ما إن دخلنا البوابة حتى انفصل ليونارد عنا، فهو يُعدّ من نوّاب الأساتذة، وكان تابعًا لقسم فن المبارزة السحرية بالسيف.
بقيتُ أنا وإليسا وحدنا.
كنا نبحث عن صفوفنا، ولحسن الحظ كانت معنا الورقة التي تحمل أسماء الصفوف.
توقفنا فجأة.
نظرت إليسا إلى الورقة مرة أخرى، ثم رفعت رأسها نحوي ببطء.
“…لا أصدق.”
“سنفترق.”
تنهدتُ بهدوء.
“كنتُ أريد أن نكون في الصف نفسه،” تابعت وهي تحاول الابتسام، “لكن بما أن لديّ قوة سحرية أعلى، سأكون في صف مختلف.”
لم أعلّق.
فجأة… احتضنتني.
بقوة. أقوى مما توقعت.
ذراعاها التفّتا حولي وكأنها تخشى أن أختفي في اللحظة التالية.
“كنتُ أريد حقًا أن أكون معك…” قالتها بصوتٍ مكتوم. “لكن… فلنلتقِ في الاستراحة، حسنًا؟”
“…حسنًا.” ثم أضفتُ ببرود مختنق: “لكن… أ-أختنق. رجاءً.”
تراجعت فجأة.
“أوه- آسفة!”
ابتسمت ابتسامة سريعة، ثم لوّحت بيدها.
“إلى اللقاء!”
غادرت نحو صفها، وبقيتُ أنظر إليها حتى اختفت بين الطلاب.
ثم توجهتُ إلى صفي.
دخلت. جلست في مقعدي بهدوء.
مرت دقائق قليلة.
ثم… بدأت أسمع ضوضاء.
صوت مرتفع قادم من الممر.
لم أهتم في البداية. الأكاديمية مليئة بالضجيج.
لكن الصوت… لم يتوقف.
كان يقترب. خطوة بعد خطوة.
حتى- انفتح الباب.
ودخلت فتاة.
شعرها فيروزي، ينساب خلفها بانسيابية لافتة. عيناها رماديتان، باردتان، ومع ذلك تجذبان النظر.
توقّف عقلي للحظة.
لماذا… أشعر أنني أعرف هذا الشكل؟
ثم سمعت أحدهم يهمس بصوتٍ مبهور:
“سمو الأميرة…”
اتسعت عيناي قليلًا.
الأميرة…؟
وهنا- تذكّرت.
بطلة الرواية.
الأميرة…
الأميرة… ماذا كان اسمها؟
سيلي… سيليما؟ شيء من هذا القبيل.
تنهدتُ في داخلي.
يبدو أن لديّ ضعفًا حقيقيًا في تذكّر الأشياء.
أدرتُ نظري إلى الجهة الأخرى.
لا يهم. ليس من شأني.
كان يحيط بها عدد من الطلاب، يتحدثون بصوتٍ مرتفع، ضحكات، إعجاب، همسات.
ثم-
سمعتُ خطوات.
تقترب.
مهلًا…
لا. لا تخبريني-
رفعتُ نظري ببطء.
كانت هي.
الأميرة… تتجه نحوي مباشرة.
لا. لا، لا، لا.
لا تقتربي مني.
أسوأ شيء يمكن أن يحدث… أن تقترب بطلة الرواية- التي حياتها مليئة بالأحداث والكوارث- مني.
ثبّتُّ نظري أمامي. جسدي متصلب. تعابير وجهي باردة كما هي.
رجاءً… غيري اتجاهك.
لكن خطواتها… لم تتوقف.
جاءت وجلست بجواري ولأنني لم أرد حقًا التورط معها- هي بالذات- فتحتُ كتابًا أمامي، وبدأت أركّز عليه، وكأنني لا أراها. وكأن وجودها… لا يعنيني.
لكن الهمسات بدأت تعلو من حولي.
“انظروا إليها، لم تقف حتى لتحية سموّ الأميرة.”
ثم قالت أخرى، بنبرة لا تخلو من شماتة: “أجل، أظنّها تكره الأميرة لأنها أفضل منها.”
وتبعها صوت ثالث، أكثر خبثًا: “أتعلّمون؟ لقد سمعتُ مرةً أنها قبل أن تدخل الأكاديمية لم تكن تحضر أي حفلات، سوى حفلات سموّ الأميرة… وفي كل مرة كانت تُسبّب المشاكل.”
الكلمات كانت تتراكم في الهواء، تلتف حولي، لكنني… لم أهتم.
أو هكذا أقنعتُ نفسي.
إلى أن تكلّمت البطلة نفسها.
“آنسة أوريانا، كيف حالكِ؟”
توقفتُ عن القراءة.
كنتُ أرغب حقًا ألا أرد. لكن تجاهلها الآن لن يُنهي الأمر- بل سيجعله أسوأ.
رفعتُ رأسي ببطء، ونظرتُ إليها بنظرة هادئة خالية من أي تعبير.
ثم أضفت، بصوت منخفض لكنه حاد: “وما هو الاحترام الذي تريدينه مني بالضبط؟ هل تريدينني أن أنحني وألعق حذاءها مثلًا؟ أم ماذا؟”
تغيّر وجهها. احمرّ، واشتعل غضبًا.
“أنتِ حقًا وقحة!”
قبل أن أرد، جاء صوتها أعلى- أكثر قسوة، وأكثر حماقة.
“أنا لا أصدق ما تفعلينه!” تابعت، مشيرة إليّ. “أنتِ تسوئين سمعة دوقية سيريوس! بل أكثر من ذلك- لا أصدق أن دوق سيريوس أصبح شيطانًا ويترككِ تفعلين ما تشائين! إنه… أصبح أسوأ شخص!”
“والآن… لنرَ من سيُطرد.” ما إن شغّلتُ التسجيل وظهر الفيديو، حتى تجمّدت.
لم يكن صوتها فقط. كانت نبرة الاحتقار… كانت الكلمات التي لم تتردّد في قولها.
ابتسمتُ ببطء.
“أتمنى حقًا أن أرى وجوه الجميع عندما يشاهدون هذا.” قلتُ بهدوء قاتل. “كيف شتمتِ دوق إدوارد، وماذا قلتِ عنه.”
رفعتُ عينيّ إليها.
“أنا أفكّر جديًا بتحويل الأمر إلى محاكمة بازدراء النبلاء.” توقّفتُ قليلًا. “أنتِ لم تُهيني أي نبيل عادي… بل أحد نبلاء الدوقيات الأربع العظمى.”
اقتربتُ خطوة.
“أتمنى أن أسمع رأي الإمبراطور في ذلك.”
انهارت.
“أنا… أنا آسفة!” قالت بصوت متقطّع. “حقًا، لن أفعل ذلك مجددًا!”
نظرتُ إليها ببرود.
“ولماذا عليّ مسامحتك؟” سألتُ ببساطة.
أمسكت بطرف فستاني من الأسفل، أصابعها ترتجف.
“أرجوكِ… أرجوكِ سامحيني!” “لن أكررها، أقسم!”
نظرتُ إليها بطرف عيني فقط.
“اتركي ملابسي.” قلتُ ببرود. “أم تريدين أن يصبح الأمر أسوأ؟”
أفلتتني فورًا.
عدتُ إلى مقعدي، ثم رفعتُ بصري إلى الجميع.
“وأنتم؟” سألتُ بهدوء مخيف. “لماذا صمتّم فجأة؟”
مررتُ بنظري عليهم واحدًا واحدًا.
“كنتُ أرغب بسماع تلك القصص المثيرة التي كنتم تتداولونها عني.”
لا أحد تكلّم. ولا نفسٌ خرج.
جلستُ.
وبدأت سموّ الأميرة تتحدث، كانت الدموع متجمعة في عينيها، لكنها تحاول التماسك.
“أنا حقًا آسفة، آنسة أوريانا.” قالت بصوت منخفض. “لم أقصد أن يسوء الموقف بسبب كلماتي التي لا أهمية لها، أو أن تتعرضي لمثل هذا الإحراج.”
صحيح أن أي شخصٍ في مكاني كان سيظن أن تلك الفتاة تعمّدت قول ذلك لتضعني في هذا الموقف… خفضت نظرها. لكنني أعرف شخصيتها جيدًا. هي إنسانة ساذجة جدًا. وبسبب هذه السذاجة، تعرضت في حياتها لمواقف لا تُحصى… وجميعها كانت سيئة.
نظرتُ إليها بهدوء.
“لا داعي للاعتذار، سموّ الأميرة.” قلتُ بنبرة ثابتة. “من يجب عليهم الاعتذار… هم من افتعلوا الأمر.”
ثم أضفت بهدوء:
“لذا، فلنركّز الآن. يبدو أن الأستاذ سيصل بعد قليل لبدء الحصة.”
هزّت رأسها بخفة.
“شكرًا لكِ…”
مرّت الحصص، ومع الاستراحة، جاءت إليسا وأمسكت بيدي وسحبتني معها للخارج.
وبينما كنا نسير في الممر-
“آنسة أوريانا.”
توقّفتُ. التفتُّ.
كانت سموّ الأميرة تقف خلفنا.
“تفضّلي… هذا سقط منكِ.”
مدّت يدها. كان دبوس الشعر.
ذلك الذي وضعه أبي في شعري هذا الصباح.
أخذتُه بهدوء.
“أوه… شكرًا لكِ.” قلتُ. “يبدو أنه سقط دون أن أشعر.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“لا شكر على واجب.”
ثم نظرت إليّ نظرة مترددة، قبل أن تقول:
“يبدو أن الآنسة أوريانا تحب سموّ الدوق كثيرًا.” قالت بلطف. “كنت أسمع شائعات كثيرة عن أنكما لا تتفاهمان، لكن…”
توقفت لحظة.
“بعد أن رأيت كيف غضبتِ عندما ذُكر الدوق بسوء، وكيف تصرّفتِ-“
ابتسمت بإعجاب صادق.
“أنتِ حقًا رائعة، آنسة أوريانا.”
لم أرد.
لكن أصابعي شدّت على دبوس الشعر قليلًا. “شكرًا لكِ، سموّ الأميرة.” قلتُ بهدوء. ثم قالت هي وهي تبتسم : “في الحقيقة… أشعر بفضل سموّ الدوق عليّ بشدة.”
تجمدت ملامحي لوهلة.
“ماذا؟” قلتُ بدهشة صادقة. “لماذا؟ ماذا فعل أبي لكِ؟”
تنفست بعمق، ثم بدأت تشرح:
“كما تعلمين، هذه الأكاديمية لم تكن تقبل طلابًا بلا قدرات خاصة أو سحر.” نظرت إلى الأرض قليلًا. “وأنا… لا أملك أيّ سحر.”
اتسعت عيناي.
“لذلك لم أستطع الدخول.” تابعت بهدوء. “ولم يتدخل أبي، الإمبراطور، في الأمر، حتى لا يُقال إنه استعمل سلطته للتأثير على الأكاديمية.”
رفعت نظرها إليّ.
“فالأكاديمية أُسست بتعاون بين برج السحرة ومملكة رافينيا، ولم يكن من الجائز استخدام السلطة الإمبراطورية عليها.”
ثم أضافت، بنبرة أكثر جدية:
“لكن سموّ الدوق كان مختلفًا.” “أصرّ على أن تكون الأكاديمية مفتوحة لجميع الطلاب.” “حشد المجلس، وطرح رأيه بقوة… وبسببه فُتحت الأبواب للذين يملكون السحر، والذين لا يملكونه.”
تجمدت.
“مهلًا…” قلت ببطء. “هل… أبي فعل هذا؟”
أومأت.
“أجل.”
أنزلت رأسي قليلًا.
حقًا… أنا غبية. كيف لم أنتبه؟
تذكرت فجأة. في الرواية، البطلة لم تستطع دخول الأكاديمية لعدم امتلاكها السحر. كان ذلك أحد أهم محركات القصة.
لكن في السنة التي انضممتُ فيها… قُبل من لا يملك سحرًا.
كيف لم أربط الأمر؟
قالت إليسا بصوت منخفض:
“أوريانا… هل أنتِ بخير؟”
رفعت رأسي.
“أجل.” قلت بهدوء. “أنا بخير.”
ثم التفتُّ إلى الأميرة:
“على أي حال… شكرًا لكِ، سموّ الأميرة.” “والآن، أستأذنك بالانصراف.”
ترددت قليلًا، ثم قالت:
“قبل أن تذهبي… هل يمكنني طلب أمر أخير؟”
نظرتُ إليها.
“هل يمكنكِ مناداتي بـ سيلينا؟” ابتسمت بخجل خفيف. “أرغب أن نكون… أقرب.”
أجبت بلا تردد:
“كما تأمرين، سموّك.”
ثم التفتُّ وغادرتُ مع إليسا.
–
سرنا حتى وصلنا إلى حديقة الأكاديمية، وجلستُ على أحد المقاعد.
بعد قليل-
“وجدتكما.”
رفعتُ رأسي. كان ليونارد.
قالت إليسا بانزعاج:
“ولِمَ تبحث عنا؟”
نظر إليها بازدراء خفيف.
“لم أكن أبحث عنكِ، يا وجه البومة.” “كنت أبحث عن أختي.”
“أيها المزعج-“
قاطعتها بهدوء:
“لكن، ليونارد… لماذا جئت؟”
قال بنبرة طبيعية:
“يبدو أنكم ستغادرون مبكرًا اليوم، بما أنه أول يوم.” “لن تكون هناك دروس بعد الاستراحة، لكن-“
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“ستُقام مسرحية.” “وجئت لأخذكما كي تجلسا في المقاعد الأولى.”
نظرتُ إلى إليسا.
“حسنًا… لنذهب.”
وما إن وصلنا-
حتى وقع بصري على شابٍ بشعرٍ أحمر وعيونٍ زرقاء. كان في مثل عمري تقريبًا.
كان يقف قريبًا من المسرح، يميل بجسده نحو فتاة، يتحدث بنبرة مائعة، وكلماته مليئة بتغزّلٍ مبالغ فيه. نظرت إليه… وشعرتُ بنفورٍ فوري.
هذا النوع من الحب… يثير اشمئزازي.
مررنا من جانبه، واصطففنا للدخول. لكن قبل أن نتحرك كثيرًا، رأيته مجددًا-
نفس الشاب. نفس الابتسامة. لكن… فتاة أخرى.
“أنتِ حبي الوحيد، حقًا.”
شعرتُ برغبةٍ حادة في ضربه. لكنني التزمتُ الصمت.
عندما تقلص الصف، ودخلنا إلى المقاعد الأمامية، كان ليونارد يستعد لأداء دوره ضمن عرض سحر السيف. جلستُ نتحدث أنا واليسا، إلى أن-
ارتفع صوتٌ حاد فجأة.
“كيف تقول لي إنني لن آخذ دور البطل؟!”
كان هو. الشاب ذو الشعر الأحمر.
صرخ في وجه فتى آخر، بشعرٍ بني، ونمشٍ خفيف، وهيئة هادئة بشكلٍ يثير الشفقة. ثم- صفعه.
ساد الصمت.
قال الفتى الهادئ، محاولًا التماسك:
“سيد مورلان… لقد انضممتَ إلى المسرحية متأخرًا.”
لكن مورلان لم يستمع. تقدم، أمسكه من عنقه بعنف.
“وماذا؟” “هل يجب أن أُعاقَب لأنني تأخرت؟”
اقترب أكثر، صوته منخفض لكنه مهدِّد:
“لا تتحداني.” “وإلا… سيحدث لك ما لا يسرّك.”
التفتُّ قليلًا نحو إليسا، وخفضتُ صوتي:
“هل تعرفين من هذا؟” “كيف يتصرف بهذه الطريقة؟”
أجابتني بهدوء مشوب بالتحفظ:
“إنه مورلان جوليوس إيفرين.”
توقف تفكيري عند الاسم.
إيفرين… سمعتُ به من قبل.
“إيفرين؟” سألتها. “أتقصدين-“
“أجل.” قاطعتني. “أخ لوسيان… سيد برج السحرة.”
اتسعت عيناي قليلًا.
“ماذا؟” “لم أكن أعلم أن للوسيان أخًا.”
“هو أخوه من زوجة أبيه.” قالت. “بعد وفاة والدة لوسيان، تزوج والده مرة أخرى.”
زفرتُ بهدوء.
“الآن فهمت.” “لهذا يتصرف بكل هذه العجرفة.”
راقبتُه وهو يترك الفتى، وينزل من على المسرح، يمرر يده في شعره للخلف وكأن شيئًا لم يحدث. خطواته واثقة… أكثر مما ينبغي.
وما إن التقت عيناه بعينيّ… حتى غيّر مساره فورًا، واقترب.
كان يمشي بثقةٍ مستفزة، كتفاه مرفوعتان، وابتسامة واثقة لا مكان لها سوى على وجه شخص لا يعرف معنى الرفض.
“واو…” توقف أمامي تمامًا. “أنتِ جميلة. من تكونين؟ لم أركِ من قبل.”
تجمّدتُ.
ليس خجلًا… بل دهشة من وقاحته.
“عذرًا؟” تابع، قبل أن أنطق بكلمة.
“لا تنظري إليّ هكذا.” ضحك بخفة. “أعرف أنني وسيم. هل يعجبك وجهي إلى هذه الدرجة؟”
لم أستطع الرد. الكلمات علقت في حلقي، لا لأنني معجبة، بل لأن عقلي كان يحاول استيعاب كمّ الغرور الذي يقف أمامي.
إلى جانبي، كانت إليسا صامتة تمامًا. حدقت فيه بعينين متسعتين، وكأنها ترى مخلوقًا غريبًا لأول مرة.
ومن خلفي… كنت أشعر بليونارد.
لم أنظر إليه، لكنني شعرت بالغضب يشعّ منه. فكّاه مشدودان، ويده تقبض ببطء. كان يكبح نفسه… بالكاد.
أخرج الشاب ورقة من جيبه، ومدّها نحوي بثقة:
“تفضلي.” “اكتبي اسمك هنا.” “ولنلتقِ على العشاء. سنتناوله معًا.”
للحظة- تخيلتُ نفسي أمسك الورقة… وأضغطها على وجهه.
احتفظ بها لنفسك، أيها المغفل.
لكن… ذلك كان في رأسي فقط.
لم أستطع فعلها. ليس لأنه لم يستحق- بل لأنه، تقنيًا، لم يتجاوز حدًّا يستوجب فضيحة علنية.
غادر وهو يغمز لي، وكأن الموقف انتهى لصالحه.
خلفي مباشرة، سمعت صوت ليونارد المنخفض، مشحونًا:
“هاه، إليسا…” “هل تفكرين بما أفكر به؟”
أجابت دون تردد، وبنبرة باردة بشكل مخيف:
“إذا كنتَ ليونارد الذي أعرفه…” “فنعم. بالتأكيد نفكر في الشيء نفسه.”
ثم أضافت، بسخرية خفيفة:
“لأنه لا أحد يفكر بتلك الأفكار القذرة والمثيرة للمتاعب غيرك.”
زفر ليونارد، ومرر يده في شعره:
“حسنًا…” “رغم أنني أكرهكِ، يا ابنة عمي-“ “إلا أنك الوحيدة التي يمكنني الاعتماد عليها الآن.”
ابتسمت إليسا ابتسامة جانبية:
“وأنت كذلك.”
التفتُّ إليهما أخيرًا.
“عن ماذا تتحدثان؟”
قالت إليسا ببساطة، وكأنها تتحدث عن الطقس:
“لا شيء.” “فقط بما أن المسرحية ستبدأ بعد نصف ساعة-“ “قررنا أنا وليونارد إعداد مسرحية صغيرة… من تأليفنا.”
توقفت لحظة، ثم ابتسمت.
“وسنجعل ذلك الفتى… هو البطل.”
نظرت إليهما بريبة:
“متى فكرتما في هذا؟”
هزّ ليونارد كتفيه:
“لا شيء جديد.” “نحن لا نتفق على أي شيء…” “إلا المشاكل.”
وأضافت إليسا:
“ونفهم بعضنا بسرعة.”
تنهدتُ:
“حسنًا… حظًا موفقًا لكما.”
كدت أستدير-
لكن فجأة… أمسكا كتفيّ معًا.
“مهلًا.”
“أنتِ معنا.”
اتسعت عيناي:
“ماذا؟”
لم يمنحاني فرصة للاعتراض. شدّاني بينهما، وكأن الأمر محسوم منذ البداية.
يبدو أن يومي الأول في الأكاديمية… لن يمر بسلام.
صعدنا إلى منصة مرتفعة، تطل مباشرة على الساحة التي تجمع فيها ممثلو المسرحية. كان الجميع متقاربين، يتبادلون كلمات سريعة وهم يستعدون للصعود واحدًا تلو الآخر… إلا هو.
ذلك الفتى. كان يقف وحده، بعيدًا عن المجموعة، كأن المكان لفظه عمدًا.
أما نحن… فكنا فوقه مباشرة.
خفض ليونارد صوته، وبدأ يهمس بكلمات غير مفهومة. لم تكن عالية، لكنها كانت مركّزة، حادة، كأنها تُقال بوعي كامل.
وفجأة- تغيّر الهواء.
ظهرت ظلال باهتة، أشكال غير واضحة، كأنها أطراف شيء لا يريد أن يُرى كاملًا. لم تكن واقعية تمامًا… لكنها كانت مقلقة.
اتسعت عينا إليسا بإعجاب صريح.
“واو…” مالت نحوه قليلًا. “أجِدت فعل هذا، يا ليونارد.” “حقًا… فعلت شيئًا جيدًا أخيرًا في حياتك.”
لم يرد. كان تركيزه كاملًا فيما يفعله.
ثم التفتت إليسا، وابتسامتها تحمل شيئًا غير مطمئن:
“هيا، دوري.”
بدأت تتحرك بخفة، خطواتها غير منتظمة، ويداها ترتفعان ثم تنخفضان كأنها ترقص… لكن الرقص كان خاطئًا.
وصوتها- كان أول ما اخترق المكان.
“اااااااه…”
صوت طويل، مشدود، لا هو صراخ ولا هو همس.
“أنت… هووووووووو…”
تمتم ليونارد، بنبرة إعجاب خبيثة:
“جيد.”
شعرتُ بقشعريرة تسري في ظهري.
قال لي فجأة، دون أن ينظر إليّ:
“قلّدي بقية الأصوات.”
نظرت إليه بصدمة.
وقبل أن أفتح فمي، بدأت إليسا تصدر أصواتًا أخرى- خشخشة، أنين منخفض، ضحكات متقطعة… كلها غير بشرية بما يكفي لتكون مزعجة.
كنت أحدّق فيهما.
“ماذا تفعلان الآن… بحق الجحيم؟”
قالت إليسا دون أن تلتفت:
“شاهدي فقط… وتعلمي.”
التفتُّ إلى ليونارد، وقد بدأ قلقي يتحول إلى انزعاج:
“أنت الأكبر بيننا.” “ألا يجب أن تمنعها؟” “أين الهدوء؟ الحكمة؟ العقل؟”
ابتسم- ابتسامة جانبية، قصيرة.
“آسف.” “تخلّيت عنهم منذ اليوم الذي قلتِ لي فيه أن أتصرف على طبيعتي.”
ضيّقت عينيّ:
“لو كنت أعلم أن هذا سيحدث…” “لكنْتُ أخبرتك أن تتصرف كالحيوان أفضل.”
عاد ليهمس من جديد. هذه المرة، تغيّر المكان بوضوح.
ازدادت الظلال كثافة. تشكلت ملامح مشوهة، غير مكتملة، لكنها كافية لتخيف أي شخص.
“حسنًا… سأخبركِ.” “كنتُ أقوم بتعويذة حماية عليها طوال مدة غيابك.” “لكن… حدث خطأ.”
شعرتُ بالصداع يقترب.
“أي نوع من الخطأ؟”
“استخدمتُ سحر نقل… دون قصد.”
توقّفت.
“إذن أين هي الآن؟”
“يبدو أن السحر كان خفيفًا.” “لذا فهي بالتأكيد لم تبتعد كثيرًا عن القصر.” “كنتُ أنتظر عودتها، بما أنها تعرف المكان…” “لكنها لم تأتِ، لذلك خرجتُ أبحث عنها.”
حدّقتُ بها بذهول.
“هل تمزحين معي؟”
وضعتُ يدي على وجهي.
“آه… رائع.” “حقًا رائع.” “أخرج من مشكلة، لأدخل في أخرى.”
ثم تمتمتُ بمرارة:
“وحياتي التي كنتُ أتمنى أن أجلس فيها بهدوء…” “أشرب كوب قهوة…” “أستمتع بما تبقّى لي من الوقت والمال هنا…” “ثم أموت بسلام-“
قاطعتني مارسلين بسرعة:
“آنستي-“
زفرتُ بقوة.
“هيا.” “لنبحث عنها.”
انفصلنا نبحث في أرجاء القصر، واتجهتُ أنا إلى الحديقة.
كان الليل قد بدأ يزحف، والهواء باردًا قليلًا.
وفجأة-
جاءني صوت طفل من خلفي.
“هل تبحثين عن قطة، يا آنسة؟”
توقّفت.
“أجل.”
استدرت.
وفي اللحظة التي وقع فيها بصري عليه- تعرّفتُ عليه فورًا.
اتسعت عيناي قليلًا.
“لك؟”
تساءلت في داخلي بدهشة حقيقية:
ما الذي يفعله هنا… في هذا الوقت؟ _______________________________________ عارفة انو محدش بقي متم بالقصة وانو المشاهدات بتوصل لي 300 ولكن بيكون التصويت بيكون اقل من خمسين غير ان اللي بيعلق بيقي اكتر 20 بس بس اين يكن حبيت اوريكم رسمتي لعيون اوريانا
التعليقات لهذا الفصل " 49"