2 - إحياء نادي الكلاسيكيات العريق²
انستا : aahkk_7
****
أدركتُ أنَّ مجادلته ليست سوى هدرٍ مستفيضٍ للطاقة؛ فأشرتُ بيدي ملوحًا إيذانًا بقطع حبال الحديث:
“حسنًا، ليكن ما تقول.. هلا انصرفتَ إلى بيتك الآن؟”
تمطّى ساتوشي في جلسته وكأنه يستعيد نشاطه، ثم باغتته فكرةٌ فجأة فنظر إليّ بفضول:
“’ هلّا انصرفتَ إلى بيتك‘؟.. غريبٌ أن أسمع هذا منك!”
“وما الغريب في ذلك؟”
“المعهودُ فيك أن تسبقَ فعلكَ قولَك؛ فلو أردتَ الرحيل لغادرتَ قبل أن تنطق بالجملة. أخبرني.. ما الذي يستبقيك في المدرسة وأنتَ ‘خِلوٌ’ من أيِّ ارتباطٍ نادٍ؟”
”آه، تذكرت.”
رفعتُ حاجبي وأخرجتُ ورقةً من الجيب الداخلي لسترتي المدرسية، ومددتُها إليه في صمت. اتسعت عيناه ذهولًا.. أو هكذا خُيّل إليّ؛ فهو يهوى المبالغة في ردود أفعاله حتى وإن لم يكن للأمر وقعٌ حقيقي في نفسه.
”ماذا؟! أيعقلُ هذا؟”
“ساتوشي، التزم الوقار.”
“أليست هذه استمارة انضمام لنادٍ؟ يا للعجب! ما الذي دهى العالم؟ هوتارو بشحمه ولحمه يقرر أخيرًا أن يضع قيدًا في عنقه وينضم لنادٍ!”
كانت بالفعل استمارة انضمام، وما إن وقع بصر ساتوشي على اسم النادي المدوّن فيها حتى انقبض حاجباه دهشة:
“نادي الكلاسيكيات..؟”
“أتعرفه؟”
“بالطبع، ولكن.. لِمَ هذا النادي تحديدًت؟ هل دَبَّ فيك فجأةً شغفٌ بالآداب القديمة؟”
حككتُ رأسي حيرةً في كيفية التفسير، ثم أخرجتُ ورقةً أخرى من جيبي الأيسر؛ كانت رسالةً بخطٍّ متسرّعٍ مبعثر، ناولتها له قائلًا:
“اقرأ هذا.”
تلقف ساتوشي الرسالة بلهفة، وما إن شرع في قراءتها حتى انطلقت ضحكاته:
“هاها! يا للمأزق يا هوتارو. وصيةٌ من أختك الكبرى، ها؟ لا أظنك تملك ترف الرفض أمامها.”
كان ينظر إليّ بابتسامةٍ شماتة، بينما كنتُ أدركُ تمامًا أنَّ ملامح وجهي تنطق بالمرارة.
هذه الرسالة الجوية القادمة من الهند منذ الصباح لم تكن مجرد ورق، بل كانت محاولةً لزعزعة استقرار نمط حياتي. هكذا هي “أوريكي توموي” دائمًا، ترسل رسائلها؛ لتعيد صياغة أيامي كما يحلو لها.
«هوتارو.. كُن حارسًا لنادي الكلاسيكيات، فهو يمثلُ ذكريات صِبا أختك.»
حين فتحتُ المظروف صباحًا وقرأتُ تلك السطور المقتضبة، شعرتُ بمدى “الأنانية” التي تغلف محتواها. لستُ ملزمًا بحراسة ذكرياتها، ولكن..
“أخبرني، ما الذي تخصصت فيه أختك مجددًا؟ الجوجيتسو؟” سأل ساتوشي، فأجبتُ:
“الأيكيدو وفنون الاعتقال.. وهي مؤلمةٌ حقًا إذا ما عقدت العزم على الإيذاء.”
أجل، أختي الطالبة الجامعية البارعة في العلم والنزال، لم يشفِ غليلها غزو اليابان وحدها؛ فقررت الخروج لمنازلة العالم. وليس من الحكمة أبدًا أن يستثير المرءُ حنقها.
ورغم أنني حاولتُ المقاومة بما تبقى لي من كبرياء، إلا أن الحقيقة المُرّة هي أنني لا أملك حجةً قوية لرفض طلبها؛ فقد أصابت كبد الحقيقة حين قالت إنني لا أملكُ ما هو أفضل لأفعله. فقررتُ أن أكون “عضوًا خفيًّا” في نادٍ ما، وهذا أهون من أن أكون طالبًا بلا وجهة، وهكذا.. “قدمتُ الاستمارة هذا الصباح”.
”أتدركُ ماذا يعني هذا يا هوتارو؟”
قالها ساتوشي وهو يرمق الرسالة بنظرةٍ فاحصة. تنهدتُ قائلًا:
“أجل، يعني أنني لن أجني من وراء هذا أيَّ طائل.”
”كلا.. ليس هذا ما أرمي إليه.”
رفع بصره عن الورقة، وقال بنبرةٍ يملؤها تفاؤلٌ غريب، وهو يطرق على الرسالة بظهر كفه:
“نادي الكلاسيكيات بلا أعضاء حاليًّا، أليس كذلك؟ هذا يعني أنَّ الغرفة ستكون ملكك وحدك. ألا يبدو هذا رائعًا؟ قاعدةٌ سرية خاصة بك داخل أسوار المدرسة!”
قاعدة سرية؟
“زاويةٌ مثيرة للاهتمام..” تمتمتُ بها.
“ألم يعجبك الأمر؟”
يا له من منطقٍ غريب! “ساتوشي” يصور لي الأمر وكأني سأحظى بملاذٍ سري. لم تخطر ببالي هذه الفكرة قط؛ فلستُ ممن يسعون وراء الخصوصية بجهدٍ جهيد، ولكن.. لا بأس بها كـ “ميزةٍ إضافية”. استرددتُ الرسالة منه وأجبتُ باقتضاب:
“أظن الأمر ليس بالسوء الذي تخيلته.
ربما سأذهبُ لألقي نظرة.”
”جيد؛ فالفرصُ تطرقُ بابك لتخوض غمارها.”
الفرصُ تطرقُ بابي؟ حسنًا، لا أظنُّ هذا الوصف ينطبقُ على شخصيتي البتة. ابتسمتُ بمرارة وأنا أحملُ حقيبتي، متمسكًا بشعاري الذي لم أحدّ عنه يومًا.
من النوافذ المفتوحة، كانت تتعالى صيحات فريق ألعاب القوى:
“.. إلى الأمام! هيّا.. هيّا!”
لم أكن لأقحم نفسي في مثل هذا الهدر الصارخ للطاقة. ولا يساء فهمي؛ فأنا لا أدّعي تفوق “ادخار الطاقة” على النشاط، ولا أزدرِ هؤلاء المتحمسين، لكنني آثرتُ المضيّ نحو غرفة نادي الكلاسيكيات مستعينًا بتلك الهتافات كخلفيةٍ لمسيري.
سلكتُ الرواق المبلط صعودًا نحو الطابق الثالث، وهناك استوقفتُ عامل النظافة الذي كان يحمل سُلمًا ضخمًا؛ لأستفسر عن مقر النادي، فأرشدني إلى “قاعة الجيولوجيا” في الطابق الرابع من مبنى الأنشطة الخاصة.
لم تكن ثانويتنا كاميياما مفرطةً في اتساعها ولا في عدد طلابها؛ فهم لا يتجاوزون الألف. ورغم أنها توفر المناهج المؤهلة للجامعات، إلا أنها لم تشتهر بتفوقٍ أكاديميٍّ فذ؛ باختصار، هي ثانويةٌ عادية جدًا. غير أنَّ ما يميزها حقًا هو ذلك الفيضُ الهائل من الأندية (مثل نادي الألوان المائية، ونادي “الأكابيلا”، وصولًا إلى نادينا هذا)، مما جعلها ذائعة الصيت بمهرجانها الثقافي السنوي الصاخب.
تضم المدرسة ثلاثة مبانٍ رئيسة: المبنى العام للفصول الدراسية، ومبنى الأنشطة الخاصة، والصالة الرياضية، بالإضافة إلى “دوجو” الفنون القتالية ومخازن المعدات. أما الطابق الرابع حيث يقع النادي؛ فكان منعزلًا بعض الشيء.
وبينما كنتُ ألعنُ هذا “الهدر الطاقيّ” في صعود الدرج، عبرتُ الرواق الموصل حتى وجدتُ قاعة الجيولوجيا. وبلا تردد، مددتُ يدي لأفتح الباب، لكنه كان موصدًا. كان أمرًا متوقعًا؛ فمعظم القاعات الخاصة تبقى مغلقة.
أخرجتُ المفتاح الذي استعرتهُ مسبقًا —توفيرًا للجهد لاحقًا— وفتحتُ القفل.
دفعتُ الباب المنزلق؛ فبدت القاعة خاويةً إلا من خيوط الغروب التي تسللت من نافذتها الغربية.
أقلتُ خاوية؟ عذرًا، لم تكن الأمور كما توقعت تمامًا.
ففي تلك القاعة الغارقة في ضياء الغروب، كان ثمة من سبقني.
طالبةٌ تقفُ بجوار النافذة، استدارت لتنظر إليّ. كانت فتاةً لا أجدُ وصفًا يليقُ بها سوى الرّقةِ والنّقاء، رغم أنهما ليستا من الكلمات التي قد تقفزُ لذهني عادةً. كان شعرها الأسود الطويل ينسدلُ وراء كتفيها، وزيُّ البحارة المدرسيّ يبدو عليها في غاية الأناقة. كانت فارعة الطول بالنسبة لفتاة، ربما أطول من ساتوشي. ملامحها تعكسُ صورةً كلاسيكية للطالبة المثالية، بشفتين رقيقتين وقوامٍ يوحي بنوعٍ من الشجن، لكنَّ عينيها كانتا النقيض؛ واسعتان وتفيضان بطاقةٍ لا تخطئها العين.
لم أكن أعرفها.
ومع ذلك، ابتسمت في وجهي وقالت: “مرحبًا. أنتَ ‘أوريكي-سان’ من نادي الكلاسيكيات، أليس كذلك؟”
”.. مَن أنتِ؟”
سألتها بصراحةٍ تامة. فرغم ضعفي في التواصل الاجتماعي، لم أكن أنوي معاملة شخصٍ غريب بجفاء، لكنها لسببٍ ما كانت تعرفني.
”ألا تذكرني؟ اسمي تشيتاندا.. تشيتاندا إيرو.”
”تشيتاندا إيرو”؟ حتى بعد أن ذكرت اسمها، ظل عقلي غارقًا في جهله. وبالمناسبة، تشيتاندا لقبٌ نادر جدًا، وكذلك اسمها الأول؛ لذا فمن المستحيل أن أنسى اسمًا كهذا لو مرّ عليّ يومًا.
تفرّستُ في وجه المدعوة تشيتاندا مرةً أخرى، وبعد أن تيقنتُ من عدم معرفتي بها، أجبتُ: “معذرة، لا أظن أن ذاكرتي تسعفني باسمكِ.”
حافظت على ابتسامتها، لكنها مالت برأسها في حيرةٍ ظاهرة: “أنت أوريكي-سان، صح؟ أوريكي هوتارو من الفصل 1-B؟”
أومأتُ برأسي تأكيدًا.
فقالت: “أنا من الفصل 1-A.”
كانت نبرتها تشي بسؤالٍ صامت: “ألا تذكر الآن؟”؛
فهل ذاكرتي سيئةٌ إلى هذا الحد؟
***
انستا : aahkk_7
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
Chapters
Comments
- 2 - إحياء نادي الكلاسيكيات العريق² منذ 11 ساعة
- 1 - إحياء نادي الكلاسيكيات العريق¹ منذ 11 ساعة
التعليقات لهذا الفصل " 2"