نظرتُ إلى الرقم مجددًا.
“إذن… إذا كانت قوتي الحالية سبعة بالمئة… فـ؟”
لم أكمل الجملة.
لكنها فهمت.
ابتسمت مارسلين ابتسامة واسعة.
“أجل، سيدتي.”
وفجأة-
رفعت إصبعين في الهواء بثقة…
ولا أعلم من أين أخرجت نظارة شمسية سوداء ووضعتها فوق عينيها.
تجمّدت لحظة.
“…من أين أتت بهذه النظارة؟”
تجاهلت سؤالي تمامًا، وأشارت للأمام وكأنها تقف فوق منصة.
“سنذهب إلى جبال سيرون لإحضار تلك الزهرة.”
اسم المكان وحده كان كافيًا ليجعل الهواء أثقل قليلًا.
جبال سيرون.
المرتفعات التي لا يعود منها الجميع.
تنهدتُ ببطء.
“حسنًا… لكن لا يمكننا الذهاب الآن.”
أنزلت النظارة قليلًا، تنظر إليّ من فوقها.
“هاه؟ لماذا، سيدتي؟”
أغلقتُ الكتاب برفق.
“لو خرجتُ الآن دون سبب منطقي… واختفيت فجأة… ماذا تتوقعين أن يحدث؟”
سكتت.
أنزلت النظارة بالكامل.
تابعتُ بهدوء محسوب:
“قد يقول البعض إنني هربت.
وقد يظن آخرون أنني لن أعود.”
اقتربت من النافذة، أنظر إلى حدائق القصر الممتدة.
“وأخبريني… ماذا يحدث إذا اختفت نبيلة لفترة طويلة؟”
التفتُّ إليها.
“الدوق قد لا يسمح لي بدخول هذا المكان مجددًا.”
الاسم لم أذكره.
لكن ظله كان حاضرًا في الغرفة.
“وعلى ما يبدو… هذه الرحلة لن تستغرق يومًا أو يومين.”
نظرت مارسلين للأسفل قليلًا.
“أجل…”
صوتها فقد مرحَه للحظة.
استدرتُ عنها ببطء.
“لذا… سنذهب في نهاية هذا الشهر.”
رفعت حاجبيها.
“هناك مهرجان كبير سيُقام في المملكة.”
المدينة بأكملها ستنغمس في الأضواء.
في الضوضاء.
في الفوضى.
“سنخرج بحجة حضور المهرجان.”
سرت ببطء داخل الغرفة، أفكر بصوتٍ مسموع:
“وعندما نكون هناك… سأختفي.”
سكتُّ لحظة.
الفكرة لم تكن مريحة.
لكنها كانت منطقية.
“وعندما أعود… سأقول إنني خُطفت.
أو ضللت الطريق.
وعملت كخادمة في إحدى المناطق النائية… ثم هربت وعدت.”
كان السيناريو بسيطًا.
مُذلًا قليلًا.
لكنه آمن.
نظرت إليّ مارسلين بإعجاب صريح.
“أنتِ حقًا جيدة، يا سيدتي.”
لم أبتسم.
لم أحتج لذلك.
اقتربت من المكتب، ووضعت يدي فوق الكتاب البنفسجي.
“الجيد… هو أن نعود أحياء.”
البلورة أطلقت وميضًا خافتًا.
كأنها توافق.
أو…
كأنها تحذّر.
وفي مكانٍ بعيد…
بين قمم جبال سيرون-
كانت زهرة تنتظر.
زهرة لا تنمو إلا حيث تموت أشياء أخرى.
وأنا…
كنتُ على وشك الذهاب إليها.
في الأيام القليلة التي تلت ذلك…
لم يتغير روتيني كثيرًا.
كنت أذهب مع أليسا وليونارد إلى الأكاديمية.
نجلس في مقاعدنا المعتادة.
نستمع.
نعود.
لا شيء يُذكر.
لا شيء يستحق أن يُروى.
الاختلاف الوحيد…
كان أنني، في كل مرة أعود فيها إلى القصر-
أجده.
إيثان.
جالسًا في الحديقة.
وإيفي معه.
لم أكن أتعامل معه بشكل خاص.
لم أقترب.
لم أتدخل.
أقنعت نفسي أن ذلك ليس من شأني.
لكن…
اليوم كان مختلفًا قليلًا.
في طريق عودتي، توقفت دون تخطيط أمام محل حلويات صغير.
لا أعلم لماذا.
تأملت الواجهة الزجاجية لبضع ثوانٍ…
ثم دخلت.
اشتريت بعض الحلوى.
ليست لي.
له.
لم يكن هناك سبب واضح.
فقط… شعور مبهم.
شيء غير مفسَّر يتحرك بهدوء في صدري.
قلت لنفسي:
سأعطيها له… وأعود مباشرة إلى غرفتي.
هذا كل شيء.
مررت بالحديقة.
وكنت على وشك أن أناديه-
لكن صوته وصلني أولًا.
كان يجلس على المقعد الحجري.
وإيفي في حضنه.
“أنا أشكركِ حقًا…”
صوته كان أخفض مما اعتدت سماعه.
“أنتِ الوحيدة التي تهتم بي هنا في هذا المكان.”
توقفت قدماي.
لم أصدر صوتًا.
“أنا ممتن لوالدي لأنه أخرجني من الأكاديمية…”
ضحك ضحكة خفيفة، بلا مرح.
“كانت كالسجن بالنسبة لي.”
توقّف لحظة.
ثم أضاف بصوت أهدأ:
“لكن… أبي لا يهتم لأمري كثيرًا.”
انخفض صوته أكثر.
“لم يزرني كثيرًا منذ ذلك الوقت. وحتى إخوتي… لم يتحدث معي أحد منهم.”
إيفي بدأت تحك رأسها بملابسه.
ببطء.
كما لو أنها تفهم.
ابتسم بخفة.
“أجل… أتفهم الأمر.”
نظر إلى السماء.
“ربما يفعلون ذلك حتى لا أفقد السيطرة على قوتي.”
أصابعه شدّت قليلًا على فرو إيفي.
“لأنني إن فقدت السيطرة على مشاعري… سأفقد السيطرة على قوتي.”
ساد صمت قصير.
“ليس الأمر وكأن عائلتي تكرهني… أليس كذلك؟”
ضحك ضحكة خافتة.
لكنها لم تكن واثقة.
“أنا لم أفكر أبدًا أن عائلتي تكرهني بسبب قوتي.”
رفع نظره قليلًا، كأنه يتذكر شيئًا بعيدًا.
“أنا متأكد… أمي قالت إنها تحبني.”
صوته أصبح أهدأ.
“وجميع عائلتي…”
توقّف.
ثم همس:
“بالتأكيد… أمي لم تكذب. صحيح؟”
شعرتُ بشيء يضغط على صدري.
لم أكن أعرف إن كان ذلك غضبًا.
أم شفقة.
أم شيئًا آخر لا أريد تسميته.
نظرتُ إلى الحلوى في يدي.
كانت لا تزال دافئة قليلًا.
شيء بسيط.
شيء تافه.
ومع ذلك…
لم أستطع التقدم خطوة واحدة.
بقيت واقفة خلف الأشجار.
أستمع.
وللمرة الأولى…
لم أشعر أنني أراقبه.
بل شعرتُ أنني أرى طفلًا…
يحاول إقناع نفسه أن الحب لم يختفِ.
وأن الغياب…
لا يعني النسيان.
وأنا-
لم أعرف لماذا…
لكنني لم أعد قادرة على العودة إلى غرفتي بهذه البساطة.
“إيثان.”
ناديتُه أخيرًا.
رفع رأسه نحوي.
عيناه…
كانتا لامعتين أكثر مما ينبغي.
كأن الدموع كانت على وشك السقوط-
لكنه مسحها بسرعة قبل أن تسمح لنفسها بالظهور.
تظاهرتُ أنني لم أرَ شيئًا.
اقتربت خطوة.
“كان لدي طلب منك، إيثان.”
نظر إليّ بارتباك خفيف.
“هل يمكنك أن تأتي لتناول هذه الحلوى معي في غرفتي؟”
“ماذا؟”
ترددتُ لحظة.
“أعني… اشتريت كمية كبيرة. ولن أستطيع أكلها وحدي.”
رفعت الكيس قليلًا أمامه.
“وإذا جئت ومنعتَها من إفساد معدتي… سأكون مدينة لك بمعروف.”
حاولت أن أجعل نبرتي عادية.
بسيطة.
كأن الأمر لا يعني شيئًا.
“ما رأيك؟”
ظل ينظر إليّ لحظة.
كأنه يتأكد أنني لا أمزح.
“حسنًا… أشكركِ حقًا على ذلك.”
توقف.
ثم بصوت أخفض:
“هل… يمكنني أن آتي حقًا؟”
“أجل.”
لم أزد كلمة أخرى.
سرنا معًا نحو غرفتي.
كان يمشي بجانبي بهدوء غير معتاد لطفل في الثانية عشرة.
طفل يرى الحلوى في يدي…
ويفترض أن تلمع عيناه حماسًا.
لكن إيثان-
كان هادئًا أكثر مما ينبغي.
جلسنا.
بدأنا بتناول الحلوى.
كان ينظر إليها للحظة قبل أن يأخذ قطعة صغيرة.
يتذوقها ببطء.
كأنها شيء نادر.
أي طفل سيرى هذا القدر من الحلوى سيفرح.
سيضحك.
سيتحمس.
حسنًا… إيثان ليس طفلًا صغيرًا جدًا.
هو في الثانية عشرة.
لكن…
طفل قضى وقته في الأكاديمية وحده.
طفل لم يره أحد.
طفل كان يفترض أن يتوق للحنان-
وهذا ما حدث.
لكن هدوءه…
كان زائدًا عن الحد.
سحقًا.
أنا لم أتعامل مع طفل من قبل.
كنتُ أنا الصغرى دائمًا.
لا أعرف ماذا يُقال في مثل هذه اللحظات.
حتى عندما تذكرت ما كان يفعله إخوتي معي في حياتي السابقة…
لا أظن أن عليّ تعلم أي شيء مما قالوه.
تنهدت داخليًا.
هل عليّ فقط أن أبتسم؟
المشكلة…
أنني لم أبتسم منذ وقت طويل.
ابتساماتي كلها أصبحت ساخرة.
باردة.
فارغة.
نظرتُ إليه.
كان يمسك قطعة حلوى صغيرة بيديه الاثنتين.
بتركيز مبالغ فيه.
كأنها مهمة جادة.
“إيثان.”
رفع رأسه فورًا.
“ألم يأتِ والدك لزيارتك أنت أو ليونارد؟”
تصلّب قليلًا.
لكنه أجاب بهدوء:
“لا.”
أخذ نفسًا خفيفًا.
“أبي فقط كان يقول: هل أكلت جيدًا؟ هل نمت جيدًا؟”
توقّف.
“كل يوم.”
خفض عينيه نحو الطبق.
“وإخوتي لم يأتوا لزيارتي.”
صمت لحظة.
“لا ليونارد… ولا أوسكار.”
الاسم الأخير خرج أهدأ.
كأنه لا يريد أن يبدو متأثرًا.
لكنه كان كذلك.
لم أعرف ماذا أقول.
الصمت بيننا لم يكن مريحًا.
ولم أكن أهتم إن أتى أوسكار أم لا.
ذلك لا يعنيني.
أكرهه.
ولن أتظاهر بغير ذلك.
لكن-
ليونارد.
ذلك اللعين.
كيف له ألا يهتم بأخيه الصغير؟
على الأقل هذا أخوه من لحمه ودمه.
أغمضتُ عيني للحظة.
صورة ليونارد وهو ينزف بين يديّ مرت في ذهني.
أنا أنقذته.
أنا من وقفت هناك.
وأقسمت في سري-
سأجعله يدفع الثمن.
ثمن إهماله.
ثمن ذلك الصمت.
ثمن كونه الأخ الأكبر… دون أن يتصرف كواحد.
نظرتُ إلى إيثان.
كان ما يزال يجلس بهدوء، كأنه يخشى أن يشغل مساحة أكبر من اللازم.
“إيثان.”
رفع رأسه فورًا.
“ما رأيك… أن تأتي كل يوم؟”
رمش ببطء.
“نقضي الوقت معًا. نقرأ الكتب. نأكل الحلوى. وأشياء أخرى.”
“لكن… لماذا؟”
السؤال خرج صادقًا.
بلا شك.
تنفستُ ببطء.
“فقط… لأنني أشعر بالملل.”
كذبة صغيرة.
“فما رأيك أن تأتي كل يوم إليّ؟”
نظر إليّ وكأنه يحاول فهم ما وراء الكلمات.
“حقًا؟ ألن يكون هذا مزعجًا لكِ؟”
“لا.”
نظرتُ إليه بثبات.
“فقط تعال. ولا تكترث لهذا.”
تردد قليلًا.
ثم-
خرجت الكلمات قبل أن أفكر كثيرًا:
“وما رأيك… أن تنام معي اليوم أيضًا؟”
سكتُّ لحظة.
“أعني… أشعر… حسنًا، فقط. ما رأيك؟”
اتسعت عيناه فجأة.
“حقًا؟ هل يمكنني النوم هنا؟”
“أجل.”
هذه المرة لم أتراجع.
تحمس قليلًا.
ذلك الهدوء الثقيل انكسر أخيرًا.
“شكرًا لكِ!”
وفجأة-
احتضنني بقوة.
تجمدت للحظة.
ذراعاه كانتا صغيرتين…
لكن العناق كان صادقًا أكثر مما توقعت.
ثم ابتعد فجأة.
“أوه- أنا آسف! لم أقصد-“
مددت يدي وربتُّ على رأسه.
“لا بأس، إيثان.”
كانت المرة الأولى التي ألمس فيها شعره بهذه الطريقة.
لين.
دافئ.
وفي تلك الليلة-
نمنا بجوار بعضنا بهدوء.
أنفاسه كانت منتظمة.
هادئة.
كأنه أخيرًا… لم يكن وحيدًا.
ظللتُ مستيقظة قليلًا.
أحدق في السقف.
أتساءل متى أصبحتُ أنا… من يعرض النوم بجواره.
ومتى قررتُ أن أتدخل.
ثم-
انفتح الباب بهدوء.
صوت خافت.
لم أتحرك.
لكنني كنت مستيقظة.
دخل الدوق.
خطواته كانت موزونة… ثقيلة.
وقفتُ.
تحركت بهدوء حتى أصبحتُ قرب الحائط، خلف الباب قليلًا.
“مرحبًا، أبي.”
صوتي كان منخفضًا… لكنه واضح.
توقف.
نظر نحوي.
“أوريانا؟ ألا تزالين مستيقظة؟”
“لا يهم هذا الآن.”
نظرتُ إليه مباشرة.
لم يكن هناك تردد في عيني.
“لدي ما أود الحديث عنه.”
“أبي…”
توقفت لحظة.
كان واقفًا عند طرف الغرفة، نظره يتجه نحو السرير حيث ينام إيثان.
“أنت أتيت للاطمئنان عليه، أليس كذلك؟”
لم يجب فورًا.
لكن صمته كان إجابة كافية.
تنفست ببطء.
“أتفهم أن لديك بعض الصعوبة في التعبير عن مشاعرك علنًا… منذ أن سقطت أمي في الغيبوبة.”
ارتعشت عينه للحظة خفيفة.
تابعتُ قبل أن يتكلم:
“لكن إن ظللت متحفظًا هكذا… سيحدث سوء فهم آخر.”
اقتربت خطوة.
خفضت صوتي، حتى لا أوقظ إيثان.
“لا تنسَ… قبل أن تخبرني بالحقيقة، كنتُ أسيء الفهم.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة، باهتة.
“وظننتُ أنني مكروهة.”
لم أظن ذلك حقًا.
أنا أعرف طبعه.
لكن الليلة… جمّلت بعض الأكاذيب.
واحدة إضافية لن تغيّر الكثير.
“عندما أخبرتني بكل شيء… فهمت.”
نظرت إليه بثبات.
“ربما لأنني أكبر.”
ثم أشرت بعيني نحو السرير.
“لكن إيثان… طفل.”
صمت قصير.
“إذا ظللت تهتم به من وراء الكواليس… دون أن تُظهر له ذلك… سيسوء الوضع أكثر.”
كلماتي لم تكن حادة.
لكنها كانت واضحة.
نظرت إليه للمرة الأخيرة.
“الآن… اعذرني. سأخلد للنوم.”
عدت إلى السرير.
تمدّدت بجوار إيثان.
أغمضت عيني.
لكنني شعرت بنظرة أبي تبقى علينا لثوانٍ طويلة…
قبل أن يغادر بهدوء.
استيقظتُ في اليوم التالي.
شعرت بثقلٍ خفيف على صدري.
نظرتُ للأسفل.
كان إيثان يحتضنني بشدة، ذراعه ملتفة حولي كما لو أنه يخشى أن أختفي.
وجهه وهو نائم…
بدا مختلفًا.
أهدأ.
أصغر.
طفل عادي.
ليس وريث قوة خطيرة.
ليس ابن دوق.
فقط… طفل.
حدقت فيه قليلًا.
ثم أبعدت خصلة شعر سقطت على جبينه.
“…يبدو كطفل طبيعي هكذا.”
همست بها لنفسي.
استيقظ بعدها بدقائق، مرتبكًا قليلًا حين أدرك وضعه.
لكنني لم أعلق.
توجهنا معًا لتناول الإفطار.
جلسنا جنبًا إلى جنب.
لم يتحدث كثيرًا… لكنه لم يكن صامتًا كما كان في السابق.
وذلك كان كافيًا.
بعد الإفطار، نظرتُ إليه.
“إيثان، ما رأيك أن نقرأ بعض الكتب؟”
رفع رأسه فورًا.
“أبي صنع لي مكتبة صغيرة في غرفتي.”
لم أقل أكثر من ذلك.
لكن الفكرة وحدها كانت دعوة.
وقفنا أمام المكتبة.
رفوف مرتبة بعناية.
كتب بأحجام وألوان مختلفة.
“فلنرَ… ماذا تريد.”
مدّ يده بسرعة نسبيًا.
سحب كتابًا.
“أريد هذا!”
نظرت إلى الغلاف.
كتاب عن الصيغ السحرية.
رفعت حاجبي قليلًا.
هل هذا مناسب لطفل في الثانية عشرة؟
نظرت إليه.
كان يمسكه بثقة، وكأنه اختار كنزًا.
“إيثان… أظن أن هذا قد لا يناسبك الآن.”
لم أرد أن أبدو متعالية.
فقط… واقعية.
“لنجرب شيئًا آخر.”
ترددتُ لحظة.
ثم مددت يدي نحو رف آخر.
سحبت كتابًا مختلفًا.
“ما رأيك بهذا؟”
كنت لا أزال أتعلم…
كيف أتعامل مع طفل.
أحضرتُ كتابًا عن قصص ما قبل النوم.
لا أعرف كيف وُجد في مكتبتي أصلًا.
ربما وضعه أبي.
ربما اختار شيئًا “مناسبًا”.
لا يهم.
جلسنا جنبًا إلى جنب.
فتحت الصفحة الأولى.
وبدأت أقرأ.
صوتي كان ثابتًا… هادئًا.
لكن بعد بضع دقائق-
لمحتُ شيئًا في وجهه.
ضجر.
حاجباه تقاربا قليلًا.
نظره أصبح شاردًا.
أغلقت الكتاب نصف إغلاق.
“إيثان… هل أنت بخير؟”
نظر إليّ بجدية غير متوقعة.
“ليس فعليًا.”
أملت رأسي قليلًا.
“الكتاب ليس منطقيًا البتة.”
رمشتُ.
“كيف تكون الأميرة في خطر… فيظهر الأمير لإنقاذها من العدم؟”
عقد حاجبيه أكثر.
“هل هو شبح؟ حتى الأشباح لن تكون قادرة على فعل ذلك.”
توقفتُ لحظة.
ثم-
ضحكت.
ضحكة حقيقية.
خفيفة.
قصيرة.
ونسيتُ لثانية…
أنني لا أتعامل مع طفل عادي.
أغلقتُ الكتاب تمامًا.
“حسنًا يا ناقد القصص العظيم.”
نظرتُ إليه مباشرة.
“أخبرني عن تفضيلاتك.”
سكت لحظة.
ثم قال بصدق:
“أحب السيف.”
توقف.
“رغم أنني لم أتعلمه.”
خفض نظره قليلًا.
“وأحب التنزه في الحديقة. أمي كانت تخبرني أنها تتنزه معك دائمًا.”
شعرت بشيء يتحرك في صدري.
تابع بسرعة، وكأنه لا يريد أن يثقل الجو:
“وأحب الحلوى التي أحضرتِها أمس.”
رفعت حاجبي بخفة.
السيف إذًا.
حسنًا.
إذا كان يريد تعلم السيف…
فالحل واضح.
أغلقت الكتاب، ووقفت.
“تعال معي.”
نظر إليّ باستغراب، لكنه لم يسأل.
نزلنا إلى الساحة.
كانت أصوات الاحتكاك المعدني تملأ المكان.
صليل سيوف.
خطوات.
أوامر.
كان الجميع يتدرب.
عيناي بحثتا سريعًا-
حتى وجدته.
ليونارد.
يتحرك بثبات.
سيفه يقطع الهواء بثقة مألوفة.
توقفتُ.
التفتُّ إلى إيثان.
“هل يمكنك الوقوف هنا لحظة؟”
أشرت إلى جانب الساحة.
“لدي ما أتحدث فيه مع هذا الرجل الذي أمامي.”
نظر إلى ليونارد.
ثم إليّ.
“حسنًا.”
بقي واقفًا مكانه.
ظهره مستقيم…
لكن توتره واضح.
تقدمتُ نحو ليونارد.
لم أنتظر حتى ينهي حركته التالية.
أمسكتُ بياقته بقوة.
شدَدتُه نحوي.
توقف التدريب من حولنا للحظة.
مشيتُ به عدة خطوات بعيدًا.
نظر إليّ إيثان من مكانه.
متوترًا.
مراقبًا.
ليونارد نظر إليّ بدهشة-
نظر ايثان الينا وضحك بخفه .
“هاه.”
أدار عينيه نحو ليونارد.
ثم عاد ينظر إليّ.
“سأضع في حسباني… ألا أغضب أختي أبدا.”
وقفنا بعيدًا عن الساحة.
الصليل المعدني ما زال يُسمع من الخلف…
لكن المسافة بيننا كانت أثقل من أي صوت.
أزاح يدي عن ياقته بعنف خفيف.
“هل تمزحين معي؟ ماذا تفعلين الآن؟”
نظر حوله سريعًا.
“فقدتِ عقلكِ بالتأكيد. كيف تشدّينني هكذا أمام الجميع؟”
نظرتُ إليه.
ببرود تام.
“أخبرني أنت.”
صوتي منخفض… لكنه قاطع.
“ما الذي تعنيه بعدم كلامك مع إيثان طوال مدة وجوده هنا؟”
تجمّد قليلًا.
ثم زفر بضيق.
“ماذا؟ أبي هو من منعني من ذلك.”
أشار بيده بإحباط.
“الغريب هو اقترابكِ أنتِ منه.”
رفعت حاجبي.
“وما مشكلة اقترابي منه؟”
اقترب خطوة.
خفض صوته.
“ألا تفهمين؟ إيثان تحت المراقبة.”
كلماته خرجت مشدودة.
“لو فقد السيطرة على قوته… ولو بنسبة بسيطة… سيُعاد إلى الأكاديمية إجبارًا.”
شدّ على أسنانه.
“هذا من قوانين الإمبراطورية. حتى لا يشكل خطرًا.”
لم أُبدِ رد فعل.
فقط سألته:
“وهل اقترابي منه سيزيد قوته؟”
نظر إليّ وكأنه يحاول أن يجعلني أستوعب.
“أنتِ لا تدركين المشكلة.”
اقترب أكثر.
“مشكلة إيثان ليست فقط قوته الكبيرة.”
صوته انخفض.
“مشكلته الأكبر… أنه لا يتحكم في مشاعره.”
سكت لحظة.
“وهذا ما يجعله خطرًا.”
حدقتُ فيه طويلًا.
ثم قلت بهدوء قاتل:
“حتى لو كان الأمر كذلك… أنتم الآن تؤذونه نفسيًا.”
لمعت عيناه.
تابعتُ دون تردد:
“تجاهلكم له. صمتكم. مراقبتكم من بعيد.”
أشرت بيدي نحو الساحة حيث يقف إيثان.
“هو هادئ.”
قلتُها بثقة.
“لن يحدث شيء.”
ثم أضفت:
“هو يريد تعلم السيف.”
توقفت لحظة قصيرة.
“وعليك أن تتكلم معه. أن تعلمه.”
ارتبك.
“لكن والدي قال-“
لم أتركه يكمل.
شددت قبضتي على قميصه مجددًا.
ليس بقوة كالسابق.
لكن بما يكفي ليصمت.
“لا يهم.”
نظرت في عينيه مباشرة.
“فقط اقترب منه.”
خفضت صوتي أكثر.
“صدقني… لن يحدث شيء.”
توقفت.
ثم قلت ببطء:
“هو يُبقي نفسه هادئًا… طوال الوقت.”
كأنني أعترف بسر.
“لن يحدث له شئ”
لم يجب.
لم يكن لديه جواب.
أفلتُّ قميصه أخيرًا.
عدّلت ملابسه ببرود.
“فقط… تكلم معه بهدوء.”
استدرتُ.
لكن قبل أن أبتعد تمامًا-
قلت دون أن أنظر إليه:
“وإن حدث شيء…”
توقفت.
“سأتحمل أنا المسؤولية.”
ثم عدتُ نحو إيثان.
اقترب ليونارد من إيثان.
كان يبتسم.
بلطفٍ واضح.
ذلك اللطف…
ذكرني به قبل حادثة الوحش.
قبل أن يصبح صوته دائمًا مشدودًا.
قبل أن تصبح ابتسامته نادرة.
شعرتُ بغربة خفيفة.
أحيانًا يكون هادئًا… لطيفًا…
رغم أن هذه ليست طبيعته الصلبة المعتادة.
لكن من الجيد أنه يجيد التمثيل.
لأنه الآن-
يحتاج أن يتعامل مع إيثان بهدوء.
توقف أمامه.
“سمعتُ من أوريانا أنك تريد تعلم السيف. أليس كذلك؟”
أومأ إيثان بسرعة.
“أجل… لكن لم أقصد أن أجعلك تعلمني. لا أريد طالما أنك مشغول.”
ابتسم ليونارد بخفة.
“لا، ليس كذلك. سأعلمك.”
تراجعتُ وجلستُ على المدرجات الحجرية.
أراقبهما.
“أمسك.”
مدّ ليونارد سيفًا خشبيًا.
“خذ هذا. سيكون مناسبًا لمرحلتك.”
أخذه إيثان بكلتا يديه.
“شكرًا… أخي.”
توقفتُ عند الكلمة.
“أخي.”
بدأ التدريب.
ليونارد يشرح.
يصحح وضع القدم.
زاوية المعصم.
اتجاه الضربة.
وإيثان يحاول.
بتركيز شديد.
بعد دقائق-
أمسك إيثان السيف الخشبي وضرب عمود التدريب.
مرة.
مرتين.
ثم-
انزلقت يده قليلًا.
اندفع السيف بعيدًا عن مساره.
واتجه جانبًا-
نحو متدرب يقف بالقرب.
ابتعد المتدرب بسرعة.
“يا أمي!”
لكن المشكلة…
لم تكن في المتدرب.
بل في الجدار خلفه.
السيف الخشبي-
أحدث ثقبًا واضحًا في الحجر.
ساد صمت ثقيل.
تجمّد الجميع.
نظر ليونارد إلى الثقب.
ثم إلى إيثان.
وجهه تغيّر فورًا.
“أنت-“
قالها بحدة.
تقدم نحوه بسرعة.
أمسكه من عنقه.
ورفعه عن الأرض.
“أحاول الحفاظ على هدوئي. أحاول أن أكون لطيفًا.”
صوته لم يعد هادئًا.
كان مشدودًا.
حادًا.
“لكن هذا لن ينفع معك!”
هزّه في الهواء.
“هذه سادس مرة تفعلها!”
صوت احتكاك أسنان.
“ألا تفهم أن عليك ضرب العمود فقط؟!”
شد قبضته أكثر.
“ما مشكلتك؟ هل أنت غبي أم ماذا؟!”
إيثان لم يدافع.
لم يصرخ.
فقط-
عيناه اتسعتا.
وذراعاه متدليتان.
جسده الصغير بدا أضعف بين يدي أخيه.
لم أفكر.
نزلتُ من المدرجات بسرعة.
اتجهت نحوهما.
ودستُ على قدم ليونارد بقوة.
ابتسمتُ له بهدوء.
“يبدو أن أخي ليونارد يجد صعوبة في التعبير عن مشاعره أمام إيثان… أنت متوتر أمامه فقط، أليس كذلك؟ لذلك تقول كلامًا ليس في قلبك.”
لم يجب.
أنزل إيثان ببطء.
نظرتُ إلى الصغير.
كان ينظر إلى الأرض.
كتفاه منخفضتان.
أصابعه تعبث بطرف قميصه.
وفجأة ضربني التفكير كصفعة-
ماذا لو حزن فعلًا؟
سحقًا… لم يكن يجب أن أجعل ليونارد هو من يدربه.
لكن قبل أن أغرق أكثر في تأنيب نفسي-
رفع إيثان رأسه.
وعيناه… تلمعان.
“مرة أخرى! مرة أخرى أرجوك!”
تجمدتُ أنا وليونارد في مكاننا.
“ماذا؟”
اقترب خطوة.
“أرجوك يا أخي… مرة أخرى. كان ممتعًا!”
تبادلنا النظرات.
دهشة.
حيرة.
هل… كان يستمتع؟
“حافظ على حماسك قليلًا…” تمتم بخجل،
“أقصد… إذا كان هذا ممكنًا.”
زفر ليونارد ببطء.
ثم… ابتسم.
ابتسامة حقيقية هذه المرة.
“بالطبع. إذا أردت.”
اقترب منه فجأة وحمله على كتفه.
صرخة صغيرة خرجت من إيثان، لكنها كانت ضاحكة.
وبدأ يمشي به في الساحة.
ضحكتهما امتزجت.
صافية.
خفيفة.
كأن شيئًا لم يحدث قبل دقائق.
وقفتُ أراقبهما.
وقلبي-
يهدأ أخيرًا.
كان الأمر… جميلًا.
ببساطة.
جميل.
عندما انتهينا، خرجنا إلى الحديقة.
الهواء كان أبرد قليلًا.
الأشجار ساكنة.
والسماء تميل إلى لون الغروب.
سألته :
“هل استمتعت؟”
أومأ إيثان بحماس.
“بالطبع! لم يكن هناك شيء ممتع مثل هذا من قبل!”
ربتُّ على رأسه بخفة.
شعره كان دافئًا تحت كفي.
“اسمع… هناك حلويات في غرفتي. سأذهب لأحضرها. ابقَ هنا، حسنًا؟”
أومأ مطيعًا.
التفتُّ وعدتُ إلى القصر.
خطواتي سريعة.
شيء في داخلي كان خفيفًا.
ربما…
ربما الأمور تتحسن فعلًا.
أخذتُ العلبة وعدتُ.
لكن-
قبل أن أصل إليهما…
رأيتُ شعرًا أحمر يقف أمام إيثان.
توقفتُ.
قلبي هبط فجأة.
هذه-
اندفعتُ دون تفكير.
دفعتها بعيدًا بقوة.
“ماذا تفعلين؟! أنتِ-“
وقفتُ أمام إيثان كحاجز.
أنفاسي متسارعة.
عيني ثابتة عليها.
الشعر الأحمر يتمايل حول وجهها.
ونظرتها-
لم تكن بريئة.
فيكتوريا ماذا تريدين
نظرتُ إلى عينيها الخضراوين.
لا أعرف ما الذي كان فيهما تحديدًا…
لكن شيئًا داخلي انقبض.
شعور بارد.
تحذير صامت.
لم أشعر بشيءٍ جيد. أبدًا.
ابتسمت.
تلك الابتسامة الهادئة ذات العينين نصف المغمضتين، كأنها تعرف شيئًا لا أعرفه.
“ماذا يا أختي؟ لماذا تبعدين إيثان عني؟ أنا أخته أيضًا. وأردت فقط التحدث معه.”
أختي.
الكلمة خرجت منها خفيفة… لكن وقعها لم يكن كذلك.
“لماذا أنتِ شديدة الحساسية هكذا؟”
قبل أن أجيب-
لوّحت بيدها بلا مبالاة.
“حسنًا، هذا لا يهم. لقد تحدثتُ معه وانتهى الأمر. إلى اللقاء يا إيثان.”
ومشت.
بهدوءٍ مزعج.
التفتُّ فورًا إلى إيثان.
كان واقفًا في مكانه.
شاحبًا.
عيناه متسعتان قليلًا… وكأنه خرج لتوه من حلمٍ سيئ.
“إيثان.”
لم يجب.
اقتربتُ.
“إيثان.”
انتفض بخفة.
“هاه؟ ماذا؟”
“ناديتُ عليك مرتين. ماذا حدث؟ هل فعلت تلك الفتاة شيئًا؟”
تردد.
ثانية.
ثانيتين.
ثم ابتسم.
ابتسامة صغيرة… مصطنعة أكثر مما يجب.
“لا. أنا بخير.”
حدّقتُ فيه.
“إيثان.”
خفض نظره قليلًا.
“لا تقلقي، صدقيني. لم يحدث شيء. هي… أختي أيضًا.”
شيء في طريقة قوله للكلمة…
لم يكن طبيعيًا.
لكني لم أضغط عليه.
مددتُ يدي.
“هيا بنا. لنعد.”
أمسك يدي هذه المرة دون تردد.
نمنا معًا تلك الليلة.
كعادتنا مؤخرًا.
قريبين بما يكفي لأشعر بأنفاسه المنتظمة.
لكنني لاحظت…
أنه تقلب أكثر من المعتاد.
في الصباح كان عليّ العودة إلى الأكاديمية.
استيقظتُ باكرًا.
وإيثان استيقظ معي.
جلس على السرير يفرك عينيه.
كأنه لا يريد أن أرحل.
ابتسمتُ له وربتُّ على شعره.
“سأعود سريعًا.”
أومأ.
لكن يده بقيت ممسكة بطرف ردائي لثوانٍ أطول من اللازم.
في الأكاديمية-
لم يحدث شيء خارج المعتاد.
محاضرات.
تدريب.
همسات الطلبة.
لكن عقلي…
لم يكن هناك.
كان يعود لتلك النظرة.
العينين الخضراوين.
والرعب في وجه إيثان.
عند العودة، كنتُ مع إليسا في العربة.
قالت فجأة:
“يبدو أنكِ مشغولة هذه الأيام.”
نظرتُ إليها.
“ماذا؟”
ابتسمت ابتسامة جانبية.
“أشعر حقًا بالغيرة. إيثان يأخذكِ مني. لم تعودي حتى تقبلين أن تقابليني أو تتحدثي معي.”
نظرتُ إليها ببرود.
وقلتُ بصراحة تامة:
“الأمر فقط أنني لا أريد رؤيتكِ هذه الأيام.”
ساد صمت.
ثم ضحكت بخفة.
“أنتِ حقًا قاسية.”
لم أهتم.
التفتُّ نحو نافذة العربة.
كانت هناك غابة ممتدة بجانب الطريق.
أشجار طويلة.
أوراقها تتلألأ تحت ضوء الغروب.
وأزهار برية منتشرة كأنها بقع لون على لوحة خضراء.
غريبة…
لم ألحظها من قبل.
“ما هذه؟”
سألت دون أن ألتفت.
قالت إليسا باستغراب:
“تقصدين هذه؟ إنها غابة.”
نظرتُ إليها ببطء.
“حقًا؟ أتعرفين لم أكن أعرف؟”
ابتسمتُ بسخرية.
“معلومة جديدة. شكرًا لكِ.”
قطبت حاجبيها سريعًا.
“لحظة، لا… أنا أقصد أنها غابة مِلك لعمي.”
توقفتُ.
“تقصدين… أبي؟”
“أجل.”
أعدتُ النظر إلى الأشجار.
إذًا هي ضمن أراضينا.
ضمن حدودنا.
تذكرتُ فجأة ما قاله إيثان منذ أيام-
أنه يريد التنزه خارج الحديقة.
وكانت الغابة جميلة فعلًا.
هادئة.
مغرية.
بدت… مكانًا جيدًا.
لكن-
ذلك الشعور عاد.
وخزة خفيفة في صدري.
كأن الغابة ليست مجرد أشجار.
كأنها تخفي أنفاسًا بين جذوعها.
كأن هناك عينًا-
تتابع العربة وهي تمر.
اقتربتُ قليلًا من النافذة.
حدقتُ بين الأغصان.
هل أنا أتوهّم؟
أم أن الظلال تتحرك فعلًا؟
طرف إصبعي انقبض دون وعي.
عندما عدتُ إلى القصر-
طلبتُ من أبي أن أذهب أنا وإيثان إلى الغابة.
وافق.
لكن بشرط واضح:
أن نأخذ عددًا من الحراس معنا.
لم أجادل.
بل شعرتُ بالارتياح.
لو كان هناك خطر-
فلن يكون حقيقيًا بوجودهم.
أخبرتُ إيثان.
عيناه أشرقتا فورًا.
تلك اللمعة الطفولية التي تظهر نادرًا.
قضيتُ وقتًا أطول مما يجب أختار له ملابسه.
رداءً خفيفًا.
حذاءً مريحًا.
كان الأمر بسيطًا…
دافئًا.
كأنه يوم عادي.
كأنه ذكرى جميلة تُصنع بهدوء.
وانطلقنا.
الطريق إلى الغابة كان قصيرًا.
والحراس خلفنا.
إيثان يمشي بجانبي.
ينظر إلى كل شيء بدهشة صادقة.
يلمس الأوراق.
يبتسم.
يسألني عن أسماء الأشجار.
ضحكته امتزجت بصوت الريح.
للحظة-
نسيتُ كل شيء.
العينين الخضراوين.
النظرة بين الأشجار.
الانقباض في صدري.
توقفتُ دون سبب واضح.
إيثان التفت إليّ.
“ما الأمر؟”
لا شيء.
في تلك اللحظة لو كنت أعرف ما سيحدث
لتمنيت لو عاد بي الزمن-
لو أنني استمعت لذلك الصوت الخافت داخلي-
لو أنني أمسكتُ بيد إيثان وعدتُ فورًا-
ربما…
ربما لما قضيتُ بقية حياتي أندم على هذه الخطوة.
لكنني لم أفعل.
وتقدمتُ للأمام.
التعليقات لهذا الفصل " 51"