصبحت أهدأ.
أبرد.
أما إيثان—
فكان ينظر إلى الغابة.
إلى المكان الذي اختفيتِ فيه.
وقلبه يخفق بسرعة.
ليس لأنه يخاف أن يؤذي أحدًا.
بل لأنه يخاف—
أن يكون قد بدأ يصدق كلماتها للحظة.
وذلك وحده…
أرعبه أكثر من أي شيء آخر.
بدأ المطر يهطل فجأة.
قطرات ثقيلة.
باردة.
كأن السماء قررت أن تنقلب بلا إنذار.
تنهدت فيكتوريا بملل.
“حسنًا… لا يهمني. سأعود إلى القصر. ابقَ إن أردت. أخبرتك أن تعود، لكنك مُصر.”
واستدارت.
وتركت المظلة تحميها وحدها.
إيثان لم يتحرك.
كان ينظر إلى السماء.
منذ دقائق فقط… كانت مشمسة.
لم يكن هناك ما يوحي بالمطر.
قطرات الماء بللت شعره سريعًا.
قبعته سقطت أرضًا دون أن ينتبه.
نظر نحو الطريق.
“أبي… والحراس رحلوا منذ وقت… لماذا لم يعودوا بعد؟”
المطر اشتد.
ملابسه أصبحت ثقيلة.
باردة.
فكرة ضربته فجأة—
أختي لا ترتدي ملابس ثقيلة.
إن بقيت في الداخل… ستصاب بالزكام.
قبض يده.
“يجب أن أجدها قبل أن يحدث لها شيء.”
نظر نحو الغابة.
تنفس بعمق.
“إن بحثت عنها بقوتي… أستطيع فعل ذلك.”
صوته كان مرتجفًا، لكن ليس من البرد.
“أبي سيتفهم إن وجدتها… أليس كذلك؟”
تردد.
هو لا يتحكم في قوته جيدًا.
يعرف ذلك.
لكن—
“أستطيع فعل شيء… أنا متأكد.”
وانطلق.
دخل الغابة.
المطر يضرب وجهه.
ملابسه مبتلة كليًا.
الأرض أصبحت زلقة.
لكنه لم يتوقف.
“أختي!”
صوته ضاع بين صوت المطر.
“أختي!”
دخل أعمق.
أكثر.
الأشجار كثيفة.
الضوء أقل.
أنفاسه بدأت تتسارع.
“هاه… هاه…”
صدره يؤلمه.
لكنه واصل الركض.
“أوريانا! أين أنتِ؟ أرجوكِ!”
صوته انكسر في النهاية.
دموعه اختلطت بالمطر.
لم يعد يفرق بينهما.
“أين يجب أن تكوني…؟”
حاول أن يستشعرها.
أن يركز.
أن يستخدم قوته.
لكن كل شيء كان فوضى.
صوت المطر.
نبض قلبه.
الخوف.
“لماذا… لماذا قوتي لا تجعلني أجدها؟”
كان من المفترض أن يشعر بها.
أن يحدد مكانها بسرعة.
هكذا تخيل دائمًا.
لكن لا شيء يحدث.
لا إشارة.
لا استجابة.
فقط فراغ.
بدأ يلتفت في كل اتجاه.
يدور حول نفسه.
“أين أنتِ…؟”
ثم—
توقف.
عيناه ثبتتا على الأرض.
بين الطين والمطر…
شيء أحمر.
بقعة صغيرة.
تقدم خطوة.
ثم أخرى.
انحنى.
لمسها بأصابعه المرتجفة.
نظر إلى أطرافه.
أحمر.
ليس طينًا.
ليس زهرة.
اتسعت عيناه ببطء.
صوته خرج بالكاد مسموعًا:
“أ… هذا… دم؟”
تراجعت قدماه.
ثم انزلقتا في الطين.
سقط على الأرض بقوة.
اتسخت ملابسه.
يداه ارتجفتا فوق الوحل الأحمر المختلط بالمطر.
“مستحيل…”
رأسه بدأ يمتلئ بالصور.
أوريانا وهي تبتسم له.
أوريانا وهي تربت على رأسه.
أوريانا وهي تقول: ابقَ هنا.
ثم—
الصورة تغيّرت.
وجهها شاحب.
الدم يسيل.
جسدها بلا حركة.
ضغط يديه على رأسه.
“لا… أنا فقط أتخيل… هذا ليس حقيقيًا…”
وفجأة—
شعر بيد تُمسك كتفه.
رفع رأسه.
شخص.
بلا ملامح.
ظلّ فقط.
صوت بارد خرج من العدم:
“ألم أخبرك؟ كان يجب أن تموت.”
تجمد.
“كان يجب أن تقتل نفسك عندما سقطت والدتك. عندها كانت عائلتك ستعيش بسلام.”
اتسعت عيناه.
“هل تظن أن أحدًا يحبك؟”
ارتجف صوته:
“أختي كانت—”
قاطعه الظل.
“أجل. كانت تحبك.”
صمت قصير.
“لكنها الآن ماتت.”
صرخ.
“لا! لم يحدث لها شيء!”
الصوت لم يتغير.
“إذًا لماذا لم يجدها والدك حتى الآن؟ لماذا لم يعد الحراس؟”
اقترب الظل أكثر.
“أنت السبب. لو لم تخبرها أنك تريد التنزه… لما حدث هذا.”
تنفسه أصبح متقطعًا.
“أنت كان يجب أن تختفي.”
شعر بالفراغ.
فراغ يسحب كل شيء من داخله.
ورأى أمامه—
أخته.
راكعة أمامه.
الدم يغمر ملابسها.
عيناها نصف مغلقتين.
تتلاشى.
زحف نحوها.
احتضن ذلك الوهم بقوة.
“أرجوكِ… لا تموتي…”
صوته كان متكسرًا.
“سأعود من حيث جئت… لن أعود مجددًا… أعدك… فقط كوني بخير… أرجوكِ…”
لكن ذراعيها—
سقطتا من حوله.
رأسها مال.
بلا استجابة.
بدأ يهز رأسه بعنف.
“لا… لا… أرجوكِ… لا تتركيني…”
دموعه امتزجت بالمطر.
“أرجوكِ أوريانا… لا تكرهيني… أرجوكِ… رجاءً…”
صوته تحول إلى صرخة ممزقة:
“لااااااااا!”
وفي تلك اللحظة—
انفجرت الطاقة من حوله.
لون برتقالي مشتعل.
اندفعت في دائرة واسعة.
الأرض اهتزت.
الأشجار القريبة تشققت.
الهواء نفسه احترق بحرارة القوة المنفلتة.
المطر تبخر في محيطه.
لم يعد يسمع شيئًا.
لا صوت المطر.
لا صوت الريح.
لا صدى صرخته.
فقط—
فراغ أبيض داخل رأسه.
والطاقة تشتعل حوله بلا سيطرة.
“أختي… أرجوكِ عودي… أرجوكِ لا تموتي…”
كان صوته خافتًا.
بلا تعبير.
بلا حياة.
وجهه خالٍ تمامًا…
إلى أن تساقطت دموعه بصمت.
—
في تلك الأثناء—
“سحقًا…!”
ضربتُ الجدار بيدي مرة أخرى.
أظافري امتلأت بالتراب.
حاولتُ التسلق.
مرة.
ومرة أخرى.
لكن كلما ارتفعت قليلًا—
انهارت التربة وسقطتُ بقوة.
“ماذا أفعل…؟ سحقًا…!”
الهواء أصبح أثقل.
أنفاسي أسرع.
رأسي يدور.
“بهذا الحال… قد أموت فعلًا.”
رفعتُ رأسي نحو الأعلى.
“كيف بحق الجحيم اختفت تلك الفتحة؟!”
كانت هناك.
رأيتها.
شعرتُ بها.
ثم—
اختفت كأنها لم توجد أصلًا.
وفجأة—
سمعتُ صوتًا خافتًا.
حفيف.
ثم شيء يتحرك فوقي.
رفعتُ رأسي بسرعة.
ورأيتُ جسدًا صغيرًا يتدلّى من مكانٍ بالكاد يُرى في السقف الترابي.
“سيدتي!”
اتسعت عيناي.
“مارسيلين!”
تنفستُ بارتياح لم أشعر به منذ سقطت.
“أخيرًا وجدتك! ظللتُ أبحث عنك بلا توقف… لكن طاقتك كانت شبه غير محسوسة. يبدو أن أحدًا غطّى المكان بسحرٍ ليخفيه.”
عضضتُ على شفتي.
“هل تستطيعين إخراجي من هنا؟”
ابتسمت بثقة.
“بالطبع… لكن هذه المهمة ستكون لإيفي.”
رمشتُ.
“كيف ستكون لإيفي؟”
لوّحت بيدها الصغيرة.
“لا تكترثي. فقط انتظري قليلًا.”
واختفت من الفتحة الضيقة.
لم أفهم شيئًا.
لكن بعد لحظات—
سمعتُ صوتًا فوقي.
صوت رجل.
“ماذا هناك؟ لماذا أحضرتِني إلى هنا؟”
تسارعت أنفاسي.
بدأت أصرخ بكل ما لدي:
“هنا! في الأسفل! أنا هنا!”
لكن صوتي ارتدّ إلى الجدران.
لم أكن متأكدة إن كان يسمعني.
وبالفعل لم يكن يسمعني
ما الأمر أيتها القطة ماذا تريدين مني”
ثم—
فجأة.
اختُرق السقف بسيف.
اندفع النصل من خلال التراب بقوة.
تراجعتُ فورًا.
“هاه!”
كاد يصيبني.
صرختُ مجددًا:
“هنا! أنا هنا!”
هذه المرة—
توقف السيف.
وصوت جاء من الأعلى.
واضح.
“آنسة أوريانا؟”
تجمدتُ.
هذا الصوت…
ليس غريبًا.
من هو .
لكن—
هل يهم الآن؟
“أجل! هنا! أرجوك أخرجني!”
صوته أصبح أقرب.
“ابتعدي قليلًا رجاءً… لكي لا تُصابي.”
“حسنًا!”
تراجعتُ إلى أقصى الجدار.
ثوانٍ مرت—
ثم اندفع السيف مجددًا.
لكن هذه المرة—
كان ممزوجًا بقوة سحرية واضحة.
التراب تشقق.
الجدار اهتز.
انفتح السقف بقوة.
وتدفّق الماء إلى الداخل بسبب المطر في الأعلى.
سقطت قطرات
كان الضوء خافتًا…
والظلام بدأ يبتلع الغابة ببطء.
رفعتُ عيني إلى السماء.
“منذ متى وأنا هنا…؟”
رائحة المطر كانت واضحة.
الأرض موحلة.
قطرات باردة تنزلق من أطراف شعري.
“وكيف…؟ كان الجو مشمسًا منذ قليل فقط.”
هل مرّ وقت أطول مما ظننت؟
أم أن هناك شيئًا آخر يتلاعب بالمكان…؟
رفعتُ نظري—
فرأيت رجلًا بشعرٍ أسود وعيونٍ بنية يحدّق بي بقلق واضح.
سيد نيكولاس.
“آنستي، انتظري لحظة… أنا قادم.”
توسعت عيناي فورًا.
“مهلًا! لا تفعل—!”
لكنه كان قد نزل بالفعل.
وما إن لامست قدماه الأرض بجانبي—
اختفت الفتحة فوقنا كما توقعت.
تجمد للحظة.
“…مستحيل.”
نظرتُ إليه ببرود رغم الفوضى داخلي.
“كان عليك أن تستمع لي.”
التفت إليّ.
هدوءه لم يهتز.
“اهدئي، آنستي.”
قبل أن أستوعب—
أمسك بخصري ليسندني بعيدًا عن الجدار.
تصلب جسدي.
“أنت—”
أخفض رأسه قليلًا.
“أعتذر عن وقاحتي… لكن عليك فقط أن تخفي رأسك وعينيك في صدري.”
“ماذا؟!”
“افعلي فقط.”
الوقت لم يسمح للنقاش.
ترددت نصف ثانية…
ثم فعلت.
أخفيت وجهي.
في اللحظة التالية—
ضرب السقف بقوة.
انهار التراب علينا.
شعرتُ به يتساقط فوق شعري وظهري.
لكنني لم أتأذَّ.
جيد…
أني اختبأت كما قال.
بعدها—
غرس سيفه في أحد الجدران الترابية بقوة.
ثبت قدمه عليه.
ثم دفع جسده للأعلى.
شعرت به يرفعني معه دون أن يفلتني.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم—
هواء بارد.
مطر.
وأرض صلبة تحت أقدامنا.
خرجنا.
أخيرًا.
“آنستي، هل أنتِ بخير؟”
ابتعدت عنه فورًا.
“أجل… شكرًا لك.”
ملابسي ابتلت بالكامل.
شعرت بالبرد يتسلل إلى عظامي.
دون كلمة أخرى—
خلع سترته ووضعها فوق كتفي.
“عليكِ العودة إلى القصر فورًا. سأذهب لأبلغ الدوق بأني وجدتك.”
نظرتُ إلى إيفي، التي كانت تفرك جسدها الصغير بي، وكأنها تتأكد أنني بخير.
قال نيكولاس بهدوء:
“آنستي… يبدو أنكِ يجب أن تحتفظي بهذه القطة دائمًا. هي من دلتني على مكانك. لولاها لما عرفت.”
نظرتُ إلى إيفي.
ربتُّ على رأسها.
“أجل…”
ثم استدرتُ.
لكن—
تجمدتُ في مكاني.
بعيدًا بين الأشجار…
شعلة برتقالية ضخمة ارتفعت في السماء.
نار.
ليست صغيرة.
ليست عادية.
بل كبيرة بما يكفي لتبتلع جزءًا من الغابة.
“ما هذا…؟”
قال نيكولاس بجدية:
“لا أعلم.”
لكن قلبي—
لم يكن مطمئنًا.
على الإطلاق.
ركضتُ دون تفكير نحو اللهب.
“آنستي! انتظري رجاءً!”
لم ألتفت.
صوت المطر.
صوت خطواتنا فوق الطين.
اللهب يزداد وضوحًا—
والحرارة بدأت تُشعر حتى من هذه المسافة.
ثم—
بدأت أسمع صراخًا.
أصوات رجال.
صليل سيوف يخترق ضجيج المطر.
توقفتُ خلف جذع شجرة ضخمة، ألهث، وقلبي يكاد يقفز من صدري.
ومن بين ألسنة اللهب—
رأيتهم.
كان والدي واقفًا بثبات رغم القلق الواضح على وجهه، وبجانبه ليونارد.
صوت والدي كان مشدودًا، خائفًا بطريقة لم أعتدها منه:
“إيثان… أرجوك اهدأ. ستؤذي نفسك… أرجوك.”
ليونارد كان يفرك شعره بعصبية، يمشي خطوة للأمام ثم يتراجع.
“سحقًا… أطفال هذه الأيام لا يهتمون بأنفسهم أصلًا.”
ثم صرخ محاولًا تخفيف التوتر بطريقته الغريبة:
“أيها الصغير! إذا هدأتَ الآن سأشتري لك سيفًا حقيقيًا هذه المرة!”
لكن—
لم يكن يسمعهم.
لم يكن يرى أحدًا.
كل تركيزي انصبّ على الشعلة البرتقالية الضخمة في المنتصف.
داخلها—
طفل صغير.
محاط بالنار، لكنها لا تحرقه.
عيناه مفتوحتان.
دموع تنهمر بصمت.
لكن وجهه…
خالي من أي تعبير.
فراغ مطلق.
همستُ دون وعي:
“إيثان…؟”
كان يردد كلمات داخل النار، بصوت مبحوح بالكاد يصلنا:
“أختي… أختي… أرجوك…”
لم يكن ينظر إلى أحد.
لم يكن يسمع توسلات والدي.
ولا صراخ ليونارد.
فقط يكرر—
“أرجوكِ لا تكرهيني أنتِ أيضًا…”
ارتجف صوتُه للحظة.
“فقط… على الأقل… عيشي.”
شعرتُ بشيء ينقبض بقوة داخل صدري.
الحرارة لم تكن من النار.
بل من كلماته.
كل تلك النيران—
ليست غضبًا.
ليست هجومًا.
إنها خوف.
خوف طفل يظن أنه فقد أخته.
خطوتُ خطوة للأمام دون أن أشعر.
“آنستي!” همس نيكولاس بحدة خلفي.
لكنني لم أتوقف.
النار اشتدت حين اقتربت.
كأنها تستجيب لمشاعره المضطربة.
صوت والدي ارتفع:
“أوريانا! ابتعدي!”
لكنني نظرتُ فقط إلى ذلك الطفل داخل الجحيم البرتقالي.
وهمستُ، هذه المرة بصوت واضح:
“إيثان.”
لكن لم يستمع
خطوتُ خطوة أخرى.
الحرارة لامست وجهي، لكنني لم أتراجع.
“أنا هنا.”
صمتٌ ثقيل سقط على المكان.
حتى المطر بدا أهدأ.
النار اهتزت.
ترددت.
كأنها لا تعرف هل تستمر… أم تنطفئ.
وكل الأنظار كانت علينا.
على اللحظة التي ستحدد—
هل ستحترق الغابة…
أم سينجو طفلٌ من نفسه.
التعليقات لهذا الفصل " 52"