“هل… أنتَ فضوليّ بشأنِ أخي؟”
لم ترَه سوى مرّتين حتّى الآن، لذا لم تتمكّن من معرفة الكثير عنه بعد.
لكن بمساعدة الرواية الأصليّة، استطاعت أنجلينا أن تستنتج تقريبًا ما يدور في ذهنه.
“في الحقيقة، شعرتُ أنّكَ تريد سؤالي عن أخي، لكن السؤال خرج بهذه الصيغة.”
رفع الثعلب عينًا واحدة و نظر إليهما متسلّلًا، كأنّه هو الآخر فضوليّ.
“… نعم، صحيح.”
بعد لحظة، أومأ بليك موافقًا على كلامها.
شعرت أنجلينا بالرضا.
‘إن اهتمّ بأخي فهذا يسرُّني جدًّا.’
كانت أنجلينا تريد بالأصل ربط الاثنين بعلاقة جيّدة، لذا فإن هذا الخبر كان سارًّا لها.
“لكن الآن لم يعد الأمر ضروريًّا.”
“ماذا؟”
ارتبكت تمامًا من كلامه التالي.
لم يبدأ الحديث عن أخي بعد، و ها هو يفقد الاهتمام فجأة؟ هذا مزعج!
“لا بأس أن تسأل المزيد.”
قالت أنجلينا بأسفٍ واضح.
لكن بليك هزّ رأسه، و أغمض الثعلب الوحشي عينيه كأنَّ اهتمامه قد فتر هو الآخر.
“لا، لا داعي. جوابكِ السّابق كان كافيًا تمامًا.”
“جوابي بأنّني أثق بأخي؟”
“نعم.”
“…..؟”
كيف صار ذلك جوابًا؟ لم تفهم أنجلينا.
“حسنًا… إذن.”
لكنها وجدت أنه من الغريب أن تلحّ على شخص لا يبدو فضوليًّا، فكتمت أنجلينا أسفها في قلبها.
“إذن، ما رأيكَ أن ننهي جلستنا لهذه الليلة؟ لقد خضت معركة أيضًا، بالتأكيد ستكون متعبًا، و أنا أطلتُ بك كثيرًا.”
“كلّا، كان حديثًا ممتعًا.”
عندما نهض الاثنان، اقتربت هارلي و لورا فورًا و بدأتا بالترتيب.
رافق بليك أنجلينا حتّى أمام عربة النوم. مسافة قصيرة جدًّا لتُسمَّى مرافقة، لكنَّهما مشيا معًا.
نهض الثعلب أيضًا و تبع أنجلينا.
“يسرُّني أنَّكَ استمتعت. سنسافر معًا عدَّة أيّام قادمة، فلو مللت من ثرثرتي فستكون كارثة، أليس كذلك؟”
“يمكنكِ طرد هذا القلق تمامًا. لقد صرتُ أتطلَّع لعشاء الغد.”
ردَّت أنجلينا بابتسامةٍ على كلامه اللّطيف بكلام مماثل.
“أنا أيضًا. أرجو أن نتقابل غدًا.”
ثمّ مدَّ بليك يده ليساعدها على صعود الدرج بسهولة.
“شكرًا لك.”
لم ترفض أنجلينا لطفه.
“إذن، نامي بعمق.”
صعدت بمساعدته بسهولة، و ألقت تحيّة الوداع و استدارت لتدخل.
لكنَّه لم يترك يدها.
“سموّ الدّوق؟”
نظرت أنجلينا إليه من أعلى بعينين متعجِّبتين.
زمجر الثعلب بصوتٍ منخفض من الموقف المفاجئ.
برز سيف لورا قليلًا من كمّها، و صارت تعاويذ هارلي أكثر حدّة، و تباطأت حركات الفرسان قليلًا.
فاستنفر رفاق بليك أيضًا من نومهم.
و طبعًا، لم تلاحظ أنجلينا شيئًا من ذلكَ كالعادة، و بليك شعر بكلّ ذلك و مع ذلك لم يترك يدها.
“لماذا…”
نظر طويلًا إلى ظهر يدها بعينين معقَّدتين، ثمّ همس.
“ألن تسألي؟”
“عن ماذا؟”
“لماذا أنا متّجه إلى برج السحر؟”
ألن تسألي لماذا اخترتُ غابة الظلام بدلًا من طريق البرج الآمن؟
“لماذا أترك كنزًا ثمينًا مثل أرتواس بيد شخص التقيته مرّتين فقط، و ما الذي كنت أخطّط له عندما أخفيتُ هويّتي ذلك اليوم؟”
تكلم كأنه يشكو، ثمّ رفع عينيه إليها.
“لماذا… لا تسألين عن أيّ شيء؟”
عيناه كانتا مملوءتين بالحيرة.
كان الحديث يجري بلطف، فلم ينتبه أثناء الكلام. لكن عندما فكَّر لاحقًا، أدرك أنَّها لم تسأل شيئًا قط.
في اللّحظة التي أراد أن يترك يدها، استوعب ذلك.
كلّ النبلاء الذين يعرفهم يزنون كلَّ لقاء بميزان المنفعة. يخفون أوراقهم و يحاولون بكلّ الطرق كشف أوراق الآخر.
لكنها لا تفعل ذلك.
فكّرت في أنها قد تكون ماهرة جدًّا لدرجة أنه لم ينتبه.
لكن مهما استعاد حديثهم السابق، كان هو فقط مَنٔ يأخذ ما يريد، و هي لم تكسب شيئًا.
“لقد سبَّبتُ لكِ الإحراج لعدّة مرّات.”
قال كلامًا قد يكون وقحًا مرّات، لكنَّها تقبَّلته كلّه، دون أدنى انزعاج، بل راعت مشاعره.
“أنتِ يا آنسة فلوبيرت…”
حتّى لو لم يكن الطرف مهتمًّا، فمن الطبيعيّ أن يثور فضول بسيط مثل “لماذا لم تستخدم طريق البرج؟”.
لكنها لا تفعل ذلك حتّى.
كان ذلكَ مزعجًا و مُحبطًا لدرجة أنَّه لم يستطع ترك يدها.
لو كان نبيلًا آخر، لما شعر بهذا الشعور. لكان استفاد من الموقف و استدار فرحًا.
لكنه لم يستطع فعل ذلك معها.
لأنَّ حياتها التي تعيشها “مخدوعة” من الجميع تتداخل مع ماضيه البائس.
لأنَّه يشعر أنَّ براءتها النقيّة التي لم تتلطَّخ بالعالم يستغلُّها الرجل الماكر آنتي فلوبيرت.
“لماذا تعتقد ذلك، يا صاحب السمو؟ أنتَ لم تُحرجني أبدًا.”
كلُّ هذا اللطف الصغير منها كان يزعجه و يؤرِّقه.
هل عاشت حياة اعتادت فيها أن تكون التضحية أمرًا مفروغًا منه؟
“لماذا لا تسألين عن شيء…؟”
حتّى حجم يدها الصغيرة التي تكاد تختفي في كفه لفت انتباهه.
“رغمَ أنّني لم أسأل كثيرًا، فقد تعرَّفتُ عليكَ؟”
تحدَّثت أنجلينا بصوتٍ بريء جدًّا، غير مدركة لما يعتمل في صدره.
“علمتُ أنّكَ لا تميّز كثيرًا في الطعام، سواء كان لحمًا أو زبادي، و أنّ الوعد مهمّ جدًّا بالنّسبة لكَ حتّى لو كان متعلِّقًا بكنز ثمين.”
“يا آنسة فلوبيرت، هذا ليس…”
لا يُمكن أبدًا أن يتساوى ذلكَ مع الأسئلة الثقيلة التي طرحها هو.
لكن كيف يُفسِّر لها ذلك؟
هو يرى الظلم واضحًا، فهل ستفهم هي، التي تتكوّن من التنازل حتى النخاع؟
فتحت أنجلينا فمها بدلًا منه الشخص المصدوم.
“و أنّكَ شخص عميق التفكير أيضًا.”
“… نعم؟”
“ما تقوله الآن، و كلامكَ عن ردّ الجميل لما حدث في المزاد…”
ضحكت أنجلينا فجأةً ضحكة خفيفة، ثمّ أضافت بصوتٍ ناعم.
“أنتَ تشعر بالقلق ألّا أكون الخاسرة.”
بعبارةٍ أخرى، يحاول تحويل المواقف التي تُفيده إلى مواقف عادلة حتّى لو خسر هو.
“معظم الناس، إذا سارت الأمور لصالحهم، لا يُحاولون تصحيحها.”
“..…”
“لكنَّك تهتمّ بذلك. و هذا ليس بالأمر السهل.”
توقَّف بليك عن الكلام أمام كلماتها الهادئة المبتسمة.
حتّى في هذه اللحظة، بدلًا من أن تشعر بالظلم، تقوم بمدحه.
ما الذي يُمكن قوله لشخصٍ مثلها؟
“شكرًا لك، أيها الدّوق.”
قالت أنجلينا بصوتٍ ينضح بالصدق.
“و إن كنتُ قد أزعجتكَ بقلّة أسئلتي، فأعتذر. حتّى الآن، كان رفيق حديثي الوحيد هو أخي و الخادمات، لهذا أنا قليلة الخبرة في الحديث.”
من كلماتها الإضافيّة، شعر بليك بشيءٍ يعتمل في أعماق صدره.
لكن لو استسلم لهذا الشعور، لخرج كلام لا يجوز أبدًا، فعضَّ على شفته السفلى بقوّة.
“يا آنسة فلوبيرت.”
تمالك نفسه بصعوبة و قال.
“لم أنزعج أبدًا. أبدًا.”
كان شعورًا جديدًا تمامًا، فاضطرَّ لبذل جهد كبير لكبته.
“أنا لن أسأل سؤالًا غير ضروريّ مرّةً أخرى، فأرجو ألّا تعتذري.”
شعر أنَّه ارتكب وقاحة مجدَّدًا، فانحنى تجاهها.
“تصرَّفي كما يحلو لكِ.”
كان خائفًا أن تُرهق نفسها بالتفكير في أسئلة بسبب كلامه، فهمس متوسِّلًا.
“لتكن ليلتكِ هادئة.”
قبّـل ظهر يدها الصغيرة ثمّ تراجع.
نظرت إليه أنجلينا بعينين مرتبكتين قليلًا للحظة، ثمّ ابتسمت و أدّت تحيّة صغيرة و اختفت داخل العربة.
حتّى بعد أن اختفت، ظلّ بليك واقفًا مكانه كتمثال حجريّ.
كان صدره مضطربًا.
ما كان يتوقّعه منها هو أن يصل إلى الماركيز فلوبيرت من خلالها. لو سارت الأمور بشكلٍ جيّد، لكان الماركيز قد وقع في قبضته.
قبل ساعات فقط، كان يلعق شفتيه لهذه الفرصة.
لكنه الآن أصبح يكره ذلك.
كل الأشخاص الذين في محيطها أصلًا يخدعونها، فهل ينضمّ هو أيضًا إلى هؤلاء؟ أليس ذلك قاسيًا جدًّا؟
التعليقات لهذا الفصل " 27"