على عكس ليندسي، المحكومة بالعار والمذلّة، نال ميخائيل إجلال الأسرة النبيلة بكاملها.
فمن يشهد قوته المدهشة لم يكن أمامه خيار سوى الانحناء وإعلان الولاء.
ذلك الكائن المتسامي، الأقوى في أرجاء الإمبراطورية…
ذاك كان ميخائيل.
ومع مرور ألاعوام، أدركت ليندسي كم كانت ساذجة حينما سوّت نفسها به يومًا.
كانت تظن أن ميخائيل عادل مع الجميع… عادل، بارد، لا يميل إلى أحد.
لكن ذلك أيضًا… كان وهمًا من أوهامها.
خفضت بصرها، وقد عادت إليها تلك الذكرى
حين قال لها بصرامة لا تحتمل:
“لا تعودي أبدًا.”
فلم يكن في هذا البيت إنسان واحد يرغب في قربها.
‘إنه على حافة الانفجار…’
لم يكن حال ميخائيل طبيعيًا كما وصفه رايسيس.
صرخة حادة مزّقت صمت السجن:
“آآآآآه!”
انبثق من جسده هالة متوحشة، جعلت أطراف أصابع ليندسي ترتجف، كأنها لامست صاعقة.
ولم تكن وحدها؛ فقد بدا الضيق جليًّا على وجه رايسيس، هو الآخر ارتبك من ذلك الطوفان الغامض.
حدّقت ليندسي في ميخائيل.
فرسان كيسون التفّوا حوله، كأنهم يواجهون وحشًا هائجًا، يحاولون أن يثبتوه بالقوة.
‘حتى وهو مقيّد، ما زال بهذه الهيبة…’
كان في ذلك وحده ما يكشف مدى جبروته، إذ لا كائن متساميٍّ عادي يملك القدرة على الحركة تحت وطأة هذه القيود.
لكن ميخائيل… كان استثناءً.
‘لو بوسان هذا العالم… لكان مصنّفًا في مرتبة S.’
تساءلت: أي نوع من العذاب عاشه، ليبقى قائمًا بهذه القوة، أشبه بمصير كائن تخطى حدود البشر؟
اقتربت ليندسي منه أكثر، فيما ظلّ رايسيس بجانبها، يعاينها بوجه متوتر.
“تراجعي. حتى لو استيقظت قوتك المقدسة، فلم يمضي الكثير على يقظتها.”
“… “
“بهذه القوة، لن تتمكني من شفاء السيد ميخائيل.”
لكنها تجاهلت كلامه، ووقفت أمام ميخائيل مباشرة.
حينها فقط تكلّمت:
“وماذا لو لم استطعت؟!”
“… “
“ماذا لو عجزتُ الآن عن شفاء ميخائيل… ولم أستطع إثبات وجودي؟ ماذا سيحلّ بي؟!”
كانت تعرف أنها تطرح سؤالًا أحمق في هذا التوقيت.
لكنها أيضًا تعرف الجواب.
“الماركيز… لن يتركني حيّة.”
في الماضي، توسّلت ليندسي إلى آزيت أن ينقذها، فقط لتحتفظ بحياتها.
فلو عادت إلى الماركيز بلا قيمة، مطلّقة ومنبوذة، لكان مصيرها أسوأ من الموت.
“لكن إن فررت؟”
لا… فحتى لو هربت، سيلحقون بها، يمزقونها عقابًا على جرأتها.
كان يعرف كرين لا حدود له.
صمت رايسيس؛ لا ردّ عنده.
قالت بحدة:
“منذ البداية لم يكن أمامي خيار. إما أن أتزوج آزيت ريديّان وأعيش في جحيم لا ينتهي، أو يُلقَ بي إلى الهاوية.”
لولا تلك الحياة الأخرى… حياة هان جي-يو التي انفتحت أمامها فجأة، لما كان لها أن تجرؤ على المقاومة.
“هذا…”
غاصت أسنان رايسيس في بعضها من شدّة غيظه.
وبغير قصد، كان يُعطّل الرابط بين ليندسي وميخائيل.
قالت بصرامة وهي تزاحمه:
“تنحَّ عن طريقي.”
تخطّت خطواته، والفرسان يحدّقون فيها بدهشة.
“الدمٌ القذر…؟!”
“كيف وصلتِ إلى هنا؟!”
عندها فقط، تلاقت عينا ميخائيل بعينيها.
ذلك البريق الوحشي، الغاضب، اصطدم بكيانها.
“ميخائيل دُويسي.”
تشنجت ملامحه عند سماعها اسمه يخرج من فمها.
“ليندسي… كيسون؟”
حتى وهو يرزح تحت وطأة القوة الملكية، استطاع أن يسمعها.
صلابة ذهنية مذهلة، تكاد لا تُصدّق.
بدأت حركاته تزداد جنونًا، والفرسان يحاولون كبحه، في صراع يكاد يُحطّم قيودهم.
“ما هذا بحق! لا تستفزيه أكثر!”
أبعد الفرسان ليندسي عنه بعنف، فيما ظلّ رايسيس يتابع المشهد دون أن يمدّ لها يدًا.
“توقفي. لن تصلي إلى السيد ميخائيل. لا تتركي الغرور يعميك.”
“… “
“أبي… سأحادثه مجددًا…”
لكن كلماته انقطعت، وتلاشى صوته في العدم.
⋆★⋆
لسببٍ ما، تدفقت ذكريات قديمة إلى سطح وعيها.
طفلة صغيرة تُدعى ليندسي، تبكي وتتشبث بأخٍ طالما تمنّت أن يمنحها ذرة ثقة:
“لم أسرق شيء… أرجوك، صدّقني ولو لمرة واحدة… أرجوك يا أخي.”
لكن جوابه آنذاك كان كالسيف القاطع:
“آسف… لن أثق بك بعد الآن.”
“أنتِ لستِ أختي بعد اليوم.”
⋆★⋆
‘سأكذب لو قلت إنني لا أخاف.’
ارتعشت أطراف أصابعها رغم محاولاتها التظاهر بالتماسك أمام رايسيس.
أن تقترب من ميخائيل كان كأن تخطو على حدّ الهاوية؛ غلطة عابرة قد تعني موتها بين يديه.
الفرسان الذين يكبحون اندفاعه أخذوا يتقهقرون خطوة بعد أخرى.
“اللعنة… متى ستصل السيّدة سيلفيا؟!”
“نحتاج إلى كاهن… بسرعة!”
لم يكن في وجوههم متّسع لملاحظة ليندسي. الرعب الذي زرعه صراع ميخائيل كان قد ابتلعهم جميعًا.
صرخة أخرى هزّت جدران السجن. أحد الفرسان سقط أرضًا، وبقية الوجوه شحب لونها خوفًا.
الاتصال بالمعبد لن يجدي؛ لا كاهن يضاهي سيلفيا إلا بعد فوات الأوان.
وسط الفوضى، انفتح الطريق أمام ليندسي لتقترب من ميخائيل بلا عائق.
“أ… اخرجي…” تمتم بصوت متهدّج.
“دائمًا تطلب مني الرحيل. هل تكرهني إلى هذا الحد؟”
لم يجب.
“لا بأس… لم يعد الأمر يهمّ.”
تأملت ملامحه المشوّهة بالغضب، وأدهشها أن قلبها ظلّ ثابتًا.
ذكرها بمشهد آخر، برجل آخر… كأنها رأت هذا من قبل.
> “أنا بخير، فقط اهربي.”
ابتسمت بسخرية باهتة. قبل أن تُصبح مرشِدة، كانت عاطفتها تتغلب عليها دائمًا.
‘أشتاق إلى كوريا…’
التفكير فيه الآن، وسط هذا الجحيم، جعل صدرها يختنق.
كانت تدرك أن شفاؤها لميخائيل سيستنزفها حتى آخر رمق. لكنها لم تملك خيارًا.
‘يجب أن أُشفيه… كي أفرّ من هذا.’
الهالة الغاضبة التي تفجرت منه كادت تمزّق الهواء. ثم انهار التماسك الأخير.
تلاشى اللون من عينيه، وابتلع السواد حدقتيه.
لقد بدأ الجنون المطلق.
وفي تلك اللحظة—مدّت ليندسي يدها، وقبضت على يده الباردة.
من أصابعها انبثقت دفقة دفء، طاقة طاهرة، نور ملأ سراديب السجن تحت الأرض.
خفتت الأصوات، عمّ الصمت. حتى الأنفاس بدت بعيدة.
الفرسان، رايسيس… جميعهم حملقوا مشدوهين.
لقد كان يشهدون المعجزة: ميخائيل يُشفى.
الظلمة انقشعت عن عينيه، واستعادتا لونهما.
النور الذي انساب عبر جسده الجريح بدا كلمسة إلهية تُهدهد وحشًا نازفًا.
موجات الألم على وجهه بدأت تذوب، وتحوّل قسوة ملامحه إلى سكون وراحة.
بعض الفرسان نسوا حتى كيف يُغلقون أفواههم، وظلوا يحدّقون في ليندسي كما لو كانت تجسيدًا للقداسة.
وكان رايسيس أول من استعاد وعيه. أسرع نحوها، صوته متردّد بالذهول:
“أ… أنتِ حقًا تُشفيْنَ السيّد ميخائيل؟!”
لكن كلماته انقطعت، إذ تهاوت ليندسي على الأرض منهكة.
⋆★⋆
في مكان آخر، منذ الصباح الباكر، كانت سيلفيا ترتدي ثيابها.
ذاكرتها أعادتها للحظة حين رحلت ليندسي من البيت؛ حينها استأجرت سيلفيا زمرة من الأوغاد.
لم يكن مخصصًا لليندسي عربة تحملها إلى مقرّ الماركيز، كان عليها أن تسير وحدها… بائسة كمتسوّلة.
وكانت سيلفيا تتمنى أن تُذلّها عصابات الطرق، ولو لم يقتلوها، فليحطّموا عظمًا أو ذراعًا.
‘حتى لو عادت مصابة، كراين لن يتجرأ على الاعتراض.’
لكن الريح عصت رغبتها.
بيانكا روسّيه بنفسها أوصلت ليندسي إلى المنزل. بل وأكثر من ذلك…
‘أتُرى لأن تلك الغبية أظهرت قوة مقدّسة؟’
عينَا سيلفيا اشتعلتا بالشرر.
سمعت أنّ الحقيرة قد أظهرت قدرة ملكية، وأنها عالجت بيانكا روسّيه نفسها!
إن صحّ ذلك، فهذا يعني أن قوى ليندسي تضاهي قواها.
‘مستحيل… فتاة تجاوزت سنّ الرشد، تُمنح قوةً كهذه؟’
بالنسبة لها، لا تفسير سوى أنّ الإشاعات مبالغات سخيفة. لا بد أنّ جراح بيانكا لم تكن خطيرة بالأصل.
‘كل ما في الأمر أنها تملك حظًا نجسًا.’
لمجرّد أنّها امتلكت قوة مقدسة لا يعني أنها باتت بمنأى عن العقاب.
فالقيمة الحقيقية تعرفها سيلفيا حق المعرفة.
لم تكن تقارن نفسها بلقيطة دنيئة، فهي تحمل سلاحًا سماويًا لا يُضاهى:
القوة المقدّسة ذاتها.
‘هي الدليل أنني المختارة.’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"