“لماذا؟ هل حدثَ شيء ما؟”
ارتفع صوت أنجلينا درجة واحدة عمّا كان عليه عندما أعادت السؤال. كان فرقًا طفيفًا، لكنَّه كان كافيًا ليُدرك مدى اندهاشها.
حتّى الثعلب الملقى عند قدميها انتبه لهذا التغيُّر، ففتح عينيه. دارت حدقتاه و هو يتأكَّد من أنجلينا.
“قال أنّ أمرًا طارئًا اضطرّه لمغادرة المقرّ فجأة. لكنّه أكّـد أنّه لا داعي للقلق و طلب منكِ أن تطمئني.”
بدت هارلي كأنّها تتوقّع ردة فعل أنجلينا، فأرفقت الجواب بشرحٍ مسبق.
“…آه؟”
لم تنفرج أسارير أنجلينا بسهولة بالطبع.
لكن هارلي كانت تتوقّع ذلك أيضًا، فأضافت المزيد.
“و بدلًا من ذلك، قال أنه سيُعدّ لكِ هديّة تعويضًا عن أسفه. يبدو أنّ هناك سفينة تحمل قلادة ألماس أحمر رائعة قد وصلت…”
عندئذ فقط انفجرت أنجلينا مطلقة ضحكة خفيفة.
“هذا هو أخي تمامًا.”
لا يفوّت فرصة شراء هديّة أبدًا.
“أخبريه أنَّني لا أريدها. هل يعرف كم قطعة مجوهرات أخذتُها منه حتّى الآن؟ لو علّقتُ قلادة مختلفة كلّ يوم، فلن تكفيني الـ365 يومًا في السنة.”
استرخى الثعلب مجدّدًا عندما عاد صوت أنجلينا إلى هدوئه، و أغمض عينيه.
“لكن إن كان لا بدّ أن يشتري شيئًا ليُريح ضميره، فأخبريه أنّ تذكرة مسرحيّة ستكون رائعة. سمعتُ أن هناك مسرحًا جديدًا افتُتح في شارع هاي ستريت.”
همست هارلي بابتسامةٍ مرحة.
“لقد حجز المقعد الخاصّ بالفعل.”
كيف يمكن لآنتي أن يفوِّت كلمة عابرة قالتها أنجلينا قبل أسابيع على العشاء عن رغبتها في زيارة ذلكَ المسرح؟
ضحكت أنجلينا مجدّدًا.
“إذن حسنًا، فليشترِ القلادة فقط. و أخبريه أنَّني لن آكل العشاء معه لأسبوعين.”
“آه…!”
انتفضت هارلي بصوتٍ عالٍ من تهديد أنجلينا، ثمّ دارت عيناها بسرعة.
قد يظنّ الغريب أنَّ الخادمة تشعر بالحرج من إيصال “التهديد” إلى الماركيز.
لكن أنجلينا التي تعرف هارلي و آنتي جيِّدًا فهمت معنى تلكَ الشهقة فورًا.
“لا تقولي لي أنّه اشتراها بالفعل؟”
“… هيهي.”
“يا إلهي، أخي حقًّا…”
تنهَّدت أنجلينا بعمق.
“متى اشتراها؟”
“الأسبوع الماضي….”
“يحبّ أن يتعب نفسه بشراء الهدايا.”
كم قضى من الوقت و هو يفكّر في ذريعة ليُعطيها إيَّاها بعد أن اشتراها؟
أخ لا يُمكن ردعه حقًّا.
“مهما كان الأمر الطارئ، أخبريه أن يأكل طعامه بانتظام.”
“حاضرة.”
غادرت هارلي المكان بارتياح بعد أن أنهت نقل الرسائل.
عندما بقيا وحدهما مجدَّدًا، فتح بليك فمه.
“يبدو أنَّ علاقتكِ بالماركيز جيّدة جدًّا.”
“هل يبدو الأمر ذلك؟”
ارتسمت على وجه أنجلينا ابتسامة رقيقة. ابتسامة تظهر تلقائيًّا كلَّما ذُكر آنتي.
كانت العاطفة الدافئة في تلكَ الابتسامة واضحة لدرجة أنّه حتّى بليك، الذي لم يرها كثيرًا، انتبه إليها.
‘هذا هو إذن.’
أدرك في تلكَ اللّحظة ما الذي يجب أن يستهدفه للاقتراب منها.
أمر طريف و مفارق بعض الشيء: فهو يريد التقرُّب منها ليصل في النهاية إلى الماركيز، و عليه أن يستخدم الماركيز نفسه لهذا الغرض.
“ألم تكونا تتواصلان عبر الكرة البلّوريّة كلّ يوم تقريبًا؟”
“منذُ دخولي غابة الظلام، نعم، كلّ ليلة. يبدو أنّ مجيئي إلى هنا أقلقه كثيرًا. قال إنّه لا يطمئن إلّا إذا رآني كلّ يوم.”
أدرك بليك من جوابها أنَّ حدسه صحيح، فأجاب بسلاسة.
“يكفي أن نرى هؤلاء الفرسان و الخدم الرائعين الذين أرفقهم بكِ لنعرف كم يحبّكِ الماركيز.”
بصراحة، كان بليك يتساءل قليلًا: هل هذه الفرقة موجودة فعلًا لحمايتها؟
نعم، إنَّهم يحمونها بشدّة، لكن من النظرة الأولى قد يبدو الأمر و كأنَّهم يراقبونها.
“يا له من تماسك مذهل.”
كان هذا ما قاله مايسون قبل أن يبدآ الأكل.
لم يكن أمر الساحرة و الوحش ما يزعج بليك و مايسون كثيرًا، بل فرقة الفرسان التي تدور حولها.
تبدو تصرّفاتهم طبيعيّة للعين العاديّة، لكن لعينين مدرَّبتين مثل عينيّ بليك و مايسون، كان واضحًا أنّ ما تحت السطح قتلة جاهزون.
“لا أعرف الآن أيهما الأكثر راحة: داخل طريق البرج أم خارجه.”
كان يشعر بليك و كأنَّ آلاف السهام مشدودة نحو مجموعته، جاهزة لتحويلهم إلى خلية نحل إذا ما أخطأوا خطوة واحدة.
لم يبدُ أنَّ كونه دوقًا يعني لهم شيئًا.
“قيل إنَّهم مجرّد فرسان جُمِعوا بالمال.”
كان يُشاع أنَّ فرقة فرسان عائلة الماركيز فلوبيرت ممتازة في المهارة، لكنّها تفتقر إلى الولاء و الإخلاص.
فآنتي فلوبيرت جمع أفضل الفرسان بقوّة المال فقط.
لكن عندما رآهم بنفسه، لم يكن الأمر كذلك البتّة.
كلّ واحد منهم مستعدّ للتضحية بحياته من أجل الفتاة التي أمامهم. كان ذلكَ واضحًا في نظراتهم الحازمة و في اللطف الذي يعاملونها به.
و الأكثر روعة أنَّ أنجلينا نفسها لا تبدو مدركة لهذه الحماية الدقيقة إطلاقًا.
بل إنَّ الجميع يمثّلون بكلّ ما أوتوا من قوّة كي لا تلاحظ شيئًا.
“كنتُ أعلم أنَّ الماركيز يحبّ أخته، لكن…”
كان معروفًا بين نبلاء إمبراطوريّة غراندونيا أنّ آنتي فلوبيرت يحمي أخته بجنون.
لكن مهما بالغ في الحماية، كيف لم يُـرَ وجهها و لو لمرّة واحدة حتّى بلغت سنّ الرشد؟
لذا انتشرت شائعات تقول إنَّه ربّما يحبسها.
إنَّه يقمعها و يتحكّم بها بشكلٍ مفرط.
حتّى بليك كان يميل لهذا الافتراض. فمثل هذا الرجل الخبيث القاسي قادر على فعل ذلكَ مع أخته بسهولة.
و رؤية فرقتها اليوم زادت من قناعته بهذا الافتراض.
هذه ليست حماية، بل مراقبة.
لكن…
“أخي قلبه رقيق جدًّا، لذا يقلق كثيرًا.”
كان الافتراض خاطئًا تمامًا.
“و لا تعرف كم هو حنون أيضًا. يبالغ في الاهتمام أحيانًا إلى درجة تحزنني.”
أيّ تعبير في هذا الوجه يشير إلى شخصٍ عاش مظلومًا تحت الضغط و القمع؟
مشاعرها تجاه آنتي فلوبيرت كانت حبًّا خالصًا و صدقًا لا يُخفى.
ليس الماركيز وحده مَنٔ يحبّ أخته، حتّى هي تحبّ أخاها بنفس القدر إن لم يكن أكثر.
‘لكن هل هذه الفتاة… لا تعرف حقيقة أخيها؟’
الفرق الوحيد أنّها تبدو غير مدركة لحقيقة آنتي فلوبيرت على الإطلاق.
كان ذلكَ واضحًا من كلامها عنه و من صدق ذلك الكلام.
“أخي قلبه رقيق جدًّا، لذا يقلق كثيرًا.”
هذا صادق.
إنَّها تؤمن بذلك دون ذرّة شكّ.
كيف يُعقل هذا؟
“ليست غبيّة أو قليلة الفهم. إنّما…”
لم يتقابلا كثيرًا، لكنَّها ليست امرأة غبيّة على الإطلاق. لكن أن تصل إلى هذا الحدّ من عدم المعرفة….
“لقد عاشت هكذا طوال حياتها.”
لم يكن لديها سبب واحد يومًا لتشكّ أو تتساءل.
كيف كان ذلكَ ممكنًا؟ يُمكن معرفة الجواب من تصرُّفات مَنٔ يحمونها.
“… الماركيز فلوبيرت ليس مجرّد مجنون عادي.”
شعر بليك بالقشعريرة.
كلُّ مَنٔ حولها يخدعها كدمية في سيناريو مكتوب بعناية.
تحت اسم “حمايتها”، لكن هذا….
“سموّ الدّوق؟”
نادت أنجلينا بليك الذي ظلّ يحدِّق بها دون كلام. كان ذلكَ أيضًا لأنَّ نظرته قد أظلمت قليلًا.
شعر بليك بشعورٍ غريب و هو يرى تعبيرها القلق عليه.
فتاة تركت انطباعًا أوّليًّا جيّدًا جدًّا. نقاء جعله يرغب في التحدُّث معها أكثر.
في مجتمع النبلاء الفاسد، لا يمكن إيجاد نقاء كهذا بسهولة.
لكن يبدو أنّ هذا النقاء يتلوّث بظلّ مظلم مثل ظلّ الماركيز فلوبيرت.
شعر بالضيق و الانزعاج.
“هل تثقين بالماركيز، يا آنسة فلوبيرت؟”
لذا خرج السؤال من قلبه دون تفكير.
كم من الوقت خدعها هذا الرجل المظلم و هي بهذه البراءة؟
شعر بالشفقة عليها، و بالغيظ أيضًا. غضب من الماركيز، و كان كلّ شيء مزعجًا و مقرفًا.
في الحقيقة، لم يكن هناك سبب لتغلي مشاعره هكذا تجاه قصّة امرأة التقاها بضع مرّات فقط.
و مع ذلك، فهم بليك سبب غليان كلّ هذه المشاعر فجأة.
كان شعورًا بالتضامن… و بالخزي من نفسه.
لأنَّه مـرّ بنفس التجربة.
تذكّر ماضيه المخزي عندما كان طفلًا، كان يصدّق كلام الإمبراطورة بأنّها تفعل ذلك لمصلحته، و يتحمّل كلّ أنواع الظلم.
عندما رأى تلكَ العينين البريئتين اللتين لا تعلمان شيئًا، غلى صدره.
فاندفع للحظة.
لكن عندما خرج السؤال من فمه، استفاق متأخّرًا.
“… أعتذر.”
أضاف الاعتذار بسرعة.
مهما كان، كان سؤالًا لا يجوز طرحه بتهوّر.
“يبدو أنَّني أخطأتُ في الصياغة. تجاهليه إن شئتِ.”
لم يعد بإمكانه سحب الكلمات التي قالها، لكنَّه حاول الترقيع قدر الإمكان.
“..…”
راقبت أنجلينا بليك الذي ارتبك بعد سؤاله بهدوء.
‘قيل في الرواية الأصليّة أنّه صلب و مستقيم بلا تكلُّف.’
إذن اعتذاره صادق.
و كذلك سؤاله، لا شكّ أنّه خرج من فضول صادق لا تصنُّع فيه.
“لا أعرف تمامًا ما المقصود بـ”الثقة”، لكن أيًّا كان المعنى، فأنا أثق بأخي.”
لذا قبلت أنجلينا كلامه كما هو دون تحريف.
فحسب الرواية، شخصيّته مستقيمة إلى درجة مفرطة، و لا يستطيع قول كلام يخالف ظاهره باطنه.
“أنا أيضًا لست بارعة في الكلام، و أخطئ في التعبير كثيرًا. فلا تعتذر، و تحدّث براحتك”
أضافت أنجلينا كي لا يشعر بالحرج.
لكن عينيّ بليك أصبحتا أكثر تعقيدًا.
فكَّرت أنجلينا قليلًا في سبب تصرفه هكذا، ثمّ وضعت يدها على ذقنها و ابتسمت ابتسامة خفيفة.
التعليقات لهذا الفصل " 26"