“هذا جنون…”
طوال الطريق المؤدي إلى الزنزانات تحت الأرض، كان رايسيس يتمتم متبرّمًا.
أما ليندسي، فقد تركت كلماته تنزلق من حولها كما لو أنها لا تخصها.
لم تكن تحب ثرثرته المتواصلة، ومع ذلك، بدا وجهه المبعثر الخالي من الأقنعة لطيفًا للنظر.
رفعت زاوية شفتيها، وأهدته ابتسامة مشبعة بالثقة، مدهشة في سحرها.
“أيّ ثقة هذه…؟”
حدّق فيها رايسيس، وكأنه مأخوذٌ بما يراه.
ستة أشهر فقط قضتها في كنف عائلة راديان، ومع ذلك…
تغيّرت إلى حد لا يُصدَّق.
ومع ذلك، وجد أنها بدت أجمل هكذا.
‘ذلك النوع من الابتسامة…’
لقد كان أفضل بكثير من الكآبة الثقيلة التي كانت تعتري ملامحها وهي طفلة.
لكن ما إن وعى ما يجول في خاطره، حتى توقف فجأة.
‘ما الذي أفكر به الآن؟’
عضّ شفته السفلى بقوة.
لطالما كان يحمل في صدره سؤالًا منذ لقائه بها…
هل حقًا لم تسرقي الآثار يومها؟
لكنه لم يستطع أن يطلقه من فمه.
“أنتِ تعلمين ما هو ميخائيل، أيّ مرتبة يتربع عليها بين المتسامين. تعلمين أن مجرد دعوةٍ من مركيز كيسون هي استثناء عظيم.”
“… “
“أنتِ بالذات… كنتِ أشد الناس خوفًا منه.”
“وماذا تريد أن تقول؟”
سؤالها أخرسه.
ما كان يقصده لم يكن هذا…
لكن الكلمات انفلَتت منه، كأن لسانه يُحاكمها من غير إذن قلبه.
“ميخائيل الآن في حالة خطرة. إن وضعتِ يدكِ عليه… قد لا يكون ثمة عودة.”
“… “
“شفاؤه… عمل تهابه جميع الكهنة. وحدها سيلفيا راديان استطاعت ذلك حتى الآن.”
رفعت ليندسي رأسها، وقالت بهدوء:
“ذلك لأنه كان مقيّدًا.”
أومأ رايسيس بتردد.
مجرد استذكار مشهد شفاء ميخائيل بقوة النور كان يزرع فيه الرعب.
ففي لحظات العلاج، كان وجه ميخائيل يتلوّى برغبة عارمة في سحق من حوله.
وكم مرة أوشك أن ينقضّ على الكهنة، فيمزّقهم قبل أن يكتمل العلاج.
لهذا اصبحوا جميعًا يتحاشونه.
وكان من اللازم دومًا أن يقف على مقربة منه اثنان من الكائنات المتسامية، يقيان الكاهن من مصير مجهول.
زمجر رايسيس، وقال بصوت خافت:
“الأمر محفوف بالمخاطر. حتى بين المتسامين، يظل ميخائيل هشّ العقل. إن القوة الملكية المتدفقة في عروقه أقوى مما يحتمل، إنها تنهش عقله بلا رحمة.”
أغمضت ليندسي عينيها ببطء، ثم فتحتهما. لم تجد أيّ طرافة في حديثه، لكنه بدا وكأنه… قلق عليها.
‘أأنتَ تقلق عليّ الآن؟ أنتَ الذي لم تؤمن بي حين كان الإيمان ضروريًا؟’
أثارت تصرفاته غضبها.
كم كانت تتوق إلى ذلك الحنو منه في زمن مضى…
حين كانا أصغر، حين كانت أخوّته أثمن ما تملك.
‘لن تعني لي بعد الآن…’
لكن تلك الأيام انطفأت.
حتى لو حاول العودة، فلن تمنحه ذلك.
“أأنتَ حقًا تقلق عليّ الآن؟”
تردّد رايسيس، فتح فمه ثم أغلقه، كأنه عاجز عن صياغة الكلمة.
قهقهت بمرارة:
“تقلق على كاذبة مثلي؟”
“أنا… أنا…”
أراد أن يصرخ أنها ليست كاذبة، أن ينفي عنها التهمة…
لكن الكلمات خذلته، وكأن فمه أُغلق بختم غامض.
لماذا؟
لماذا لم يستطع أن يبتسم أمامها، وهو الذي لطالما ارتدى قناع البشاشة؟
قالت ببرود:
“لا حاجة لتبرير نفسك. الحقيقة أنك لم تهتم يومًا أكنتُ حية أم ميتة.”
“… “
“لا أفهم لِمَ تفعل هذا الآن. على أي حال… سأشفي ميخائيل.”
قالت ذلك، ومضت.
أما هو، فقد بقي للحظة يراقب ظهرها وهي تبتعد، كأن المسافة بينهما صارت واديًا لا عبور له.
⋆★⋆
بعد أن صفعت صمته بحدّة كلماتها، خيّم الصمت على رايسيس.
وبفضله، وصلت ليندسي إلى الزنزانة تحت الأرض دون إزعاج.
لم يكن في قوله باطل.
فالمقرّب من الجنون أخطر ما يكون، أما ميخائيل، المتسامي العظيم، فخطره أعتى.
‘في كوريا، كان يُحظر توجيه أي إيسبر على شفير الانفجار النفسي، خوفًا مما قد يحدث.’
بل إن تهدئتهم قد تزيد من هوسهم وتشبثهم بالمعالج.
كان كلام رايسيس صائبًا.
“حسنًا… ميخائيل تضرر بسببي أنا.”
كان من المفترض أن يتلقى ميخائيل شفاء سيلفيا فور عودته من مهمته.
فقد اعتادت سيلفيا أن تتهيأ دومًا من أجله، بخلاف الكهنة الآخرين الذين كانوا يترددون في الاقتراب منه.
هي وحدها كانت تجد لذة في ذلك، تفخر بأنها صاحبة النور الملكي الذي يستطيع أن يرمم جراحه.
ولو لم تشتعل تلك الخصومة بين سيلفيا وليندسي، لكان ميخائيل قد غُمر بالنور منذ لحظة عودته.
‘ويبدو أنه هو الآخر لا يكنّ لي كثيرًا من الود.’
ألَم يحذرها ذات يوم، حين غادرت قصر الماركيز كيسيون، ألّا تعود أبدًا؟
‘ومن الذي يعود لأنه يريد العودة؟’
وقف رايسيس أمام باب السجن، والتفت نحو ليندسي الواقفة هناك.
“سأفتح الباب الآن.”
“… “
“سأدخل معكِ.”
“ولماذا؟”
“لأن كراهيتك لي لا تعني أن أتركك تموتين.”
“بالطبع…”
توقف لحظةً، كأنه يقاوم شيئًا داخله، ثم رسم على شفتيه ابتسامته الشهيرة…
الابتسامة التي كانت تبغضها ليندسي — ابتسامة القناع.
“حين ينتهي كل هذا، لن نضطر لرؤية بعضنا بعد اليوم. أليس هذا ما تريدينه؟”
كان صوته صارمًا، حادًّا.
‘القليل من المساعدة… ثم العودة إلى ما كان.’
لعلّ ارتباكها انعكس في عينيه.
لكن كل ما عليهما فعله، هو الرجوع إلى الماضي، إلى النقطة التي لم يلتقيا فيها قط.
“بالضبط… هذا ما أريده.”
قالت ذلك، وخطت نحو حيث ينتظر ميخائيل.
دخلت زنزانة السجن السفلي.
وهناك، كان ميخائيل مقيدًا.
فرسان الماركيز يحيطون به، وكأنهم يحاولون عبثًا أن يسيطروا عليه.
فعلى الرغم من القيود التي كبّلت جسده وكبحت تدفق المانا داخله، بدا من الصعب أن يسيطروا عليه.
تصلّبت ملامح ليندسي وهي تحدّق به. أول ما لفت نظرها شعره الأرجواني العميق، ينحدر مثل ليلٍ متمرد.
ثم عيناه الصفراء، كعيني وحشٍ متعب، تبثان برودة موحشة.
كان وسيمًا، ذا ملامح رجلٍ متسامي، لكن أحدًا لم يتجرأ على الاقتراب منه.
شعرت ليندسي بالاختناق.
ففي السجن طاقة هادرة تكاد تنفجر في أية لحظة.
ولم يكن عجيبًا أن يسقط كاهن عادي مغشيًا عليه لو وقف هنا.
“الوضع أخطر مما تصورت…”
رمقها رايسيس بنظرةٍ يائسة.
لم يكن في الأمر جنون أكبر من أن تحاول ليندسي شفاء ميخائيل…
إلا إذا كانت تسعى إلى موتها.
مجرد تخيله يطبق بيديه القويتين على عنقها كان يثير في نفسه الاشمئزاز.
“هل ترين؟”
“… “
“عودي الآن. ميخائيل ليس شخصًا يمكنك أن تشفِيه.”
ميخائيل دُويسي.
الناس يسمونه كلب الماركيز.
كلبٌ يقتحم الموت حين يؤمر، لقب يحمل خليطًا من الإعجاب والاحتقار.
هو المتسامي الذي عاد به الماركيز يومًا من إحدى مهامه.
رجل غامض الأصل، مجهول الجذور.
شخص اعتاد النبلاء أن يزدروه في الخفاء.
ومع ذلك… لم يُوسم أبدًا بلقب “دمٍ قذر” كما وُسمت ليندسي.
بل على العكس، كان فيض القوة الملكية المنبعثة منه شاهدًا على دمٍ نبيل.
ولهذا، ورغم أنه غريب عن منزل الماركيز، قُبِل بين أبنائه، واصبح موضع رهبة واحترام.
‘حتى وإن لم يكن واحدًا منهم حقًا…’
الجميع هاب ميخائيل.
أما ليندسي فقد تأملته، مغلول الأطراف، عيناه داميتان، مقيدًا بسلاسل ضخمة.
كان يبدو وحشي الملامح، صورةً طبق الأصل من آخر ذكرى تحملها عنه.
شعر أرجواني مبعثر… عيون ملتهبة.
كأنه شيطان يزحف من الجحيم.
في الماضي، كانت ليندسي تجد نوعًا من الألفة فيه.
لون شعره المختلف عن أبناء الماركيز.
أصله الغامض.
لحظات كثيرة خُيّل إليها أنهما متشابهان.
ثم تلك العيون الوحيدة…
عيون تنظر إلى العالم وكأنها لا ترى سواه.
اعتقدت أنها عيون تُشبه عينيها.
فهي الأخرى وحيدة، بلا محبة.
لكنها كانت مخطئة.
مخطئة تمامًا.
فميخائيل… لم يكن شبيهًا بها قط.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"