كنتُ جالسة على ركبتيّ، جسدي منكمش على نفسه بلا وعي، ووجهي مدفون في السرير، أصابعي مشدودة بقوة في ملاءة السرير وكأنها الشيء الوحيد الذي يمنعني من الانهيار الكامل. وظللت أبكي… بكاءً صامتًا في بدايته، ثم متقطعًا، ثم خانني صدري وتحول إلى نحيبٍ ثقيل.
كان الأمر مؤلمًا. ألمًا لا يمكن شرحه، ولا يمكن أن يشعر به أحد سواي. أن تكون سبب موت شخص ما… هذا ليس ذنبًا فقط، بل ثقلٌ يسحق الروح ببطء، كأنك تُدفن حيًّا داخل نفسك.
لم أفهم. لم أستطع أن أفهم.
لماذا؟ لماذا؟ لماذا عليّ الاحتمال؟
ما الخطأ الذي ارتكبته في حياتي، في أي حياة من حياتي، لكي يتحول كل شيء إلى جحيمٍ خالص هكذا؟ لماذا كل طريق أسلكه ينتهي بالفقد؟ لماذا كل من يقترب… يُنتزع؟
وبينما كنت أبكي، شعرت بشيءٍ مختلف.
دفء بارد. نور لا يؤلم العين، لكنه يُربك القلب.
ظهر ضوء أزرق… شعرت به قبل أن أراه. هذا الضوء… أنا أعرفه.
رفعت رأسي ببطء، حركة ثقيلة كأن رقبتي تحمل وزن العالم كله، وإذا بها أمامي.
مارسلين.
شعرها الأزرق ينساب بهدوء غير واقعي، وعيناها السوداوان ثابتتان عليّ، لا تحملان دهشة ولا شفقة، بل معرفة صامتة. كانت في هذه المرة في شكلها البشري الشفاف، جسدها يبدو كأنه انعكاس ضوء أكثر منه وجودًا حقيقيًا.
نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت بهدوء اخترقني أكثر من أي صراخ:
“انظري إلى عينيك… احمرّتا بشكل كبير.”
توقفت أنفاسي للحظة. لم أستطع الرد. لم أرد أن يراني أحد هكذا… منكسرة، ضعيفة، عارية من برودي الذي اعتدت الاحتماء به.
حاولت أن أرفع وجهي، أن أُعيد ملامحي إلى قناعها المعتاد. وبالفعل، حين نظرت إليها، عاد البرود إلى وجهي… عاد الشكل الذي يعرفه الجميع. لكن عينيّ خانتاني. احمرارهما، أثر الدموع، الرجفة الخفيفة في جفوني… كل ذلك فضحني.
لحظة إدراكٍ باردة ضربتني.
مهلًا… إذا كانت مارسلين هنا، إذًا—
“إيفي.”
خرج اسمها من شفتيّ دون تفكير، دون ترتيب، كأنه انزلق من أعماقي.
تحركت مارسلين خطوة جانبية، وكانت إيفي خلفها.
جسد صغير، هادئ، عينان تلمعان في الظل.
توقفت أفكاري عندها. هل سمعت بموت ليونارد؟ مارسلين لم تسألني عن بكائي، ولم تلتفت حتى إلى الجسد الممدد على السرير. كأنها تعلم… أو كأنها ترى ما هو أبعد من الموت نفسه.
إيفي… هي أوريانا الحقيقية.
وإن كانت تعلم بموت ليونارد، وإن كانت تعلم أنه بسببي… أي تعبير ستُبديه الآن؟
لم أستطع أن أعرف. هي قطة في هذه اللحظة، وجهها لا يشي بشيء، جسدها لا يحمل ملامح بشرية أقرأها.
وأثناء دوّامة أفكاري، تحركت إيفي نحوي. قفزت بخفة، اقتربت من وجهي، ثم لعقت جزءًا منه ببطء.
تجمدت. نظرت إليها، أنفاسي مضطربة، وقلبي يضرب بقوة غير منتظمة.
ولا أدري لماذا… ولا أدري كيف…
لكن في تلك اللحظة، رأيت صورتها البشرية.
رأيتها… وهي تبتسم.
ابتسامة هادئة، خفيفة، بلا لوم.
لم أسمع صوتًا. لكنني… شعرت بذلك.
حملتُها بين يديّ. إيفي كانت خفيفة، دفؤها الصغير يتناقض مع البرودة التي كانت تزحف في صدري. أصابعي التفّت حول جسدها بحذر، كأنني أخشى أن تختفي إن شددتُ قبضتي أكثر من اللازم.
“إيفي… أنا آسفة… حقًا.”
خرج صوتي منخفضًا، مبحوحًا، وكأنه يتكسّر قبل أن يصل إلى أذني. حاولت كتم مشاعري، حاولت ألا أبكي مجددًا، شددتُ على فكّي، حبست أنفاسي، لكن الكلمات استمرّت في الخروج رغمًا عني.
“أنا آسفة… قلت إنني سأنقذ الدوقة… لكنني لم أفعل شيئًا سوى أن جعلتُ الأمر أسوأ… والآن… ليونارد…”
لم أستطع إكمال الجملة. اسمه وحده كان كافيًا ليضغط على صدري حتى شعرت أن الهواء لا يصل.
اقتربت مارسلين بخطوات هادئة، لا صوت لها، ووضعت يدها على شعري. لم تكن لمستها دافئة، لكنها كانت ثابتة، حاضرة، وكأنها تثبتني في مكاني.
“اهدئي، سيدتي. عليكِ التماسك. لنرَ ماذا سنفعل.”
رفعت رأسي ببطء، ويدي لا تزال تحتضن إيفي.
“ماذا تقصدين… ماذا سنفعل؟”
لم تجب مباشرة. أشارت بإبهامها نحو ليونارد، جسدها مائل قليلًا نحوه، وعيناها لا تزالان عليّ.
“أقصد… علينا إنقاذه. أليس هذا ما تريدينه؟”
تصلّبت ملامحي. البرود عاد إلى وجهي تلقائيًا، ذلك القناع الذي أرتديه عندما أكون في أقصى حالات الاضطراب. لكن داخلي كان فوضى كاملة.
“أستطيع إعادتكِ بالزمن… إلى قبل ثلاثة أيام من الآن.”
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة عملية: “لذا علينا أن نُسرع، آنستي.”
اتسعت عيناي قليلًا، رغم محاولتي السيطرة على تعابيري.
“انتظري… هل تستطيعين حقًا إعادة الوقت؟”
ابتسمت. ابتسامة واسعة، ومالت برأسها جانبًا، حركة طفيفة لكنها مليئة بالثقة.
“أجل. ثقي بي.”
مدّت يدها نحوي. كفّها مفتوح، في انتظار قراري.
“لذا… هل نبدأ؟ أمسكي بيدي وسأعيدكِ.”
مددت يدي… لكن بدلًا من أن تمسك يدها، انحرفت تلقائيًا نحو ليونارد.
تقدّمت نحوه، ركعت بجانبه، نظري ثابت على الجرح، على موضع الطعنة، على الدم المتجمد.
“ماذا يحدث، سيدتي؟” سألت مارسلين.
“قبل أن نعود…” قلت ذلك وأنا أُمرر نظري عليه بتركيز بارد. “عليّ أن أكون مستعدة. يجب أن أعرف بعض الأشياء… سبب الموت، شكل الجرح، توقيت الضربة… وعليّ أيضًا إعداد خطة.”
ظهر الانزعاج على مارسلين. لم يكن صريحًا، لكنه كان واضحًا في تصلب كتفيها، وفي الزفير القصير الذي خرج منها.
“أجل… أنتِ محقة.”
قالتها، لكن نبرتها كانت مختلفة. كانت منزعجة… بل أكثر من ذلك.
في داخلها، كانت تغلي.
هذه الفتاة… تمدّ يدي إليها ثم تتركني وتذهب لذلك الرجل؟ إنها تتعمد إذلالي… لولا أنها تملك قوة أمستارا… لكنتُ قتلتها.
ناديتها بصوت مسموع، لكن أفكارها كانت أعلى.
“مارسلين، تعالي ساعديني.”
التفتت ببطء.
“مزعج.”
رفعت رأسي إليها فورًا.
“ماذا قلتِ؟”
تغيّرت ملامحها في لحظة، وعاد وجهها الهادئ المعتاد.
توقفت يدي عن الحركة. نظرت إليها ببرود مشوب بالحذر.
“وما مناسبة هذا؟”
رفعت كتفيها بلا مبالاة، ابتسامة صغيرة عند زاوية فمها.
“لا مناسبة.” ثم قالت ببساطة: “فقط… أنتِ جميلة.”
لم أرد. التفتُّ مباشرة نحو ليونارد، جسده المسجّى أمامي كان صامتًا أكثر من اللازم، صمت ثقيل، غير طبيعي.
“حسنًا… تعالي وساعديني.”
نظرت إليّ مارسلين، ثم أخرجت لسانها لي بحركة طفولية لا تناسب الموقف إطلاقًا.
“حسنًا، قادمة.”
جثوتُ بجانب ليونارد، وبدأت أُمرّر يدي على ذراعيه، على كتفيه، على عنقه. لم يكن اللمس عاطفيًا، كان فحصًا باردًا، مركزًا، كأنني أُجبر نفسي على التفكير بدل الشعور.
“ماذا تفعلين؟” سألت مارسلين وهي تراقبني.
“أبحث عن سبب الوفاة.”
لم أرفع رأسي. كنت أُدقق في كل تفصيلة، كل ملمس.
“هناك شيء لاحظته… جسد ليونارد بارد بطريقة غير طبيعية.”
اقتربت مارسلين قليلًا، انحنت تنظر.
“أليس طبيعيًا، يا آنستي، أن يبرد الجسد بعد الوفاة؟”
“أجل.” قلت ذلك بهدوء، ثم تابعت بصوت ثابت: “لكن من خلال دراستي في جامعة الطب في حياتي الأولى… في الموت الطبيعي، يفقد الجسد تقريبًا درجة مئوية واحدة كل ساعة.”
رفعت يدي قليلًا، وضعتها على صدره مرة أخرى.
“في هذا التوقيت، كان يجب أن تكون حرارة جسده فاترة على الأقل.”
سكتُّ لحظة، ثم أضفت ببرود أشد: “لكن ليونارد… متجمد تمامًا.”
تجمدت مارسلين في مكانها.
“متجمد؟”
“كأنه خرج لتوّه من مبرد.”
“مبرد؟؟”
لوّحت بيدي بلا اهتمام.
“لا تهتمي، لن تفهمي.” ثم عدتُ للشرح وكأن الأمر محاضرة لا أكثر. “المهم… برودة الجسد هنا غير طبيعية.”
بدأت أفك أزرار ملابسه.
“آنستي! ماذا تفعلين؟!”
“انظري.”
كشفتُ عن ظهره، ومررت أصابعي فوق جلده الأبيض الشاحب.
“في حالات الوفاة العادية، تظهر بقع أرجوانية على الظهر… لأن الدم يتجمع في المناطق المنخفضة بفعل الجاذبية بعد توقف القلب.”
أشرتُ بيدي إلى جلده.
“لكن جسد ليونارد… أبيض بالكامل.”
تقلّصت عينا مارسلين.
“ماذا يعني ذلك؟”
“يعني أن الدم… تجمد أو تخثر في مكانه.”
أمسكت بيده، رفعتها قليلًا.
“لون يديه الأزرق الداكن، وشفتيه أيضًا… يدل على أن الأكسجين قد سُحب من الجسد.”
سكتُّ لثانية، ثم قلت بهدوء مرعب: “الموت لم يكن بسبب النزيف.”
“إذًا بسبب ماذا؟”
“بسبب فشل خلوي.”
رفعت رأسي إليها أخيرًا.
“توقف حركة الجزيئات داخل الخلايا.”
ظهرت الحيرة الصريحة على وجهها.
“لم أفهم…”
تنفست ببطء.
“الأن بعد أن تفحصته أتذكري لحظة طعنه؟”
“الجرح لم ينزف كما يجب. الدم كان داكنًا جدًا… قريبًا من السواد، ولزجًا بشكل غير طبيعي.”
نظرتُ إلى صدري وكأنني أستعيد المشهد.
“كأنه بدأ يتجمد… وهو لا يزال داخل جسده.”
قالت بارتباك: “أنا… لا أفهم.”
“الأمر يشبه…” توقفت أبحث عن تشبيه أبسط. “يشبه البيض عندما تضعينه في ماء مغلي يتجمد… لكنه هنا حدث بالعكس.”
رفعت عينيّ إليها.
“برودة شديدة… أوقفت كل شيء.”
شهقت مارسلين بخفة. “أرجوكِ، آنستي… اختصري.” ثم قالت بصراحة طفولية: “أنا لم أفهم شيئًا.”
نظرتُ إليها للحظة قصيرة، نظرة فارغة لا تحمل انفعالًا، ثم عدتُ بنظري إلى ليونارد. مررتُ إبهامي فوق شفتيه الزرقاوين للمرة الأخيرة، بلمسة خفيفة، وكأنني أتحقق من حقيقة أعرفها مسبقًا، قبل أن أعتدل في وقفتي ببطء.
“الخلاصة؟”
مسحتُ يدي بمنديل حريري، حركة تلقائية، كأنني أتخلص من بقايا صقيع غير مرئي التصق بجلدي.
“ليونارد لم يمت لأن نصل الوحش مزّق قلبه… هذا ما قد يظنه أي طبيب أحمق في هذا العصر.”
رفعتُ عينيّ قليلًا، وصوتي كان ثابتًا على نحو مخيف.
“الحقيقة أن ذلك الكائن ليس مجرد وحش.” توقفتُ لحظة قصيرة، ثم أضفت: “إنه فراغ حراري متنقّل.”
مالت مارسلين برأسها ببطء، وعيناها اتسعتا عند سماع المصطلح، كأن الكلمة نفسها بثّت قشعريرة في الهواء.
“الخلاصة يا مارسلين…” تابعتُ، وملامحي لا تتغير، “أن الطعنة لم تكن هجومًا جسديًا، بل كانت عملية شفط.”
أشرتُ بيدي إلى صدر ليونارد، دون أن ألمسه هذه المرة.
“ذلك الوحش سحب كل الطاقة الحركية من جزيئات جسده في ثانية واحدة. سرق الحرارة—وقود الحياة ذاته.” تنفستُ بعمق، ثم أكملت: “دمه لم يتوقف لأنه نزف… بل توقف لأنه تصلّب داخل عروقه قبل أن يتمكن حتى من الخروج.”
ثبتُّ نظري على مارسلين، وصوتي انخفض أكثر:
“ليونارد لم يُقتل.” ثم صححتُ العبارة بهدوء قاسٍ: “ليونارد تجمّد من الداخل إلى الخارج… وهو لا يزال يتنفس.”
ساد صمت ثقيل.
“الموت لم يأتِ من الجرح،” قلتُ ببطء، “بل جاء من التوقف المفاجئ لكل كيمياء جسده.”
رأيتُ الرعب يتسلل إلى ملامحها، واضحًا، غير قابل للإخفاء. عندها، واصلتُ الحديث، لكن هذه المرة لم أكن أشرح—كنت أخطط.
“وهذا يعني شيئًا واحدًا.”
استدرتُ قليلًا، كأن أفكاري بدأت تصطف في رأسي.
“في المرة القادمة، لن أحتاج لضمادات، ولا لأطباء.” رفعتُ رأسي، ونبرتي أصبحت أكثر صلابة: “أحتاج لشيء يكسر هذا الفراغ.”
ثم قلتها بوضوح لا يقبل الجدل:
“أحتاج لنار كيميائية… حرارة تتجاوز قدرة ذلك الوحش على الامتصاص.”
سكتُّ لحظة، قبل أن أضيف، بصوت هادئ لكنه حاسم:
“العِلم هو سلاحي الوحيد.”
نظرتُ إلى ليونارد مرة أخيرة. لم تكن نظرة وداع، بل نظرة تثبيت… كأنني أحفر صورته في ذاكرتي حتى لا أنسى سبب ما سأفعله.
رفعتُ رأسي ببطء، ونظرتُ إلى مارسلين.
“مارسلين، عليكِ إحضار بعض الأشياء التي أريدها، واللحاق بي إلى الغرفة التي وجدنا فيها إيفي.”
مالت برأسها قليلًا، نبرتها كانت هادئة كعادتها: “حسنًا… ماذا تريدين؟”
تنفستُ بعمق، وبدأت أعدّد، صوتي ثابت، وكأنني أقرأ قائمة محفوظة مسبقًا:
“عليكِ إحضار أكبر عدد ممكن من أعواد الثقاب.” “وعليكِ إحضار سُكّر.” “وعليكِ إحضار زيت الزاج.”
توقفت لحظة، فرأيتها تعقد حاجبيها.
“ما هو زيت الزاج؟”
أجبتها دون تردد: “إنه شيء يُستعمل لتنظيف المجوهرات والمعادن. ابحثي عنه، ستجدينه بالتأكيد في القصر.”
ثم أضفت، قبل أن تسأل: “وأحضري نبات قمع الثعلب.”
رمشت مارسلين، بوضوح لم تفهم.
“ما هذا؟”
“نبات ستجدينه في الحديقة. أوراقه على شكل أجراس، ألوانه غالبًا بنفسجي ووردي وأبيض، وداخل الزهرة توجد بقع داكنة.” نظرتُ إليها بثبات: “ستتعرفين عليه فور رؤيته.”
لم تنتظر مزيدًا من الشرح. استدارت واختفت، وخلفها تركت هواءً مشحونًا بالترقّب.
أما أنا… فاتجهت مباشرة إلى الغرفة.
دخلت، وأغلقت الباب خلفي بهدوء. التقطت زجاجة عطر فارغة من على الطاولة، سكبت ما تبقى منها، ثم بدأت بغسلها بعناية، مرارًا، حتى زال أثر الرائحة تمامًا.
فتحتُ حقيبتي الصغيرة، وأخرجتُ قنينة “أرواح الشم” الخاصة بي.
“إنها زجاجة تستخدمها معظم السيدات النبيلات في هذا العصر، تحتوي على أملاح الأمونيا لإيقاظهن في حالة الإغماء.”
نظرتُ إليها لحظة، ثم أفرغتُ ما تبقى من أملاح الأمونيا خلف النافذة. غسلتُ القنينة بقطرات قليلة من الماء، واحدة تلو الأخرى، حتى اختفت الرائحة النفاذة تمامًا.
لم أكن أعمل بعجلة، ولا بتوتر. حركاتي كانت دقيقة، محسوبة… كأنني أعود إلى مختبر قديم أعرفه جيدًا.
أخذتُ قلادتي، واقتربتُ من المكان في الغرفة. فتحت المدخل، ونزلت.
وما إن وضعتُ الأشياء، وبدأتُ بترتيب كل شيء في مكانه، كانت إيفي معي. تتبعني بخطوات هادئة، تدور حولي، تلامس ساقي بذيلها بين حينٍ وآخر، وكأنها تحاول جذبي إلى الحاضر كلما غصتُ أكثر في أفكاري.
انحنيتُ قليلًا لأضع إحدى القوارير، فشعرتُ بذيلها يلتف حول معصمي. لم أبتسم… لكنني لم أُبعدها.
لم يمر وقت طويل حتى سُمِع وقع خطوات خفيفة. دخلت مارسلين، تحمل بين يديها كل ما طلبته.
“هذه هي الأشياء… ماذا ستفعلين بها؟”
لم أنظر إليها. مددتُ يدي فقط.
“أعطيني.”
بدأتُ بأخذ أعواد الثقاب واحدًا تلو الآخر. أمسكتُ بالمشرط، وحركاتي كانت بطيئة، دقيقة. قمتُ بكشط جميع الرؤوس، وأسقطتها في وعاء صغير.
وفي عقلي، كنت أُراجع كل شيء.
أعواد الثقاب تحتوي على الفسفور الأبيض… مادة نشطة جدًا. تشتعل بسهولة، وتُطلق طاقة حرارية هائلة عند تفاعلها.
بعد أن انتهيت من كشط جميع الأعواد، سكبتُ المسحوق داخل زجاجة العطر، ثم أضفتُ السكر، وحرّكت المزيج برفق.
أحضرتُ بعدها قنينة “أرواح الشم”. فتحتُها، وسكبتُ بداخلها زيت الزاج.
اسمه الحقيقي حمض الكبريتيك.
أغلقتُ القنينة بإحكام، ثم وضعتُ الأنبوب الصغير داخل القارورة الكبيرة بحذر، بحيث يحيط به المسحوق من كل جانب. بعدها، أغلقتُ القارورة الكبيرة بسدادة فلينية.
استقمتُ ببطء.
“انتهيت.”
ساد صمت قصير… ثم بدأت مارسلين بالتصفيق بيديها، بعفوية صاخبة لا تناسب ما أمامها.
“مذهل! مذهل! أنتِ مذهلة! لكن… ما هذا بالضبط؟”
أدرتُ وجهي نحوها، نبرتي كانت هادئة، خالية من أي انفعال.
“لقد استنتجنا أن الوحش هو فراغ حراري. لذا، هذا الشيء سينفجر عندما يختلط زيت الزاج مع الفسفور والسكر.”
تقدمت خطوة، وكأنني أشرح معادلة بديهية:
“حمض الكبريتيك سينزع الماء من السكر، مولدًا حرارة هائلة في زمن قصير جدًا.”
ثم أضفت، بصوت أخفض:
“سيحدث الآتي… الوحش سيحاول امتصاص حرارة الانفجار كعادته، لكن كمية الطاقة المنبعثة من الفسفور في ثانية واحدة ستتجاوز قدرته على الاستيعاب.”
رفعتُ عينيّ إليها مباشرة.
“مما سيؤدي إلى انفجاره.”
اتسعت عينا مارسلين.
“أوه… مذهل. هذه تفعل كل هذا؟”
“أجل.”
ترددت لحظة، ثم سألت:
“لكن… ماذا عن ذلك النبات؟ فيما ستستعملينه؟”
التفتُّ إلى الطاولة، التقطتُ ورقة النبات بين أصابعي.
“آه… ذلك؟” سكتُّ للحظة قصيرة. “إنه نبات سام.”
رفعتُ عينيّ ببرود.
“سأعطيه لليونارد.”
ساد الصمت.
“أجل… ستعطيه له…؟”
تلعثمت، صوتها خرج مكسورًا: “م–ماذا؟!”
اقتربت خطوة، نبرتها ارتفعت: “هل تنوين قتله؟! إذا كان هذا ما تريدينه، فلماذا نفعل كل هذا؟!”
تقدمت قليلاً، وقطفت ورقة صغيرة من النبات بين أصابعي. النبات كان يبدو عادياً، لكنه في داخله يحمل قدرة غريبة…
“هذا النبات لا يقتل بالسمية التقليدية، بل يقتل عن طريق التحكم في كهرباء القلب…” قلتُ وأنا أراقب عيني مارسلين تتسع من الدهشة.
إبطاء النبض: المادة الموجودة فيه تبطئ انتقال الإشارات الكهربائية بين أذيني القلب وبطينيه… وهذا بالضبط ما أحتاجه: أن أجعل ليونارد في حالة خمول تام.
زيادة قوة الانقباض: رغم أن النبض يصبح أبطأ، إلا أن كل دقة قلب تصبح قوية جداً ومجهدة للجسد، فتجعل الشخص يشعر بثقل وتعب شديد عند أي حركة.
بدأت أهرس الورقة ببطء، أستخرج العصارة بعناية. وضعتها في سائل دافئ… ليس ساخناً للغاية، لأن الحرارة العالية قد تدمر مادة “الديجوكسين”. بعد مرور دقائق، تحولت العصارة إلى سائل أخضر شفاف، عديم الرائحة، لكنه يحمل مرارة دقيقة تخترق الحواس.
تقدمت مارسلين بفضول، وسألت: “الآن انتهينا من كل شيء… آنستي، لم تخبريني لماذا ستعطي ليونارد نباتاً ساماً؟”
ابتسمت ابتسامة هادئة، أمعنت النظر في السائل قبل أن أجيب: “في الطب، يُعرف هذا النبات بأنه صديق القلب المتعب. بجرعات دقيقة جداً، تقوم مادة الديجوكسين بتنظيم ضربات القلب المتسارعة، وتقوية العضلة الضعيفة. إنه ما يعيد الحياة لمن أوشك قلبه على التوقف، ويمنح النبض إيقاعاً هادئاً ومنتظماً.”
ثم أغمضت عيني للحظة، وفكرت بالجانب الآخر للنبات: “لكن خلف أزهاره الأرجوانية الجميلة، يختبئ وجه مظلم… إذا زادت الجرعة قليلاً عن الحد المسموح، يتحول المنقذ إلى جلاد، ويجعل القلب يتوقف فجأة.”
رفعت عينيّ إلى مارسلين بثبات: “أنا فقط صنعت جرعة صغيرة. سأجعل ليونارد يشعر بخمول شديد، بحيث لن يكون قادرًا على الحركة، لكنه لن يموت. هذا فقط احتياط… لأني لا أضمن أن خطتي ستنجح في القضاء على الوحش. وإذا لم تنجح… سيهاجمني و ذلك الغبي بحماقته سيندفع لحمايتي، ولن أستطيع النجاة.”
تنهدت، ووضعت جميع الأشياء التي صنعتها بعناية في حقيبتي. “هيا بنا، مارسلين. أعيدي بي الزمن.”
نظرت مارسلين إليّ، وكأنها تريد أن تقول شيئاً، ثم تمتمت بصوت منخفض: “صحيح… أريد أن أخبرك شيئاً، سيدتي… عندما تعودين، لن أكون أنا وإيفي معك. سنعود إلى مكاننا الأصلي، لكن سأحاول أن ألحق بك بسرعة.”
أومأت برأسي: “لا بأس… سأتصرف.”
أومأت برأسي: “لا بأس… سأتصرف.”
وها هي اللحظة… كل شيء جاهز، وكل خطوتنا القادمة ستكون إلى الوراء في الزمن، إلى حيث بدأ كل شيء… مارسلين تمتمت ببعض الكلمات، لكني لم أصغِ… كل تركيزي كان على اللي سيأتي، وعلى أن أعيد ليونارد إلى الحياة بأمان. انتشر حولنا الضوء، واغمضت عيني… لم أعرف سوى انتشار الضوء فقط.
في الغابة، مع مارسلين وإيفي
وصلنا فجأة إلى الغابة. الهواء كان يملؤه الرطوبة ورائحة الأشجار، والظل الكثيف يحيط بنا من كل جانب. “لا أصدق… عدنا مرة أخرى!” همست مارسلين لنفسها، بينما كانت عيناها تلمعان بالتركيز.
الوحوش تحيط بنا من كل اتجاه، أصوات زئيرها تملأ المكان، وتلك الهياكل الغريبة تتحرك بخفة مذهلة رغم ضخامتها.
قفزت إيفي على كتف مارسلين، ذيلها الرمادي يتماوج في الهواء، وعيناها الذهبية تلمعان. في كل مرة، تفاجئني تلك الفتاة. لا خوف، لا تردد، فقط هدوء قاتل.
مارسلين لم تهتم للوحوش… كلما اقترب وحش، كانت ترديه بضربة سيف حادة، وفي الوقت ذاته تفكر، تحلل، تخطط. “لا أصدق… هي لا تهتم إذا مات أحد… كل همها أن لا تشعر بالمسؤولية الناتجة عن موت أحد.” همست لنفسي، دهشة تغمر قلبي.
ولكن هناك أمر يحيرني كانت هناك طاقة منبعثة حول ذلك الفتي، شعرت بها من الحرج، كأنني أعرف هذه القوة من قبل، لكن ذكرياتي كانت ضبابية وكانها ترفض التذكر … ليس هذا المهم الآن.
رفعت مارسلين سيفها عالياً، وجهها صارم، جاد، ليس كعادتها المبتسمة. “والآن… فلننتهي. من هذا، يا رفاق… لدي شخص أحتاج لإنقاذه.” قالتها بنبرة لا تحتمل النقاش.
في ذلك الوقت، كنت أنا قد عدت إلى غرفتي. فتحت عيني ببطء، نظرت حولي… نعم، إنها غرفتي. هل عدت حقًا؟ يبدو أن مارسلين عادت لمكانها الأصلي.
تساؤل آخر تخطفه مخيلتي: هل عاد ليونارد حقًا؟ لو كان عاد، بالتأكيد سيكون في ساحة التدريب.
بدأت أمشي خطوة خطوة، وكل خطوة كانت أبطأ من خطوتي التالية، وكأن قدميّ لا تطيق الانتظار. شعرت بتسارع قلبي مع كل حركة، وحسيت برهبة خفيفة تختلط بشعور مزيج من الترقب والقلق.
بدأت الأمواج الأولى من شعور المطر تغمرني. غروب الشمس قد حل، والألوان حولي تبدو باهتة تحت السماء الملبدة بالغيوم.
وصلت إلى ساحة التدريب… كانت فارغة. يبدو أن الجميع قد غادر. بدأت قطرات المطر تتساقط على كتفيّ، ثم على شعري، وببطء شعرت بها تتسلل إلى جسدي. رفعت رأسي، ورأيت المطر يزداد غزارة، يضرب وجهي بخفة أولًا، ثم بشكل أقوى.
تساؤلاتي لم تتوقف: “أين هو؟ هل غادر؟ أم أنني لم أعد حقًا؟”
فجأة، شعرت بشيء يلمس كتفيّ، صوت مألوف، عميق، ومرتبك بعض الشيء: “لماذا تقفين في المطر هكذا؟ ستصبين بنزلة برد.”
التفتُّ ببطء، والارتجاف يسيطر على يديّ. هناك، ممسكًا بسيفه، مبتل تمامًا مثلي… كان ليونارد.
شعور غريب اجتاحني، مزيج من الارتياح والدهشة. لأول مرة منذ زمن طويل، شعرت بسعادة حقيقية لسماع صوته، وكأن قلبي توقف للحظة.
حاولت الحفاظ على برودي، جعلت وجهي جامدًا: “لماذا تقول لي هذا الكلام؟ وكأني أنا فقط من سأصاب بنزلة برد؟ أنت أيضًا مبتل.”
أومأ برأسه، ثم أطلق تهيدة صغيرة، شعرت بها تتردد في الهواء البارد: “نعم، ولكن…”
دفعت نفسي قليلًا للامام، صوت قلبي يعلو بصمت داخلي. “أنا سأذهب لغرفتي لتدفئة نفسي وشرب بعض الشاي… فلتأتي معي.”
توقف للحظة، وبدت الدهشة واضحة على ملامحه، عيناه اتسعتا: “مهلًا… هل الكلام هذا موجه إلي أنا؟”
بدأت أتحرك، وألتفت له بنظرة حادة: “الم ترد؟ فلا تَأتِ… الأفضل.”
سمعت صوته يعلو بنبرة محاول السيطرة على نفسه: ” لا، انتظري فقط… تفاجأت لأنك تكلمتِني، وأيضًا عرضت عليّ أن آتي معك لشرب الشاي… أعتقد أنك أصبتِ بنزلة برد بسرعة.”
نظرت له ببرود، عيناي صارمة، وكتفاّي متوتران: “أتراجعين عن كلامك؟ لا تأتي.”
ابتسم، أشار بيده كما لو كان يهدئني، وتلك الحركة الصغيرة أذابت جزءًا من الجليد الذي غطى وجهي: “اهدئي… لا تأخذي الأمور بجدية مفرطة، سآتي بصمت، حسناً؟”
ولأول مرة، شعرت بأن وجوده، صوته، حركاته… كل شيء فيه… كان شيئًا جيدًا. شيئًا يخفف ثقل كل ما حدث
༶•┈୨♡୧┈•༶༶•┈୨♡୧┈•༶༶•┈୨♡୧┈•༶༶•┈୨ احم احم ^^ كنت حابة اقول شئ (´。• ᵕ •。’) ♡ اسفة احس الفصل ملهوش أي تلاتين لزمة ^^ بس بناء على بكائكم (اللي كنت مستمتعة بيه ≧ω≦) انكم عايزين ليونارد يرجع ♡ فحرفيا فضلت اعصر دماغي واجيب اشياء وابحث عن اشياء في الكيميا (≧▽≦) بالمنسبة ديه فيها اشيء صحيحة المهم ♡
هحاول هحاول ابقي محترمة ^^ وانزل فصل يوم الاحد والاربع ♡ وسبب تاخري للناس اللي سالت هو فقدان شغف (*≧ω≦) ومع اني فاشلة دراسيا مع السبب الرئيسي هو ان الفصل ده كل لازم ليه بحث مكثف ^^
التعليقات لهذا الفصل " 46"