وقفنا في القاعة، مرت دقائق ثقيلة، كأن الزمن تعمّد أن يبطئ خطاه. ثم… سُمِع صوت عجلات يقترب.
توقفت أمام القصر عربة سوداء فخمة، يتوسط بابها شعار **نسرٍ أحمر** محفور بعناية، لامع تحت ضوء المشاعل. شعرتُ بشيءٍ غير مريح في صدري دون سبب واضح.
فُتح باب العربة، ونزل منها شخصان.
الأول: رجل بشعرٍ أسود كثيف، منسدل إلى الخلف، وعيونٍ حمراء داكنة… عيون تشبه عيون الدوق بشكلٍ مقلق. وقف بثقة مفرطة، ظهره مستقيم، وابتسامة واسعة لا تشبه ابتسامات النبلاء المعتادة.
والثانية: فتاة… في عمري تقريبًا. شعرها الأسود ينساب على كتفيها بنعومة، وعيونها الحمراء ثابتة عليّ منذ اللحظة الأولى.
تشنّجت أصابعي دون وعي.
**أنا متأكدة…** **رأيتها من قبل.** لكن… لا أستطيع التذكر.
رحّب بهم الخدم الواقفون عند المدخل بانحناءات رسمية، ثم دخلوا القاعة.
وما إن خطا الرجل خطوتين داخلها، حتى تقدّم الدوق نحوه بخطى متزنة، هادئة، تحفظ هيبته… لكن الرجل لم ينتظر.
اقترب بسرعة، بلا اكتراث بآداب القصر، فتح ذراعيه فجأة، واحتضن الدوق بقوة، ثم- ربت على رأسه وهو يضحك.
“لم أتوقع أن أخي الصغير سيكبر بهذه السرعة…” قالها بنبرة ساخرة، “لدرجة أنه أصبح يبدو عجوزًا.”
تصلّب جسد الدوق للحظة. ثم دفعه بعيدًا بيد حازمة، وعيناه تلمعان بانزعاج واضح.
“أبعد يديك، واحترم الآداب.”
ضحك الرجل بلا مبالاة، ورفع كتفيه.
“أي آداب تتحدث عنها؟ نحن أخوان.”
كنت أراقب المشهد بصمت، أنتقل بعيني بين الاثنين، ألتقط كل حركة، كل تفصيلة.
وفجأة- شعرتُ بانحناء خفيف بجانبي.
ليونارد.
اقترب مني أكثر مما يجب، صوته خرج منخفضًا، متوترًا، أنفاسه غير منتظمة قرب أذني.
“أوريانا…” همس. “قدّمي نفسك له بسرعة، أرجوكِ.”
نظرتُ إليه بطرف عيني.
“ماذا؟ لماذا؟”
تشنّج فكّه، وعيناه تراقبان الرجل باستعجال.
“أرجوكِ فقط… أسرعي.”
قبل أن أستوعب، كان الرجل قد استدار نحونا، ابتسامته اتسعت، ورفع يديه بترحيب مبالغ فيه.
“ليونارد!” قالها بحماس، “انظر كيف كبرت!”
ابتلع ليونارد ريقه. ثم همس لي بسرعة، بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
“أنا آسف، أوريانا… لكن اضطررتُ للتضحية بك.”
وقبل أن أسأله عمّا يقصد- تحرّك فجأة، وأزاحني خطوة إلى الأمام.
وقف بجانبي، ووضع يده على كتفي، صوته خرج رسميًا هذه المرة:
“هذه هي أوريانا.” توقف لحظة، ثم أضاف: “لم ترَها منذ مدة طويلة، أليس كذلك؟”
شعرتُ بنظرة الرجل تستقر عليّ بثقل، كأنها تحاول نزع شيء من داخلي… شيء لا أتذكره، لكنه يتذكرني جيدًا.
نظر إليّ وابتسم. لم تكن ابتسامة متعالية، ولا فاحصة… بل دافئة، صادقة على نحوٍ غريب، كأنها تحمل ألف حكاية لم تُحكَ بعد.
“هاي، إدوارد… أعطني إيّاها.”
قالها بنبرة مازحة، لا تحمل تهديدًا حقيقيًا، وهو يشير إليّ بخفة.
“سأتكفّل بها، فقط مؤقتًا. تبدين لطيفة أكثر مما يحتمل هذا المكان.”
اشتعل غضب الدوق فورًا:
“هل ترغب في الموت؟”
ضحك الرجل ضحكة قصيرة، هادئة، لا سخرية فيها.
“اهدأ، اهدأ…” لوّح بيده بلا مبالاة. “أنت دائمًا تأخذ الأمور بجدّية أكثر من اللازم.”
ثم نظر إليّ من جديد، لكن هذه المرة… نظرة عمّ، لا غريب.
“أوريانا… ألا تعرفين من أنا؟”
ترددتُ، ثم قلت بصراحة:
“لا أعرف.”
ابتسم ابتسامة أوسع، وفيها شيء من التفهّم لا اللوم.
“هذا طبيعي.” قالها بهدوء. “لقد مرّ وقت طويل.”
ثم انحنى قليلًا-انحناءة بسيطة، غير رسمية.
“اسمي نيركاس تيرفال. أنا الأخ الأكبر لوالدك.”
وأشار إلى الفتاة بجانبه، بنبرة فخر واضحة:
“وهذه ابنتي، إليسا.”
وأضاف نيركاس، بنبرة هادئة:
“وقالت إليسا إنكما تقابلتما في الأكاديمية.”
التفتُّ نحو الفتاة، وارتسمت على وجهي ابتسامة مهذّبة، خالية من أي يقين. كانت نظرتها ثابتة عليّ، كأنها تبحث في ذاكرتي بدلًا مني.
قالت بابتسامة خفيفة:
“يبدو من نظرتك أنكِ لا تتذكرين.”
قبل أن أرد، جاء صوت ليونارد، محمّلًا بسخرية باردة:
“أعتذر، لكن أختي لا تتذكر الأمور غير المهمّة.”
شدَدتُ على أسناني في صمت. هذا الرجل… سيوقعني في المشاكل حقًا.
ضحكت إليسا بخفة، ثم قالت وكأنها ترمي كلمة عابرة، لكنها أصابت الهدف بدقة:
“شَعرٌ مستعار.”
ساد الصمت.
تجمّد ليونارد في مكانه، واختفت السخرية من صوته. رأيت الغضب يمرّ في عينيه سريعًا، كشرارة لم تجد بعد ما يشعلها.
أكملت إليسا، بابتسامة أوسع، لا تخلو من ذكاء:
“ولا تظن أنني لم ألاحظ أيضًا.” نظرت إليه مباشرة. “لقد حاولتَ تقديم أوريانا لأبي… فقط لتنجو بنفسك.”
ارتفع صوت ليونارد فجأة:
“أنتِ- توقفي عن الكلام، أيتها الحمقاء!”
قبل أن يخطو خطوة أخرى، كان نيركاس قد اقترب منه، ومدّ ذراعه، وجذبه تحت ذراعه في حركة سريعة، غير عنيفة… لكنها حاسمة.
“والآن…” قالها بنبرة هادئة على نحوٍ مقلق. “أهذه محاولتك الجديدة لتجنّب الحديث؟”
بدأ ليونارد يضرب ذراعه في محاولة للتحرر:
“هذا بسبب ما تفعله الآن! ألا تفهم؟!”
ضحك نيركاس بخفة، وقال بلا قسوة:
“اهدأ يا ليونارد.” ثم أضاف، وكأنه يلاحظ أمرًا قديمًا: “ما زلتَ ضعيفًا… كما كنت.”
وتركه.
عدلت إليسا وقفتها، ونظرت إلى ليونارد بنصف ابتسامة ساخرة:
“ألم تقل إنك ستغيّر طبعك؟ أن تصبح شابًا هادئًا، ولطيفًا؟”
مالت برأسها قليلًا.
“لكن يبدو أن تغيير صفات الشخص… أمرٌ أصعب مما كنتَ تتخيّل.”
قال ليونارد بحدة، وصوته خرج مشدودًا أكثر مما ينبغي:
“اصمتي أنتِ، واجعلي أنفكِ في وجهك، ولا تحشريه في شؤون الآخرين.”
بدأت إليسا تحرّك شفتيها ببطء، وكأنها تفكك كلماته واحدةً واحدة، ثم رفعت حاجبها بخفة. كنت الجملة عبارة عن هل ترغب أن أخبر أوريانا بما فعلت ؟ يبدو أن ليونارد فهم المعنى… أو على الأقل الجزء الأكبر منه.
ساد الصمت فجأة.
تشنّج فك ليونارد، وخرجت منه زمجرة غضب مكتومة:
“سحقًا…”
استدار بعنف، واتجه نحو الخارج وهو يقول دون أن ينظر خلفه:
“أتمنى أن ترحلي قريبًا… ولا أرى وجهكِ مرة أخرى.”
بعد لحظة قصيرة من الصمت، تكلّم نيركاس أخيرًا، بنبرة هادئة وكأن شيئًا لم يحدث:
“حسنًا يا فتيات… سأذهب أنا وأخي لنتحدث قليلًا.”
ثم التفت إليّ، وابتسامته لم تفارقه:
“أوريانا، هل يمكنكِ قضاء بعض الوقت مع إليسا؟ ستكون بمفردها.”
لم أكن أرغب في التورط بأي شيء، لكن لا مجال للرفض.
انحنيتُ بأدب، وقلت بهدوء:
“حسنًا، سموّ الدوق.”
توقف نيركاس فجأة، وحدّق فيّ وكأنني قلت أمرًا غريبًا جدًا.
“هاي- لماذا تقولين سموّ الدوق؟” اقترب خطوة، ووضع يديه على كتفيّ، ثم انحنى قليلًا ليكون في مستواي. “لا تتحدثي معي بهذه الرسمية.”
“كان يتجول في الحديقة، يخفي وجهه.” “وعندما جاء الأولاد ليتنمّروا عليه، ظنّوه أنتِ.”
ضحكت بخفّة.
“فضربهم جميعًا.” “حتى لم يعودوا قادرين على الوقوف.”
ثم أضافت، وهي تضحك أكثر:
“وبعدها… خدعته.” “قلتُ له إن لديّ صورة له وهو بالفستان والشعر المستعار.” “ومنذ ذلك اليوم، جعلته-مجازيًا-خادمي.”
“هوهوهوهو.”
ارتسمت على وجهي ابتسامة صغيرة، بالكاد ملحوظة.
لاحظتها.
ثم استدارتُ ببطء إلى الجهة الأخرى، وسحبت الغطاء .
“والآن…” قالتُ بنبرة هادئة. “نامي.”
“غدًا لدينا أكاديمية.”
أغمضتُ عينيّ… ونمت.
في صباح اليوم التالي، كان هذا أول يوم لي في الأكاديمية.
استيقظتُ مبكرًا، وكأن جسدي قرر ألا يمنحني فرصة للتراجع. تناولتُ الإفطار مع إليسا بصمتٍ مريح، دون أسئلة أو ذكريات إضافية، ثم توجهنا إلى غرفتها.
بدأت سوزي بتحضير زيّ الأكاديمية. كان عبارة عن فستانٍ طويلٍ قليلًا، تعلوه سترة قصيرة، بلونٍ أزرق هادئ تتخلله خطوط بيضاء، وبنطال تحته يمنح الزي طابعًا عمليًا.
وقفتُ ثابتة بينما كانت ترتّب كل شيء، ثم صفّفت شعري على هيئة ذيل حصان مشدود، بسيط، بلا زينة.
عندما انتهيتُ وكنتُ على وشك المغادرة، اقتربتُ من سوزي. انحنيتُ قليلًا، وهمستُ بصوتٍ منخفض:
“حسابكِ… ستحصلين عليه قريبًا.” “فقط عندما أتفرغ.”
ارتعشت. لم ترفع رأسها.
غادرتُ الغرفة.
في الممر، التقيتُ بإليسا، فنزلنا معًا.
خرجنا إلى العربة. كانت فيكتوريا بالداخل، وأوسكار يقف بجوارها.
أسوأ شخصين يمكن أن أبدأ بهما يومي.
صعدت إليسا أولًا، ولحسن الحظ… لم يتكلم أوسكار.
وعندما هممتُ بالصعود، جاء صوتٌ من خلفي:
“إليسا-! أوريانا-!”
التفتُّ.
كان نيركاس… يجري نحونا بسرعة، ممسكًا بيد أبي، في مشهدٍ أعرف أنني لن أنساه ما حييت.
“هاي، أوريانا! خذي!”
أخرج قلادةً جميلة، ووضعها حول عنقي بنفسه.
“اشتريتها أمس لكِ.” “أتمنى أن تعجبك.”
لم أتحرك. فقط شعرتُ ببرودة المعدن، ودفءٍ غريبٍ في صدري.
مدّ يده من نافذة العربة.
“وأنتِ أيضًا، إليسا.”
“شكرًا، أبي!”
ثم اتجه إلى أبي… وبدأ يدفعه بمرح.
“والآن دورك يا إدوارد!”
“توقف عن دفعي.”
“هيا، لا تخجل!”
تقدّم خطوة.
“توقف عن هذه الحركات الطفولية.”
ابتسم ، ثم اقترب مني فجأة، ووضع شيئًا في شعري.
لمستُه… كان دبوس شعر.
شعرتُ بدفءٍ لطيف، غير مألوف.
“…شكرًا لك.”
تنحنح أوسكار.
“أحم أحم… وماذا عن فيكتوريا؟”
“بالطبع!” قال ابي بهدوء.
ناول أبي دبوسًا آخر، وأعطاه لفيكتوريا من نافذة العربة.
لكن عمي… لم يعطها شيئًا.
دخلتُ العربة.
وبعد لحظات، جاء ليونارد مسرعًا.
“آسف على التأخير!”
دخل، وانطلقت العربة بسرعة.
كان ليونارد لا يزال واقفًا للحظة قبل أن يجلس.
“انهضي يا إليسا.”
“لماذا؟”
“لأنني أريد الجلوس بجانب أوريانا.”
“لا أريد.” قالتها ببرود متحدٍ. “أجبرني إن كنتَ تستطيع.”
“أنتِ-“
“توقفا عن الشجار.”
قلتُها دون أن أنظر إليهما.
“إليسا، تحركي قليلًا.”
تحركت إليسا… وتحركتُ معها.
“والآن، اجلس هنا… في الجهة الأخرى.”
جلس ليونارد أخيرًا.
تحركت العربة، ومعها بدأ يومي الأول في الأكاديمية… يومٌ أعلم، في أعماقي، أنه لن يكون عاديًا على الإطلاق.
_______________________________________ اظن انتوا لاحظتوا ان اسلوب تغير بحيث اني بدات اقلل من الوصف العميق ووصف الحركات وهكذا ف ايه اللي عجبكم اكتر ده ولا الوصف العميق
التعليقات لهذا الفصل " 48"
اهلا بعودتك
في كل الحالات رواياتك تدخل القلب
تحمست 😊