سبحان الله وبحمده 🌿 سبحان الله العظيم ✨ لا تجعلوا قراءة الروايات 📖💕 تلهيكم عن الصلاة 🕋 وعن ممارسة الشعائر الدينية 🤲🌸 ⊱───────── {.⋅ ✯ ⋅.} ───────── ⊰
مرّ ذلك اليوم الممطر… رغم أنني دعوت ليونارد لتدفئة أنفسنا وتناول شيء ساخن، إلا أن الغرفة ظلت غارقة في صمت ثقيل. لم ينطق أحدنا بكلمة. لا أنا، ولا هو.
كانت فناجين الشاي بيننا تبرد ببطء، مثل التوتر الذي كان يملأ الهواء. نظراته كانت تمر عليّ أحيانًا، ثم يشيح بوجهه، وأنا أتشبث ببرودي كدرع أخير. ومرّ ذلك اليوم… كأنه لم يكن.
ثم جاء اليوم الذي بعده. هو أيضًا مرّ بلا أي شيء يُذكر. كأنه فراغ بين نبضتين، هدوء مخيف يسبق الكارثة.
واليوم… اليوم هو اليوم الثالث. اليوم الذي سيظهر فيه الوحش.
كنت أقف أمام المرآة في غرفتي، أحدّق في انعكاسي. ملامحي كانت متوترة، عيناي غائرتين قليلًا، وكأنني لم أنم منذ أيام. طوال اليومين الفائتين، لم تفارقني الأحلام. أحلام دموية، مشوهة، مليئة بصور ليونارد وهو يحتضر… وهو يمد يده نحوي… وهو يخنقني لأنه يعتبرني سبب موته.
كلما أغمضت عيني، رأيته. وكلما فتحتهما، ظل الشعور بالذنب يضغط على صدري.
عليّ أن أتماسك. لم يحدث شيء بعد. ما زلت أستطيع منعه.
وإن لم أستطع… فأنا مستعدة للموت مقابل ألا يحدث هذا مرة أخرى.
حين جاء وقت العشاء، فعلت شيئًا لم أفعله منذ زمن. نزلت إلى غرفة الطعام لأتناول الطعام مع الجميع.
جلست على الكرسي، ظهري مستقيم، يداي فوق حجري. أصوات الملاعق، همسات الخدم، حركة الأطباق… كلها بدت بعيدة، كأنني أنظر إلى المشهد من خلف زجاج. نظري كان يعود إلى ليونارد بين حين وآخر دون وعي مني. كان هناك… حيًّا. وهذا وحده كان كافيًا ليجعل قلبي ينبض بسرعة.
بعد أن انتهى العشاء، رفعت رأسي وتكلمت بهدوء: “أرغب بتناول الشاي بعد الطعام.”
ثم أضفت بنفس النبرة المتماسكة: “سأحضره أنا، وأقوم بتقديمه.”
تحركتُ بهدوء، خطواتي محسوبة، كأنني أسير فوق جليد رقيق. في المطبخ، أخرجت الأكواب، ويدي لم ترتجف رغم كل شيء.
حين جاء وقت تحضير كوب ليونارد… أخرجت مسحوق نبات قمع الثعلب.
حركتي كانت بطيئة، دقيقة، عيني تراقبان المكان من حولي. وضعت المسحوق في كوبه بحذر شديد، كما لو كنت أتعامل مع شيء يمكن أن ينفجر إن أخطأت.
حرصت ألا يلاحظ أحد. لا نظرة خادم. ولا حركة في الخلفية.
وفي تلك اللحظة، وأنا أرفع الكوب بهدوء، كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط: هذا اليوم… لن يمر بسلام.
قلتُ لإحدى الخادمات أن تُحضِر أكواب الشاي. صوتي خرج ثابتًا، أكثر ثباتًا مما شعرت به في داخلي.
سرنا جميعًا إلى غرفة الطعام. خطواتي كانت هادئة، لكن قلبي كان يضرب في صدري كطبول حرب.
وضعتُ كوب ليونارد أمامه بيدي. راقبتُ البخار وهو يتصاعد من السائل، كأنه روح صغيرة تتلاشى في الهواء. ثم وضعتُ باقي الأكواب أمام الجميع واحدًا تلو الآخر، وكأنني أرتّب مسرحًا لشيء لن يراه أحد.
أوسكار كان ينظر إليّ بازدراء كعادته. نظرة حادة، مشحونة بالكره القديم. لكن فجأة… أشاح بنظره بعيدًا.
توقف جزء مني عند هذه الحركة. لماذا؟
في الجهة الأخرى من الطاولة، كان الدوق ينظر إلى أوسكار. نظرة لم تكن عادية. كانت باردة، حادة، ومخيفة… نظرة تحذير صامت، كأنها تقول: توقف عند هذا الحد.
جلستُ في مكاني. ظهري مستقيم، يداي حول فنجاني.
بدأنا نشرب الشاي. طعم الدفء مرّ في حلقي دون أن أشعر به فعلًا.
مرّ بعض الوقت.
ليونارد وأوسكار كانا يتحدثان مع الدوق في شؤون الدوقية. أصواتهم كانت رسمية، ثقيلة. فيكتوريا بدأت تتكلم، تبتسم بلطف مصطنع، تحاول ملء الجو بالحياة.
أما أنا… كنت جالسة بصمت. أنظر إلى فنجان ليونارد. أعدّ الدقائق في رأسي. أنتظر.
وفجأة…
رأيتُها.
حركة صغيرة في يده. تشنج خفيف في أصابعه. ثم توقّف.
ليونارد حاول أن يخفي الأمر. شدّ كتفيه قليلًا، حرّك ذراعيه كأن لا شيء حدث، لكن جسده خانه. يداه لم تتحركا كما يجب.
عرفتُ فورًا. المسحوق بدأ يعمل.
شيء في صدري انقبض. ذنب خافت، حارق، حاول أن يشق طريقي.
لكنني أجبرته على الصمت.
هذا أفضل من موته.
وضع ليونارد يديه على عينيه. حركهما بصعوبة واضحة، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيلاً عليه. بدأت أصابعه ترتعش ارتعاشًا خفيفًا لكنه غير طبيعي.
الدوق لاحظ ذلك فورًا. اعتدل في جلسته، وصوته خرج مشدودًا رغم محاولته الحفاظ على هدوئه:
“ليونارد… هل أنت بخير؟”
خفض ليونارد يديه ببطء. رمش عدة مرات، حدّق في الفراغ أمامه وكأنه يحاول أن يثبت صورة تهرب منه.
“لا أعلم… أشعر بأن رؤيتي ضبابية.” توقف لحظة، ثم أضاف وكأنه يطمئن نفسه قبل الجميع: “أنا بخير، فقط أحتاج إلى الراحة قليلًا.”
نهض ليونارد. وما إن وقف حتى خانته قدماه.
رأيت ذلك في اللحظة نفسها. تذبذب جسده، مال إلى الأمام، فقد توازنه… ومن دون تفكير، كنت أنا الشخص الذي أمسك به.
وضعت يدي حول ذراعه بسرعة، أسندت جسده قبل أن يسقط. شعرت بثقله، بثقل جسد يحاول التماسك لكنه لم يعد يطيعه.
في تلك اللحظة، نهض أوسكار وفيكتوريا معًا. القلق كان واضحًا على ملامحهما. حتى الدوق، رغم بروده المعتاد، لم يستطع إخفاء اضطرابه؛ كنت أراه في تصلب كتفيه، في قبضته المشدودة على حافة الطاولة.
“ليونارد، ما الذي يحدث؟”
“أنا بخير، أبي.” صوته كان أضعف مما اعتاد. “فقط أشعر ببعض الدوار.”
حاول أن يبتعد عني، أن يسحب ذراعه ليستند إلى كرسي قريب. لكن خطواته كانت ثقيلة، غير مستقرة. الإعياء كان واضحًا عليه، مهما حاول إنكاره.
“سأذهب فقط للراحة في غرفتي.”
اقتربت خطوة، وثبّتُه أكثر. قلت بهدوء عملي، وكأن الأمر بديهي:
“أعطني يدك. اسندها على كتفي.”
نظر إليّ ليونارد. نظرة قصيرة، متفحصة.
كانت نظرتي إليه باردة، بلا مشاعر ظاهرة. البرود الذي أعرفه جيدًا… الذي أختبئ خلفه.
“هل ستبقي هكذا طويلًا؟” قالتها بنبرة خفيفة، لكنها لم تكن خالية من التساؤل.
لم يرد.
وضع ليونارد ذراعه على كتفي، واستند عليّ. شعرت بحرارة جسده، بثقله، وبالارتجافة الخفيفة التي لم يستطع السيطرة عليها.
“انتظري، أوريانا.” تدخل الدوق بسرعة. “دعيني أنا أفعل ذلك… أو أوسكار.”
رفعت نظري إليه بثبات.
“لا بأس، أبي. الأمر ليس صعبًا. أستطيع فعلها.”
صمت الدوق لحظة، ثم قال بنبرة حازمة لكنها قلقة:
“حسنًا… سأأتي معكما، وسأحضر الطبيب.”
في تلك اللحظة، تكلم ليونارد بسرعة، وكأنه لا يريد أن يتضخم الأمر:
“لا داعي.” تنفس ببطء. “الأمر بسيط… فقط أحتاج إلى بعض الراحة، وسأعود لطبيعتي.”
توجهنا إلى غرفته. كانت خطواته بطيئة، غير متناسقة، وكل ثقل جسده كان معتمدًا عليّ. ما إن وصلنا حتى أسندته إلى السرير، جلستُه ببطء وكأنني أخشى أن ينكسر بين يدي.
بدا متعبًا للغاية. أنفاسه كانت أعمق من اللازم، غير منتظمة. حرارة جسده بدأت بالارتفاع، ورأيت الاحمرار يتسلل إلى وجهه تدريجيًا، لون غريب لا يشبه الإرهاق العادي.
دخلت إحدى الخادمات بأمر من الدوق لتتأكد إن كان يحتاج شيئًا. نظرتُ إليها وقلت بهدوء ثابت:
“أحضري ماءً… وقطعة قماش.”
عادت بعد قليل، وحين همّت أن تبدأ، رفع ليونارد يده بضعف ليمنعها. قبل أن تتكلم، كنت قد شمّرت فستاني دون وعي، حركة تلقائية، وكأن جسدي يعرف ما يجب فعله قبل أن أفكر.
أخذت القماشة من يدها، غمستها في الماء، عصرتها ببطء، ثم وضعتها على رأس ليونارد. نظرت إلى الخادمة مرة أخرى، وأمرتُها بالمغادرة.
غادرت.
ساد الصمت.
بعد لحظات، تحرك ليونارد قليلًا. جفونه ارتعشت، كأن فتح عينيه أصبح مهمة شاقة عليه. نظر إليّ بصعوبة، صوته خرج خافتًا، مبحوحًا:
“لا بأس… يمكنكِ المغادرة الآن. أنا بخير.”
لم أجب.
رفعت القماشة، ثم وضعتها هذه المرة على فمه. نظرت إليه ببرود مقصود، ذلك البرود الذي أتمسك به كي لا أنهار.
“آسفة… يبدو أنني أخطأت مكان وضعها.” توقفت لحظة، ثم أضفت ببرود أكثر حدة: “لكن ليتك تريحني بصمتك.”
لم يعترض. لم يستطع.
مرت ساعات قليلة. حينها كانت الساعة تقترب من الثامنة.
كنت أعرف. هذا هو الوقت.
رغم أنني أعددت كل شيء… رغم أن الخطة كانت واضحة في عقلي… إلا أن يدي كانت ترتجف دون أن أشعر.
كنت جالسة، ثابتة ظاهريًا، لكن داخلي كان في فوضى كاملة. الخوف لم يكن فكرة، كان إحساسًا خامًا يضغط على صدري. صورة ذلك الوحش… شكل جسده… الدم… وجثة ليونارد في المرة السابقة…
كلها تطاردني.
حتى مارسلين لم تأتِ. كنت وحدي.
نظرت إلى ليونارد. كان نائمًا أمامي، ملامحه متعبة، أنفاسه ثقيلة. هذا الجسد… هذا الشخص… إن مت مرة أخرى، فلن أحتمل.
مر وقت قصير.
ثم شعرت به.
ليس صوتًا… ولا حركة… بل إحساس بارد، زاحف.
ظهر الضباب الأسود.
في البداية كان خفيفًا، بالكاد يُرى، ثم بدأ يتكاثف، يلتف، يتجمع بوتيرة متسارعة. كنت أراه يتشكل، يتخذ حجمًا، وجودًا.
نهضت من الكرسي بسرعة. تراجعت للخلف خطوة، ثم أخرى. قلبي كان يدق بعنف، لكن جسدي تحرك بعقلانية باردة.
مددت يدي أمامي، جسدي كله متوتر، ليس للدفاع عن نفسي…
بل لأمنع أي شيء من الوصول إلى ليونارد الذي كان خلفي.
وضعتُ يدي على الجيب الذي أخفيتُ فيه القنبلة التي صنعتها. كانت أصابعي ترتجف، لكن قبضتي لم ترتخِ.
اكتمل تشكّل الوحش أمامي. لم يعد مجرد ضباب. كان كيانًا مشوهًا، كثيفًا، حدوده غير مستقرة، لكن حضوره… خانق. حين رفع رأسه ونظر إليّ، شعرتُ أن شيئًا باردًا اخترق صدري مباشرة.
الرعب لم يكن صرخة. كان شللًا.
دفعتُه بعيدًا عني بالقوة الوحيدة التي لم تخذلني. فعلتُ التعويذة بسرعة، حركات يدي حادة، دقيقة، وكأن جسدي حفظها عن ظهر قلب. درع حماية تشكّل حول ليونارد، شفاف، باهت الضوء، لكنه ثابت.
ثم اندفع الوحش.
لم يهاجمني.
تجاهلني تمامًا.
كان يتحرك بخط مستقيم نحو ليونارد، وكأن وجودي غير مهم. هنا أدركتُ شيئًا مرعبًا: هذا الكائن لا يتحرك بغريزة. كان لديه هدف. وكان ذلك الهدف… ليونارد.
حاولتُ استفزازه. رفعت صوتي. تحركت أمامه. لكن بلا فائدة.
أمسكتُ مزهرية كانت قريبة، شعرت بثقلها في يدي، ثم قذفتها بكل ما لدي. تحطمت على جسده، وانفجرت شظاياها في الهواء.
عندها فقط… نظر إليّ.
نظرة جعلت ساقيّ تضعفان.
بدأ يتحرك نحوي بسرعة غير طبيعية. ركضت.
ابتعدت عن ليونارد عمدًا، خطواتي سريعة، غير منتظمة، حتى وصلت قرب النافذة. كان قلبي يدق بعنف، أنفاسي قصيرة، لكن عقلي كان صافيًا بشكل مخيف.
حين اقترب أكثر… ألقيت القنبلة.
ثم اندفعت للخلف فورًا.
درجة الحرارة ارتفعت فجأة، موجة حارقة كادت تلتهم الهواء. شعرت بجلدي يلسع، وكأن النار تمر بجواري لا تمسني. كنت حريصة أن أكون على بعد مترين كاملين من ليونارد.
الضوء انفجر. سطع… ثم بدأ يتلاشى.
وقفتُ ألهث. صدري يرتفع وينخفض بقوة.
انتهى، أليس كذلك؟
لكن—
حين اختفى الضوء…
كان لا يزال واقفًا.
تجمدتُ في مكاني.
مستحيل. هل… فشلت؟
في تلك اللحظة، فتح ليونارد عينيه. صوت الانفجار أيقظه. حاول أن يتحرك، أن ينهض، لكن جسده لم يستجب.
كنت واقفة، غير قادرة على الحركة، الخوف ثبت قدميّ في الأرض.
ثم— صوت طرق عنيف على الباب.
الحراس.
الطرق كان عاليًا، متتابعًا، حقيقيًا.
تنفسّتُ أخيرًا.
نجحت.
تذكرتُ حينها الرسالة. حين سلّمتُ الفارس نيكولاس ورقة صغيرة، طلبتُ منه أن ينتظرني تحت النافذة، عند الشجرة في الحديقة السفلية. قلتُ له إنني أريد الاعتراف له بمشاعري. كذبة… لكنها محسوبة.
كنت قد رأيته أكثر من مرة مع الدوق. كنت متأكدة من نفوذه.
كان ذلك جزءًا من الخطة. وجوده هناك يعني حركة. يعني شهودًا. يعني لو حدث شئ سيره ويسرع الي هنا .
نظرتُ إلى النافذة.
كانت مكسورة.
ارتخى صدري قليلًا. كنت خائفة أن تكون محمية بسحر… أن لا تنكسر.
لكنها انكسرت.
كل شيء… سار كما خططتُ له.
لكن الحراس… لم يستطيعوا الدخول.
رأيتهم من طرف عيني، محاولاتهم، أيديهم تضرب الباب، أصواتهم المكتومة خلف السحر الذي كان يعزل الغرفة كقبر مغلق. السحر لم يتزحزح. لم يتصدّع.
وفي تلك اللحظة… تحرك الوحش.
اقترب.
خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتجعل صدري ينهار من الداخل. شعرتُ بالعجز لأول مرة منذ عدت. ذلك الإحساس الذي لا يملك فيه العقل حلًا، ولا الجسد طاقة للهروب.
بدأت دموعي تنهمر على خدي دون إذن. لم أبكِ بصوت. كانت دموعًا صامتة، ثقيلة، تنزل لأن الجسد لم يعد يحتمل.
كنت واقفة، يداي مرتخيتان على جانبي، لا أستطيع حتى رفعهما. كل شجاعتي… تكسّرت.
ثم—
توقف.
الوحش توقف فجأة.
لا صوت. لا هجوم. لا تحذير.
وقف في مكانه، كأن شيئًا ما قطعه من الداخل، ثم بدأ يتلاشى، جسده يتفكك إلى ضباب أسود، يتبدد في الهواء وكأنه لم يكن موجودًا من الأساس.
حدقتُ أمامي غير مصدّقة.
ومع اختفائه… انهار جسدي.
قوتي سُحبت دفعة واحدة، ساقاي لم تعودا تحملانني، شعرت بدوار حاد، وبراحة مفاجئة مؤلمة، كأن الخطر اختفى فجأة لكن أثره بقي محفورًا في الأعصاب.
في اللحظة نفسها… انكسر السحر.
اندفع الباب.
دخل الحراس أولًا، ثم الدوق، وأوسكار، وفيكتوريا. الغرفة امتلأت بالحركة والأصوات، لكنني كنت في عالم آخر.
الدوق كان أول من رآني.
ملامحه التي اعتدت برودها… اختفت. جلس بجواري فورًا، دون تردد، ركع ليكون في مستواي، نظر إليّ بعينين مليئتين بالقلق الحقيقي.
قال بصوت منخفض، ثابت، لكنه مشحون:
“هل أنتِ بخير يا أوريانا؟ ما الذي يؤلمك؟ ماذا جرى؟”
ثم تحولت نظراته إلى ليونارد.
كان ليونارد متعبًا للغاية، جسده مثقل، حركاته بطيئة، وقد جلس على السرير بصعوبة واضحة، كأن كل حركة تسحب منه ما تبقى من قوته.
حين لاحظ الدوق ارتجافي، والخوف الذي لم أستطع إخفاءه… لم يسأل أكثر.
مد يديه نحوي، وحملني من الأرض بحذر شديد، كما لو كان يخشى أن أنكسر بين ذراعيه. شعرت بذراعيه الثابتتين، بالدفء، بالأمان المؤقت.
وضعني على السرير… بجوار ليونارد.
ليونارد، رغم تعبه، تحرك فورًا. مد يده المرتجفة، وسحب الغطاء ليغطيّني معه، حركة بسيطة، لكنها جعلت صدري يضيق بطريقة مؤلمة.
وقف الدوق أمامنا، نظر إليّ، ثم ابتسم ابتسامة لطيفة، حنونة على غير عادته.
قال بهدوء:
“لا تقلقي. سأهتم بما جرى، وسأتحرى عنه بنفسي.”
ثم أضاف، بنبرة أب أرهقه الخوف:
“وعندما تجدين نفسكِ مستعدة لشرح ما حدث… أخبريني. لا تضغطي على نفسكِ الآن.”
لم أجب.
لكن لأول مرة… شعرت أنني لست وحدي في هذه الغرفة.
بدأ الدوق يتحرك بسرعة وحزم، كأن القلق تحوّل داخله إلى أوامر واضحة. أمّن أبواب القصر بنفسه، شدّد الحراسة، وأمر بوضع حراس ثابتين أمام الغرفة. ثم أرسل في طلب الطبيب لي… وليونارد.
أوسكار وفيكتوريا لم يبرحا مكانهما. كان وجودهما صامتًا، ثقيلًا، يملأ الغرفة بترقّب غير معلن.
عندما وصل الطبيب، فحصنا بدقة. أصابعي كانت باردة تحت يده، وجسدي ما زال متصلبًا رغم زوال الخطر. أما ليونارد… فكان يبدو أفضل قليلًا، تنفّسه أهدأ، لون وجهه بدأ يعود تدريجيًا.
قال الطبيب بعد أن أنهى فحصه، بنبرة مطمئنة:
“يبدو أن الكبد قد تخلّص من سموم نبات قمع الثعلب.”
تناولتُ الأدوية بصمت. راقبت ليونارد من طرف عيني… كان واضحًا أن جسده بدأ يستعيد نفسه ببطء، وكأن الحياة تعود إليه على استحياء.
مرّ بعض الوقت. ليونارد عاد أقرب لطبيعته، صوته أصبح أوضح، حركاته أقل ثقلًا.
عندها فقط… أردت المغادرة.
تحركت بهدوء، حاولت النهوض من السرير، لكن قبل أن أبتعد— أمسك ليونارد بيدي.
قبضته لم تكن قوية، لكنها كانت مصرّة. شدّني نحوه، وأعادني لأجلس مجددًا، نظر إليّ بنظرة لا تقبل نقاشًا.
كنت على وشك الاعتراض… لكن صوت أوسكار سبقني.
قال بنبرة مشحونة، لا تخلو من الشك:
“لماذا تريدين الخروج من هنا بهذه السرعة؟ أم أنكِ فعلتِ شيئًا ما؟”
التفتُّ إليه.
وفي تلك اللحظة… ظهر الغضب على ملامحي بوضوح.
“ماذا؟”
قالتها بحدّة.
“ماذا تقصدين بماذا؟ اسمعيني جيدًا… أخبريني بكل صراحة، ما الذي تقصدينه بهذه الحركة؟”
شعرت بتوتر يسري في أطرافي.
“أي حركة؟”
لم يبتعد بنظره عني، صوته ازداد حدّة:
“لا تدّعي الغباء. أنتِ لا تهتمين لأحد… فلماذا أصريتِ على البقاء مع ليونارد عندما مرض؟”
تقدّم خطوة.
“هذا غريب. ثم إن ليونارد مرض بعد أن أعطيته الشاي… أليس هذا غريبًا؟”
قلبي انقبض.
“ولم يظهر ظل أي إنسان غريب هنا إلى أن—”
توقّف لحظة، ثم قالها بوضوح جارح:
“هل تعمّدتِ فعل هذا؟ لكي تجذبي الانتباه؟ وتجعلي الجميع يحبكِ… ويتعاطف معكِ؟”
الكلمات سقطت عليّ كصفعة.
في تلك اللحظة… لم أعد أستطيع الصمت.
شيء ما انكسر داخلي. سئمت.
سئمت من الاتهام. سئمت من النظرات. سئمت من كوني دائمًا موضع شك.
رفعت رأسي. ونظرت إليه بثبات لم يكن موجودًا قبل لحظات.
هذه المرة… لن أسكت.
لكن… قبل أن أتمكن من النطق بأي كلمة—
نهض ليونارد من على السرير.
حركته كانت مفاجئة. لم تكن بطيئة كمن ما زال متعبًا، ولا متزنة كعادته الهادئة. كان هناك شيء حاد في الطريقة التي استقام بها، شيء يشبه الكبت حين ينفجر.
تقدم خطوة واحدة للأمام، ثم قال بصوت منخفض… لكنه مشحون:
“أتدري ماذا أخبرتني أورِيانا من قبل؟”
التفت بنصف جسده نحو أوسكار، كتفاه مشدودان، قبضته مشدودة.
“قالت لي أن أتوقف عن التصرّف بلطف وهدوء… لأن هذا لا يشبهني. ولأنني أبدو وكأنني أتصنّع هذا اللطف.”
ابتسامة قصيرة، بلا أي دفء، عبرت شفتيه.
“وبصراحة؟ كانت محقّة.”
رفع يده ببطء، كأنه يعدّ اعترافاته.
“كنت أكابر. واستمررت في مسرحية أنني اللطيف… الهادئ… المتفهّم.”
ثم نظر مباشرة إلى أوسكار، نظرة صافية لكنها مليئة بالغضب.
“لكنني لم أعد أحتمل. خصوصًا… مع أشخاص مثلك.”
فرقع أصابعه.
الصوت كان واضحًا في الغرفة الصامتة، حادًا كإنذار.
ملامحه كانت مبتسمة… لكن عينيه؟ غاضبتان بشدّة.
وفجأة— مدّ يده، وأمسك أوسكار من أذنه بقوة.
“هاه—! ما الذي تفعله يا ليونارد؟!”
سحبَه خطوة واحدة، بلا تردد.
“فقط آخذك في رحلة قصيرة للبحث عن دماغك، لأنه… يبدو أنه هرب منك.”
شدّه وهو يتجه نحو باب الغرفة.
“الآن، إلى اللقاء يا أورِيانا.”
التفت نحوي لحظة، نبرته تغيّرت قليلًا، أصبحت أهدأ… حقيقية.
“ارتاحي في غرفتي. سأعيد له دماغه وأعود. وأنتِ… فقط نامي إن أردتِ.”
ثم خرجا.
الباب أُغلق خلفهما.
بقيتُ أحدّق في الفراغ.
مذهل… لم أتوقع أن يتغيّر موقفه هكذا.
كانت الفكرة تدور في رأسي ببطء، وكأنني أحاول استيعاب ما حدث للتو.
وبقيتُ وحدي.
أنا… وفيكتوريا.
رفعتُ بصري إليها.
كانت تنظر نحوي بنظرة بريئة، هادئة، خالية من أي توتر ظاهر.
قالت بلطف:
“هل أنتِ بخير الآن؟”
نظرتُ إليها ببرود، ملامحي جامدة، وصوتي بلا أي تذبذب:
“وما شأنكِ إن كنتُ بخير أم لا؟”
تبدّلت نظرتها.
لم تختفِ ابتسامتها فورًا، لكنها لم تعد كما كانت. شيء ما تشقّق فيها.
قالت بهدوء محسوب:
“اعذريني… لكن يبدو أنكِ فهمتِ سؤالي خطأ.”
تقدّمت خطوة واحدة.
“أنا لا أسألكِ عن حالتكِ الجسدية.”
نظرت إليّ مباشرة.
“بل أسألكِ… هل أنتِ بخير الآن، بعدما تغيّرتِ؟ وبعدما أصبح حبّ الجميع موجّهًا إليكِ؟ وبعدما… تحدّيتِني؟”
شعرتُ بثقل كلماتها. لكن قبل أن أجيب—
نهضت.
ابتسامتها المعتادة عادت، مصقولة، مثالية، كقناع.
“على العموم… لم آتِ إلى هنا لأجادلكِ.”
التفتت نحو الباب.
“فقط… أتمنى أن تظلي بخير.”
ثم غادرت الغرفة.
وتركتني وحدي.
مع الصمت. ومع أفكاري… التي لم تعد هادئة كما كنت أظن.
وهنا… ظهرت مارسلين.
“أوه… يبدو أنني وصلتُ متأخرة.”
كانت في شكلها الصغير، جسدها الخفيف يهبط على الأرض بهدوء غير مبرر، وكأن كل ما حدث لم يكن سوى تأخير بسيط في موعد شاي. ابتسامة هادئة ارتسمت على وجهها، لا توتر فيها، لا ذنب، لا استعجال.
“أنتِ قوية… كما هو متوقّع من أن—”
لم أترك لها فرصة لإكمال الجملة.
اندفعتُ نحوها، شددتُ أذنها بقوة، كانت أصابعي ترتجف من الغضب المكبوت.
“هل تمزحين معي؟!” صوتي خرج حادًا، متشققًا. “كدتُ أموت، وهذا كل ما لديكِ لتقوليه؟!”
شهقت بخفة، رفعت يديها بسرعة في محاولة يائسة لتهدئتي.
“آسفة، آسفة!” قالتها وهي تحاول الإفلات. “استنفذتُ كل طاقتي في مواجهة الوحوش. حاولتُ الوصول بأقصى سرعة ممكنة.”
في تلك اللحظة— قفزت إيفي على السرير.
الحركة كانت سريعة، خفيفة، ومعها انكسر شيء من التوتر في صدري.
نظرتُ إليها، وارتسمت على وجهي ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى.
“أهلًا يا إيفي.”
ثم رفعتُ بصري ببطء نحو مارسلين.
“حسنًا… لا يهم. المهم أن الأمر قد انقضى.”
ترددت لحظة، ثم أضفت، بنبرة أقل حدّة لكن أكثر حذرًا:
“لكن… هناك أمر ما، يا آنستي.”
نظرت إليّ.
“وما هو؟”
استقامت قليلًا، اختفت خفتها المعتادة.
“عندما كان ليونارد… جثة—” توقفت لحظة، كأن الكلمة نفسها ثقيلة. “شعرتُ منه بسحر… أعرفه جيدًا.”
اتسعت عيناي قليلًا.
“والآن، عندما أتيتُ… أشعر بالسحر نفسه مجددًا.”
سألتها مباشرة:
“إذًا… ما هو هذا السحر؟”
نظرت إليّ بجدية نادرة. ثم— تلاشت.
ابتسامة خفيفة، مستفزة، عادت إلى وجهها. وضعت يدها على رأسها، وكأنها تحاول التذكّر.
“لا أتذكر.”
تشنّج فكي.
“هل تتعمدين استفزازي، مارسلين؟”
ضحكت بخفة.
“أبدًا. أنا فقط… أحب أن أرى المزيد من تعابير وجهك، غير تلك الجامدة دائمًا.”
زفرتُ ببطء.
“حسنًا… لا يهم.”
ألقيتُ بجسدي على السرير، ثقل الإرهاق سحبني للأسفل بلا مقاومة.
“المهم الآن… أنني انتهيتُ من هذا الكابوس. وفعلتُ ما أردت. وأنا الآن… حقًا—”
لم أُكمل.
غرقتُ في النوم فورًا، كأن جسدي قرر الانسحاب دون إذن.
نظرت مارسلين إليّ، ثم إلى إيفي، وقالت بنبرة خفيفة:
“انظري يا إيفي… كم غرقت في النوم بسرعة.”
لكن… ملامحها تغيّرت.
اختفت الابتسامة. حلّ محلها تركيز عميق، قلق صامت.
غرقت في التفكير.
“هذا السحر… بالتأكيد لها.”
قبضت يدها ببطء.
“لكن هذا مستحيل. سيدي ختمها منذ زمن طويل.”
خفضت صوتها، وكأنها تخشى أن يسمعها الجدار.
“ثم إن السحر ضعيف… لا يشبهها.”
رفعت نظرها، عيناها ضيقتان.
“هل هناك من يقلّدها؟ أم أن هناك شيئًا آخر؟”
شدّت قبضتها أكثر.
“عليّ أن أعرف بسرعة… قبل أن يسوء الأمر.”
استيقظتُ في صباح اليوم التالي.
وما إن فتحتُ عينيّ حتى… كان وجه ليونارد أمامي مباشرة.
قريبًا بشكل مزعج. قريبًا لدرجة أن أنفاسه الدافئة لامست وجهي.
أخذتُ لحظة صامتة للاستيعاب، عقلي يحاول اللحاق بما تراه عيناي، ثم— نهضتُ فجأة، ورفعتُ يدي وصفعته على وجهه بقوة.
الصوت ارتطم بالغرفة.
انتفض ليونارد من الصدمة، فتح عينيه على اتساعهما، ورفع يده إلى خده وهو ينهض نصف نهوضة.
“ما الذي تفعلينه؟!” قالها بغضب حاد، صوته مبحوح من النوم.
اعتدلتُ في جلستي، قلبي ينبض بسرعة، ونظرتُ إليه بحدّة.
“ما الذي أفعله أنا؟!” “أليس من المفترض أن يكون السؤال لك؟!” “ما الذي تفعله بالنوم بجواري على السرير؟!”
نظر إليّ للحظة، ثم زمّ شفتيه، وكأن الأمر سخيف في نظره.
“سرير مَن؟” قالها وهو يشير بيده حوله. “هذه غرفتي. أنتِ التي تنامين في غرفتي.”
وهنا— استوعبت.
البارحة… أنا نمت في غرفته.
توقفتُ لحظة، ثم رفعتُ رأسي بعناد واضح.
“حتى لو كان هذا صحيحًا،” “أليس من المفترض أن تراعي خصوصيتي؟!” “ثم إن القصر مليء بالغرف، كان بإمكانك النوم في أي مكان آخر!”
التعليقات لهذا الفصل " 47"