زواج هيلينا وينستون أثار ضجّة واسعة في أوساط العاصمة، وأشعل الأحاديث في الصالونات الأرستقراطية من أكثر من جانب.
فالإمبراطورة، التي رتبت هذا الزواج بنفسها، بدت مصمّمة على إنجاح هذا الارتباط الذي تمّ على عَجل.
قدّمت لعائلة وينستون مهرًا ضخمًا تحت ستار ‘هدية زفاف’، متمنية للعروس حياة سعيدة في زواجها.
وبانضمام عطايا الإمبراطورة إلى ما قدّمه آل الكونت من هباتٍ أصلًا، أصبح مهر هيلينا ثروةً مذهلة بكل المقاييس.
بدأت الشائعات تنتشر، وبعضها بالغ في الأمر حتى قيل إن مهرها يكاد يضاهي مهر الأميرة الملكية نفسها.
بدأ آل بايارد راضيين أيضًا. ومهما كانت الظروف وراء الكواليس، كان الانطباع العام أن الإمبراطورة تدخلت لطرد شخص من العاصمة كان متورطًا في شائعة مع ولي العهد. ومن وجهة نظر العائلة الدوقية، ظلت كرامتهم سليمة.
لكن الحدث الأبرز كان ما تبعه من أثرٍ في القصر:
وليّ العهد، الذي طال تردده في إعلان زواجه من أديلا، بدا مضطربًا للغاية حين علم بخطوبة هيلينا، ثم لم يمضِ وقتٌ طويل حتى أعلن موافقته رسميًا على الزواج.
امتدح الناس حكمة الإمبراطورة كلاريسا، وقالوا انها تعاملت مع اضطرابات العائلة الملكية بلباقة نادرة، وأن الأمور عادت إلى نصابها كما يجب.
أما الخاسرون الوحيدون فهم أولئك الرجال الذين كانوا يعشقون هيلينا من بعيد، ثم هربوا خوفًا من الفضيحة.
بعضهم صار يُعرف في المجالس بـ “الجبناء الذين فرّطوا في أجمل صيد في العاصمة”، وفقدوا مكانتهم بين النبلاء.
وهكذا، اقترب يوم زفاف هيلينا وينستون، الزفاف الذي أشعل العاصمة بأكملها، بخطواتٍ متسارعة.
—
“لا تتزوجي.”
رفعت هيلينا بصرها نحو من قال تلك الكلمات، ثم ابتسمت برقة وهمست:
“يا إلهي… أنت الوحيد في هذا العالم الذي يطلب مني ألا أتزوج، يا صغيري هنري.”
“أختي! أرجوكِ! لا تتزوجي!.”
منذ أن علم هنري أن زواج هيلينا يعني رحيلها بعيدًا عن العاصمة، لم يترك وسيلة إلا وحاول بها ثنيها عن ذلك القرار.
“لا تتزوجي!.”
صرخ مجددًا، وقد امتلأت عيناه خوفًا، وتعلّق بطرف تنورتها.
هيلينا انحنت نحوه وربّتت على خديه الطريين بكلتا يديها كما لو كانت تعجن قطعة عجين، وقالت وهي تبتسم:
“يا صغيري هنري… رغم كل ما أفعله بك من مضايقات، ما زلت تحبني؟.”
ثم أمالت رأسها بمكرٍ طفولي وأضافت:
“همم، ما الذي يعجبك بي؟ كُن محددًا.”
“هاه؟ محدد؟ ماذا يعني ذلك؟.”
“يعني… مثلاً، عندما كنتُ أضعك على بطني وأجعلك تطفو فوق الماء في البركة الصغيرة… كنتَ تبكي وتبلل ثيابك، لكن في داخلك كنتَ تستمتع، أليس كذلك؟.”
احمرّ وجه هنري الصغير، وبدا عليه الغضب.
“هـ… هنري لم يبلل نفسه!.”
ضحكت هيلينا بصوتٍ مرتفع ومبالغ فيه.
“بل فعلت! هاهاها!.”
تشنّجت شفتا الطفل الممتلئتان بلون الكرز، وبدأت ترتجفان وهو على وشك البكاء.
“هنري… ليس طفلًا يبلل الفراش…”
“ماذا لو عرفت بيني بذلك؟ ربما ترفض الزواج منك!.”
“آه! لاا!.”
لوّح بيديه الصغيرتين في ذعر، فتقدمت هيلينا وعضّت وجنته بخفة مازحة.
“واه! وااه!.”
“مم، لذيذ. هنري طعمه حلو.”
“آه! لا تأكليني!.”
وانطلق الصغير باكيًا من الغرفة، كما يفعل كل مرة بعد معركته الخاسرة مع هيلينا.
من خلف الكتاب، رفعت إليزا نظرها وقالت بنبرة هادئة:
“بصراحة يا أختي، يجب أن تكوني ألطَف مع هنري. لن تريه لوقتٍ طويل بعد الزواج.”
اقتربت منها هيلينا وسألتها وهي تميل لتقرأ عنوان الكتاب.
“ما الذي تقرئينه؟.”
رفعت إليزا الكتاب بصمت، فقرأت أختها العنوان بصوتٍ مستغرب:
“عن المشكلات الناشئة من حقّ الانسحاب في تاريخ التجارة؟… ما زلتِ تحبين الكتب المعقدة، أليس كذلك؟.”
“هي ليست معقدة كما تبدو. مؤخرًا بدأت أهتم بموضوع صناديق الاستثمار.”
ابتسمت هيلينا، وأزاحت خصلة شعرٍ عن جبين أختها المستدير، قائلة:
“كيف أنجبت عائلتنا فتاة ذكية مثلكِ؟ انتِ فخر آل وينستون.”
ترددت إليزا قليلًا قبل أن تهمس.
“العم فلون يقول إن الفتاة الجميلة تُولد ومعها ثلاث ميداليات شرف. يقول إن مهما كنتُ ذكية، فإن فتاة مثل إيرا، ببشرتها الفاتحة وشعرها المجعد، أنفع للعائلة من فتاة مثلي ترتدي نظارات ولها شعر خشن ونمش.”
“همم، كلامه… صحيح.”
قالتها هيلينا ببرود، قبل أن ترفع قبضتها في الهواء وتتابع بحزم.
“صحيح أنه يستحق لكمة على وجهه!.”
أطلقت ضربة وهمية، ثم وجهت ركلة في الهواء وتظاهرت بأنها تطيح بخصمٍ خفي.
بدأت إليزا تضحك بشدّة حتى دمعت عيناها.
تنفّست هيلينا بعمق، وأزاحت شعرها الطويل عن وجهها وقالت بجديّة مصطنعة:
“أي شخص يتفوه بكلامٍ كهذا، يستحق الضرب حقًا.”
ثم اقتربت منها وربّتت على كتفها بلطف:
“استمعي جيدًا يا إليزا. الجمال يساعد على تزويج الفتاة أسرع، نعم، لكنه لا يذهب أبعد من ذلك.”
زفرت تنهيدة طويلة وأكملت:
“أتعتقدين أن الحياة تنتهي بـ ‘وعاشوا في سعادة دائمة’، كما في قصص الخيال؟. تأثير ما يولد به المرء لا يدوم الا لفترة قصيرة. بعد ذلك، عليه أن يتحمل مسؤولية حياته.”
بدت إليزا وكأنها تحاول جاهدة فهم ما تقوله هيلينا. رمشت ببطء، وأجابت.
“فهم كلماتكِ أصعب من فهم الكتب التجارية…”
“ستفهمين ذلك يومًا ما. ولا تهتمي بكلام العم فلون. فهو الفائز الحقيقي بثلاث ميداليات: قبيح، أصلع، وبدين. فمن يكون ليتحدث عن غيره؟.”
ضحكت إليزا، ثم وضعت الكتاب جانبًا وعانقت أختها من الخصر.
“أختي… سنظل نلتقي كثيرًا، أليس كذلك؟ لا أستطيع أن أتشبث بك مثل هنري، لكني لا أريدكِ أن ترحلي أيضًا… هذا غير عادل.”
ربتت هيلينا على شعرها قائلة:
“رغم كل ما فعلتُه بكِ، ما زلتِ تحبينني؟.”
“كان ذلك عندما كنا صغيرتين! لا تذكريني!.”
ثم أضافت بنبرة غاضبة:
“الجميع يقول إن هذا الزواج جيد لكِ، لكني لا أرى فيه أي خير. أنتِ لم ترتكبي خطأ! كان وليّ العهد روفوس هو العابث، أما أنتِ فقد كنتِ مجرد ضحية!.”
رفعت هيلينا إبهامها بابتسامة ساخرة وقالت:
“مرحبًا بكِ في عالمٍ مليء بالظلم والقيود، أختي العزيزة.”
“يا إلهي…”
ربّتت هيلينا على كتفها ثم همست في أذنها.
“هل تودين أن أخبركِ سرًا؟ “
“ما هو؟.”
“سأصبح جاسوسة.”
“…ماذا؟.”
“هذا الزواج له هدف آخر. أنا ذاهبة إلى الجنوب بأمرٍ من الإمبراطورة، في مهمةٍ سرّية. سأكشف أسرار الكونت إيشبيرن، زوجي المستقبلي، وأكسب المجد والثروة.”
قفزت إليزا من مكانها، وتراجعت وهي تلوّح بيديها:
“لن أتحدث معكِ بعد الآن!.”
“آه؟ لماذا؟ أهو لأنني أختكِ غير الشقيقة؟ “
“لم أقل ذلك!.”
“إذن لأنني لست أختكِ الكاملة…”
“كفّي عن هذا، بحق السماء!.”
دار الاثنتان في الغرفة وهما تطاردان بعضهما بضحك وصراخ حتى توقفتا أمام النافذة.
في المروج الخضراء الممتدة خارج القصر، وعلى طريق من الرمال البيضاء اللامعة، كان موكب صغير يقترب من البوابة.
حدّقت هيلينا إلى الأسفل وقالت وهي تعقد ذراعيها.
“من في العالم يختار شعار عائلة قبيحًا كهذا؟.”
“ليس قبيحًا!.”
أجابت إليزا بسرعة.
“إنه غصنُ عرعرٍ مثمر، يرمز إلى الحماية. إنه شعار عائلة إيشبيرن.”
“أما شعار عائلتنا، آل وينستون، فهو زهرة الكريب ميرتل، تبدو جميلة في كل مكان تُطرّز عليه، سواء على المناديل أو الثياب. لكن هذا… يشبه حشرةً تتدلّى من غصن!.”
تركت هيلينا أختها مذهولة خلفها، وفتحت النافذة على مصراعيها، ثم خرجت إلى الشرفة الصغيرة المطلة على الساحة.
ثلاثة فرسان كانوا قد اجتازوا البوابة، يتقدمهم رجل واحد تحدّث مع الحراس قبل أن يرفع غطاء عباءته المطرزة بشعار إيشبيرن.
لم تكن هيلينا تعرف كيف، لكنها أدركت على الفور من يكون.
‘بنجامين إيشبيرن.’
وكأنّه شعر بنظرتها، رفع رأسه نحوها.
تحت خصلات شعره الأسود الفوضوي، ظهر وجه شاحب يكاد يشبه طيفًا.
“…!”
كانت المسافة بينهما بعيدة، لكنها أحست به.
كان… يبتسم.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"