كانت نظرته هادئة… هدوء يسبق شيئًا لا أعرفه. ثم ابتسم بلطف. ابتسامة صغيرة بالكاد حرّكت زاوية فمه.
“الأكاديمية قالت إنني أستطيع الخروج الآن.” “لكنني سأكون تحت المراقبة.” توقف لحظة قصيرة. “ليتأكدوا أنني لن أفقد السيطرة.”
أصابع يده تحركت قليلًا خلف ظهره. قبضها… ثم فكّها.
“وإذا فقدتها…” أكمل بنبرة لم ترتجف، “سأعود مجددًا.”
سكتُّ.
هذا غريب.
إيثان… في الرواية لم يظهر أبدًا قبل موت الدوقة.
ظهر بعد موتها. عندما أصرّ الدوق أن يراه قبل دفنها. عندما وقف بجانب الجثمان… صامتًا.
ثم بدأ كل شيء.
الناس قالوا إن السبب أنا. إنني نذير شؤم.
قالوا إن وجودي جلب الموت.
هو صدّقهم.
كرهني.
غادر.
عاد إلى الأكاديمية.
كبر.
وفي التعليقات… كانوا يصفونه بالوحش.
بطل حرب. أخطر شخص في الرواية.
يقتل بلا رحمة. بدم بارد.
مرة… أباد قبيلة كاملة فقط لأنهم رفضوا التعاون معه.
لم يكن يتردد. لم يكن يساوم.
لكن البطلة…
استطاعت ترويضه. ليس كحبيب. بل كأخت كبرى.
دفء… لم يعرفه من قبل.
عدتُ إلى الواقع.
الطفل أمامي… بعينيه الحمراوين الهادئتين.
مددتُ يدي دون وعي. اقتربت خطوة.
قرصت خده بخفة.
جلده كان دافئًا. حقيقيًا. طفوليًا.
رمش مرة واحدة فقط. لكنه لم يبتعد.
“رؤية هذا الفتى…” همستُ، وصوتي أخفض مما توقعت، “يصبح هكذا بعد موت الدوقة… أمرٌ مؤسف.”
مال رأسه قليلًا.
“ماذا قلتِ؟”
سحبت يدي بهدوء.
“لا شيء.”
تنفست ببطء.
“إيثان.” ثبتُّ نظري في عينيه. “هل طرأ شيء جعلك تخرج من الأكاديمية الآن؟”
تغيّرت وقفته قليلًا. أنزل يديه من خلف ظهره، وضمّهما أمامه هذه المرة.
“عمي وأبي جاءا اليوم.” قالها ببساطة. “وأصرّا على أن تسمح لي الأكاديمية بالخروج.” ثم أضاف: “هذا فقط ما حدث.”
فقط.
الكلمة سقطت خفيفة… لكنها لم تكن خفيفة أبدًا.
إذًا الأحداث بدأت تتحرك… أبكر مما ينبغي.
أشحتُ بنظري عنه للحظة، نظرت إلى إيڤي بين ذراعيّ. كانت هادئة. بشكل غريب… هادئة جدًا.
عدتُ إليه.
“أوه… فهمت الآن.”
صوتي عاد باردًا كما كان.
“اعذرني.” استدرت نصف استدارة. “سأعود إلى غرفتي.”
خطوت خطوة. ثم توقفت.
دون أن أنظر إليه:
“إلى اللقاء.”
جاء صوته خلفي، هادئًا، ثابتًا—
“إلى اللقاء… أختي الكبرى.”
تجمدت قدماي لجزء من الثانية.
شئ ما شعرت به لكني تجاهلت الامر
بعد مغادرة أوريانا صباحًا إلى الأكاديمية، عمّ الصمت جناح الدوقية.
كان الصمت من النوع الذي لا يُسمع… لكنه يُثقل الصدر.
وقف إدوارد في الحديقة، يراقب العربة وهي تبتعد تدريجيًا عبر الطريق الحجري. لم يتحرك. لم يلوّح. لكنه ظل واقفًا… حتى اختفت تمامًا.
انعكس ضوء الصباح على وجهه. وابتسامة خفيفة… بالكاد مرئية… كانت لا تزال عالقة عند زاوية فمه.
من الخلف، اقترب نيركاس بخطوات هادئة.
نظر إلى ملامح الدوق طويلًا… ثم ابتسم بخفة، ومد يده ووضعها على كتفه.
“انظر إلى تعابير وجهك.”
لم يلتفت إدوارد.
“لو لم أكن أعرفك… لظننت أنك لا تستطيع التعبير هكذا مع شخصٍ غير كاميلا.”
تصلّبت عضلات كتف الدوق تحت يده.
“أبعد يدك.”
قالها ببرود. لكن صوته لم يكن حادًا كالمعتاد.
لم يسحب نيركاس يده فورًا. بل مال قليلًا، يراقب وجهه من الجانب.
“حقًا…” “من يراك الآن لن يصدق أنك الرجل نفسه الذي كان يودّعها بجمود.”
سحب إدوارد نفسًا ببطء، ثم أبعد يده عنه بنفسه.
“قل ما تريد.”
تنهد نيركاس.
“أعتقد أنك بدأت تعبّر عن مشاعرك مع بقية أولادك أيضًا.”
صمت.
ثم أضاف بهدوءٍ أثقل:
“لكن… ألا تظن أنك مقصّر مع شخص؟”
تحرّك حاجب إدوارد بالكاد.
“مقصّر… مع من؟”
“إيثان.”
سكنت الغرفة.
عاد الدوق ينظر من أمامه، لكن هذه المرة لم يكن يرى شيئًا.
“أنا أذهب إليه دائمًا.” قالها ببطء. “إذن الأمر بخير.”
ضحك نيركاس، ضحكة قصيرة بلا مرح.
“أيها الغبي…”
التفت إليه إدوارد ببطء شديد.
لكن نيركاس لم يتراجع.
“الأمر لا يتوقف على ذهابك إليه.” “إيثان هناك… وحده.”
اقترب خطوة.
“طفل.” “بلا أم.” “بسحر يخافه الجميع.”
قبض إدوارد يده خلف ظهره. مفاصله ابيضّت.
“ماذا تريدني أن أفعل؟” صوته أصبح أخفض. “الأكاديمية لا تسمح بخروج أحد.”
“هل تمزح معي؟”
اقترب نيركاس أكثر، صوته الآن منخفض لكنه حاد.
“إذا أخرجت إيثان من هناك… ماذا سيحدث له؟”
لم يجب إدوارد.
فأكمل:
“لا تخدع نفسك.” “أنت تشتاق له.”
الكلمة أصابت الهدف.
ارتجفت أنفاس الدوق للحظة قصيرة… بالكاد ملحوظة.
“وجوده هناك وحده…” “سيجعله يتعلم الصمت.” “والصمت في طفلٍ مثله… خطر.”
مرّت ثوانٍ ثقيلة.
ثم قال نيركاس ببطء:
“اعقد صفقة مع الأكاديمية.” “ليخرج… لكن تحت المراقبة.”
انعكس الضوء على عيني إدوارد. لمعتا بشيء لم يكن ضعفًا… لكنه لم يكن صلابة أيضًا.
أغمض عينيه لثانية.
وفي تلك الثانية… لم يكن دوقًا. كان أبًا.
ثم فتحهما.
“حسنًا.”
استدار ببطء.
“سأفعل… كما ترى.”
لكن وهو يخطو نحو الباب، كانت قبضته لا تزال مشدودة.
وكأنه يعرف— أن إخراج إيثان من العزلة… قد يغيّر أشياء كثيرة.
أكثر مما يتوقع. بعد أن غادرتُ عند إيثان، كنتُ لا أزال أشعر بثقلٍ غريب في صدري.
حملتُ “إيفي” بين ذراعيّ، كانت صغيرة ودافئة، جسدها الطري يلتصق براحتي كأنها تخشى أن أفلتها. أصابعها الصغيرة تعلّقت بطرف ردائي، ومخالبها بالكاد خدشت القماش.
سرتُ نحو غرفتي بخطوات بطيئة. الممر كان هادئًا… هدوءًا يجعل صوت خطواتي يبدو أعلى مما ينبغي.
عندما أغلقت الباب خلفي، وضعت إيفي على السرير برفق. جلستُ أمامها، أحدّق في عينيها الصغيرتين… اللتين لم تكونا مجرد عيني قطة.
مرّت دقائق قليلة.
دخلت مارسلين من الشباك .
دخلت مارسلين مسرعة، أنفاسها غير منتظمة قليلًا.
“هل وجدتيها؟”
رفعتُ رأسي ببطء.
“أجل.”
ثم تغيّر صوتي. برد. انخفض. واستقر.
“لكن الآن أجيبيني.”
تجمّدت ابتسامتها.
“لماذا انتقلت إيفي بعيدًا؟ وماذا كنتِ تفعلين؟”
ارتبكت. تحرّكت أصابعها أمام مريولها، تشابكت ثم انفصلت، عيناها تتهرّبان من نظرتي.
“أرجوكِ يا سيدتي… اهدئي. أنا فقط… انتظريني، سأريكِ.”
انحنت قليلًا، وأخرجت شيئًا من جيبها.
عقد.
صغير. يتدلّى منه شكل قطة محفور بدقة.
نظرتُ إليه بلا تعبير.
“ما هذا؟ عقد قطط؟ وما فائدته؟”
ابتسمت بحماس طفولي.
“انتظريني لحظة.”
اقتربت من السرير، جلست على ركبتيها، وألبست العقد حول عنق إيفي بعناية شديدة، كأنها تخشى أن تؤذيها.
ثم تراجعت قليلًا.
“انظري… إيفي، عبّري عن أي شيء تريدينه الآن.”
ساد الصمت.
ثانية.
ثانيتان.
وفجأة…
انبثق من العقد ضوء أزرق خافت. لم يكن ساطعًا… بل ناعمًا، كضوء قمرٍ ذائب.
اتسعت عيناي دون أن أشعر.
تشكل الضوء تدريجيًا… خطوط رفيعة… ملامح… شعر…
ووقفت أمامي أوريانا.
لكنها لم تكن بجسدٍ حقيقي.
كانت شفافة… كأنها مرسومة من ضوءٍ بارد.
تقدّمت خطوة دون وعي.
“…أوريانا؟”
ابتسمت مارسلين بفخر.
“رأيت أن طريقتكِ في التواصل معها صعبة، لذا بحثتُ عن وسيلة تستطيع بها الكلام… وأن تريها أيضًا.”
ظللت أحدّق في الجسد الشفاف. تفاصيل وجهها… حركة شعرها… حتى ارتعاشة رموشها كانت مرئية.
لكن هناك شيء مؤلم في كونها غير ملموسة.
“هذا…” همستُ. “سيكون صعبًا.”
نظرتُ إليها.
“تخيّلي أن تريد التحدث… ويكون هناك شخص… وتظهرين هكذا.”
أومأت مارسلين سريعًا.
“وضعتُ ذلك في الحسبان! هناك ميزتان في العقد—يمكنكِ تفعيل خاصية الصوت فقط دون الظهور.”
اقتربت مني بعينين لامعتين.
“ما رأيكِ؟ مهارتي جيدة، أليس كذلك؟”
نظرتُ إليها لحظة طويلة.
ثم مددتُ إصبعي… وربتُّ على رأسها
“أجل. أحسنتِ.”
احمرّ وجهها فورًا.
لكن قبل أن تضيف شيئًا—
شعرتُ بحركة أمامي.
رفعتُ بصري.
كانت أوريانا تنظر إليّ… بعينين ممتلئتين بشيء لم أفهمه فورًا.
ثم اندفعت نحوي.
احتضنتني.
أو… حاولت.
جسدها الشفاف مرّ عبر كتفي، لكنه رغم ذلك… شعرتُ بشيء.
برودة خفيفة. كتيار ماء بارد يلامس الجلد.
تجمّدتُ.
الغربة لفّت صدري فجأة.
“ماذا؟”
همستُ.
ابتعدت قليلًا، لكنها ظلت قريبة جدًا، وجهها أمام وجهي.
التعليقات لهذا الفصل " 50"