كلّما تذكّر نفسه في الماضي، تراءت له صورتها متداخلةً معها، فيجعله ذلك يشعر بالانزعاج و الاختناق.
لذلك، و بخلاف ما كان عليه قبل ساعات قليلة، لم يعد يعرف كيف ينبغي له أن يتعامل معها الآن.
“سيدي الدوق، هل تحتاج إلى شيء؟”
بينما كان يحدّق في العربة بعينين غارقتين في الظلام، اقتربت هارلي و سألته.
ابتسمت ابتسامةً عريضة، لكنّه لم يستطع أن يُخطئ في إنذار الطرد المخفي داخلها.
“كررر.”
حتّى الثعلب الوحشيّ الذي يحرس مقدّمة العربة نفخ في أنفه كأنه يقول “ابتعد فورًا”.
“لا شيء.”
تراجع بليك بطاعة. ظلّت عيناه معلّقتين بالعربة لبضع ثوانٍ أخرى، لكنّه بعد أن سمع نفخة أنف الثعلب مرّةً ثانية، استدار و انصرف.
يبدو أنّها ستكون ليلةً طويلةً مليئةً بالأفكار.
و كان هناك شخصٌ واحدٌ يراقب بليك من بعيد و هو يبتعد عن العربة عائدًا إلى معسكره.
على مسافةٍ بعيدة جدًّا تجعل فرسان فلوبيرت يبدون كالنمل، كان هناك رجلٌ يجلس متربّعًا على غصن شجرة، يُداعب خنجرًا بيد واحدة بينما يقلّبه يمينًا و يسارًا.
“هممم~؟”
كانت أوراق الشجر تحجب الرؤية تمامًا، لكنّه كان يرى كلّ شيء بوضوح تامّ بفضل سحر الإبصار عن بُعد و سحر الرؤية الاختراقيّة.
“ما الذي يخطّط له هذا الشيء بالضبط؟”
تسرّبت في همهمته المنخفضة هالةٌ مخيفة.
شعرت الوحوش التي كانت تأكل بشراهة تحت الشجرة بنوايا القتل، فرفعت رؤوسها. كان هناك دمٌ أحمر، لا أرجوانيّ، يتلألأ حول أفواهها.
ثمّ اكتشفت إنسانًا آخر معلّقًا رأسًا على عقب، ففتحت أفواهها على وسعتها.
“أوومف، أوف!!”
كان الرجل المربوط بالكروم و المعلّق رأسًا على عقب يتلوّى في رعبٍ و كأنّ رأسه سينفصل عن جسده في أيّ لحظة.
لكنّ كلّ ما استطاع فعله هو التململ كدودة القزّ.
كأنّه ردّ على تلك الأصوات، أنزل الرجل فوق الشجرة نظره قليلًا.
“و ماذا ترى أنت؟”
كان صوته ناعمًا و هو يسأل واضعًا ذقنه على ذراعه المستندة إلى ركبته، لكنّه كان باردًا كالثلج.
“أوو… أوف!”
الرجل الشاحب الذي يصرخ بيأس كان أحد الأوغاد الذين تصرّفوا بوقاحة تجاه أنجلينا في زقاقٍ ضيّق قبل أسابيع.
“أليس من الأفضل أن أقتله؟ كيف يجرؤ على الاقتراب من لينا الخاصّة بنا؟”
ازدادت تشنّجات الجسد المعلّق مع تلك الكلمات.
ربّما ضاق الرجل فوق الشجرة ذرعًا بذلك الصوت، فتنهّد ثمّ قطع الكروم بخنجره.
“أووووف!!”
غررر-! كييييك!
سقط الأوغاد المربوط وسط الوحوش.
تنهّد آنتي مرّةً أخرى و هو يشاهد الدم الأحمر يغمر الأرض أكثر تحت الشجرة.
“حسنًا، حتّى لو فعلتُ، فهذا لن يمنح الإمبراطورة سوى ذريعة أخرى لتتشبّث بي و تزعجني.”
لو كان بليك كادنهارت شخصًا يمكن قتله بسهولة، لكان قد أغرقه بالوحوش و هو جعله يتألم في غابة الظلام منذُ زمن.
في غابة الظلام التي تحدث فيها كلّ أنواع العجائب، لن يستغرب أحد إن مات دوقٌ واحد هنا.
لكنّ المشكلة كانت الإمبراطورة.
يمكن خداع العالم، لكنّ الإمبراطورة التي تعرف حقيقة غابة الظلام لن تنطلي عليها تلكَ الحيلة.
و منحها سببًا آخر لتلاحقه و تُزعجه ليس بالأمر الحكيم على الإطلاق.
رغمَ كرهه لذلك، توصّل إلى أنّه ليس لديه خيار سوى المراقبة في الوقت الحالي، فعاد بنظره إلى عربة أنجلينا.
بالتحديد، كان يحدّق في الوحش الملتف عند مدخل العربة.
“و هذا النوع حقًّا لم أره من قبل.”
عندما أخبرته هارلي لأوّل مرّة، لم يصدّق تمامًا. ظنّ أنّه لا يمكن أن توجد في غابة الظلام كائنات لا يعرفها.
لكنّ ذلكَ كان غرورًا منه.
“…وحش يستخدم القوّة المقدّسة؟ هذه المرّة الأولى التي أسمع فيها عنه”
شعر آنتي أنّ القوّة المقدّسة تفيض حول ذلك الوحش، و أنّها تحيط بأنجلينا أيضًا بغزارة.
ذلك هو سبب عدم اندفاعه فورًا ليقطع الوحش.
مهما كان نوعه، كان واضحًا أنّه صديقٌ لأنجلينا و يحاول حمايتها.
لكنّ آنتي ظلّ يحدّق فيه طويلًا بعينين مقطّبتين، ثمّ أطلق تنهيدة عميقة.
“القوّة المقدّسة… توافقني قليلًا.”
تمتم بصوتٍ غارق.
في تلك اللّحظة بالذات.
تأرجحت أذنا الوحش الملتف قليلًا، ثمّ رفع رأسه. و نظر مباشرةً إلى مكان آنتي.
كان في موقعٍ لا يمكن رؤيته بالعين المجرّدة على الإطلاق، و مع ذلكَ نظر الوحش بدقّة إلى حيث يوجد آنتي.
ظلّ يحدّق طويلًا، ثمّ فجأة انبعث من جسده ضوءٌ ساطع.
في تلكَ اللحظة، توتّرت يد آنتي الممسكة بالخنجر و كادت دائرة سحريّة تنشط، لكنّ الوحش تقلّص حجمه و أظهر شكله الحقيقي.
التعليقات لهذا الفصل " 28"