سلَّمت أنجلينا ذلك الشيء المغلَّف بقماش إلى بليك.
“هذا لا يمكن أن يكون…”
عرف بليك ما هو دون أن يفتحه، لأنَّ شكله مألوف جدًّا.
“يقال إنَّ هذا السيف عليه ختم سحري.”
كان أرتواس، كنز عائلة دوق كادنهارت.
“… نعم، صحيح.”
“لذا كنتُ أنوي أن أسأل سيّد البرج، و أنا في طريقي إليه، إن كان يعرف شيئًا عن ذلكَ الختم. آه، لم أكن أنوي استخدامه، إنه مجرّد فضول فقط.”
أضافت أنجلينا بسرعة، خشية أن يُسيء الفهم.
“لم أكن أعرف أنَّه كنز عائلتكَ، و كان ذلكَ اليوم مليئًا بمواقف محرجة منّي.”
“لا بأس. شكل أرتواس الحقيقيّ لا يعرفه سوى عائلة الدّوق و العائلة الإمبراطوريّة. من الطبيعيّ ألّا تعرفيه.”
“همم، سماع هذا يريحني قليلًا.”
أمسكت أنجلينا بالشوكة و السكّين مجدّدًا و قالت.
“على أيّة حال، سأعيده إليكَ.”
“لن آخذه.”
“ماذا؟”
توقَّفت أنجلينا فجأة و هي تغرز الشوكة في قطعة لحم.
فتح الثعلب الوحشي عينيه، ثمّ نظر إلى بليك و أنجلينا بالتناوب بعينين نصف مفتوحتين.
“أليس كنز عائلة الدّوق؟”
ثمّ أغمض عينيه مجدّدًا عندما جاء صوتها الهادئ التالي، و تابع تنفُّسه الناعم.
“نعم، هو كذلك.”
“فلماذا لا تأخذه إذن؟”
“ألم يكن ذلكَ مختلفًا عن الاتفاق الذي عقدناه؟”
“الاتفاق… هل تقصد حقًّا…؟”
“نعم. سآخذه حين أتمكَّن من إثبات أنَّه إرث عائلتي الحقيقيّ”
فقدت أنجلينا القدرة على الكلام.
هل تُصاب بالذهول، أم بالحيرة؟ لم تجـد ردًّا مناسبًا.
بعد صمتٍ قصير، رفعت الشوكة مجدّدًا و قالت.
“حسنًا، افعل ما تشاء”
لو كان شخصًا آخر، لكانت أجبرته على أخذه بالقوّة. لكنّ أنجلينا التي تتذكّر الرواية تعرف شخصيّة البطل جيِّدًا.
‘شخص يكره أن يشعر بأنّه مدين لأحد.’
عندما كان طفلًا، استخدمت الإمبراطورة “الدَّيـن” كذريعةٍ لإجباره على أمور ظالمة كثيرة، فصار ذلك جرحًا عميقًا في نفسه.
حتّى بعد أن صار دوقًا في أحداث الرواية، استمرّت الإمبراطورة في استغلاله أكثر ممّا يستحقّ ذلك الدَّين، و كانت تُذكّره به دائمًا لتضغط عليه.
ظهرت هذه الصفة حتّى عندما التقى بالبطلة.
كان يشعر بالضيق من مساعدتها المتكرّرة له، لأنّه يكره الشعور بأنّه مدين لها.
لكنَّ المفارقة أنَّ هذا بالذات هو ما جعله يقترب منها أكثر: ليجد فرصة لردّ الدَّين.
شخص صلب في الوفاء بالوعود، يُقدِّس تنفيذ الاتفاقات بدقّة.
“إن كان يريحكَ، يا صاحب السمو، فافعل ذلك.”
لأنَّها تعرف هذا جيِّدًا، فهمت سبب إصراره على إثبات الأمر أوّلًا، رغمَ أنَّه يستطيع أخذ أرتواس بسهولة.
“و سأحرص أيضًا على مكافأتكِ لأنّكِ منعتِ بيع السيف في المزاد ذلكَ اليوم.”
و عرفت أنَّ حديثه عن المكافأة الإضافيّة ينبع من الصفة نفسها.
“لا بأس. لم نكتب عقدًا رسميًّا، و لم يكن في الصفقة الأصليّة أيّ بند ينصّ على أجر أتقاضاه أصلًا.”
استخدمت كلمات “العقد” و “البنود” لتُقنعه.
“و مع ذلك، ترك الأمر هكذا لا يُحقّق التوازن.”
حرّكت الشوكة و قالت أمام إصراره الواضح على عدم الاقتناع.
“هل تشعر بالقلق لأنّني عرفتُ هويّتكَ الحقيقيّة؟”
في ذلكَ اليوم، لم يكن متحمِّسًا لهذا الحدّ بشأن المكافأة. كان يبدو و كأنَّه سيأخذ السيف و يرحل.
الفرق الوحيد بين ذلكَ اليوم و الآن هو أنَّها عرفت أنَّه دوق كادنهارت.
“… لا أستطيع أن أنكر ذلك تمامًا.”
أجاب بليك بصراحةٍ لافتة.
لو لم تكتشف أنَّه دوق كادنهارت، لما طرح مثل هذا السؤال.
بالطبع، كان ينوي بعد انتهاء الأمور أن يكشف هويّته بنفسه و يسألها عمّا تريده كمكافأة.
كان ينوي ألّا يترك أيّ غموض، لأنّه كان متأكّدًا أنّها ستكتشف ذلكَ عاجلًا أم آجلًا.
لكن لم يتوقّع أن تسير الأمور بهذا الشّكل.
“لا داعي للقلق. سواء كنتَ فارسًا عاديًّا أو دوقًا، فإنَّ حكمي عليكَ لن يتغير.”
قالت أنجلينا كأنَّها تطمئنه.
‘حسنًا، لو أردنا الدقّة، لو عرفتُ أنّه البطل لما تدخلّت أصلاً.’
ابتلعت هذه الفكرة داخلها.
على أيّة حال، لم يكن لديها أدنى نيّة لاستغلال كونه دوقًا.
لكن يبدو أنَّه فكَّر بشكلٍ مختلف.
“لكن لا يمكنني أن أترك الأمر و أنا مدين.”
أطلقت أنجلينا أنينًا خافتًا عند سماع كلمة “مدين” من فمه، فعرفت أنّ الأمر لن يمرّ بسهولة.
“لقد تلقّيتُ مكافأة بالفعل.”
بدت على بليك علامات عدم الفهم عندما قالت ذلكَ دون تردُّد.
رفعت أنجلينا كتفيها قليلًا و أضافت.
“بفضلكَ، تمكَّنتُ من زيارة دار المزادات الخاصّة بعائلتي فجأة و تفقُّدها. عرفتُ أنّ كلّ شيء يسير على ما يرام، و هذا بحدّ ذاته ربح كبير.”
قالت ذلكَ بهدوء، لكنّه ردّ بعبوسٍ واضح.
“… عشرة مليارات.”
كان يقول: كيف يمكن أن يساوي ذلكَ عشرة مليارات؟ فأضافت أنجلينا.
“كما شاركتُ كمتسابقة مجهولة، و هو أمر لم أكن لأفعله عادةً. هل هناك مكافأة أثمن من تجربة لم أختبرها من قبل؟”
لأنَّها حقًّا لا تريد شيئًا منه، راحت تُعلِّق قيمة على أمور لا تُقدَّر بثمن.
“بهذا المنطق، يصبح كلُّ شيء مكافأة.”
ردَّ بليك كأنّه يعلم أنَّ كلامها مجرّد لطف شكليّ لمراعاته.
“نعم، كلُّ شيء مكافأة.”
و لم تنكر أنجلينا ذلك.
“لكن ، أليس المتلقِّي هو الذي يحدّد قيمة المكافأة أصلاً؟”
بل زادت عليه.
“كما تعلم، المال بالنّسبة لعائلة فلوبيرت هو أسهل شيء و أقوى سلاح.”
اختارت كلمات لا تجرح مشاعره و تابعت الشرح.
“لكنَّه في الوقت نفسه ذو قيمة تافهة”
نعم، المال يرفع شأن فلوبيرت، لكنَّه لا يحرِّك قلب فلوبيرت.
“أمّا تجربة المشاركة مجهولة في مزاد و التنافس فيه من أجل فارسٍ لا أعرف اسمه حتّى…”
ابتسمت أنجلينا ابتسامة خفيفة و هي تتذكَّر النشوة الغريبة التي شعرت بها في دار المزاد.
“لقد لوَّنت حياتي اليوميّة الرتيبة المملَّة بألوان جديدة.’
“…..”
“بالنّسبة لي، كانت قيمة تلكَ المتعة تفوق عشرة مليارات فقط.”
راقبت أنجلينا تعبيره بعد أن انتهت من الشرح.
‘يكفي هذا ليقتنع، أليس كذلك؟’
كون التجربة الجديدة أغلى من المال كان كلامًا صادقًا من قلبها.
لو قورنت المشاركة في المزاد بعشرة مليارات، فالتوازن لن يكون متكافئًا بالتأكيد. و هي تعترف بذلك.
لكن لو ظهر أنَّها تفكِّر هكذا، فسيتمسَّك بالمكافأة بإصرار أكبر.
‘أحتاج أن أجعل أخي و البطل على علاقةٍ جيّدة، لذا إن صرنا دائنًا و مدينًا ستصبح الأمور مزعجة.’
لذا أرادت أنجلينا أن توضِّح تمامًا أنَّه ليس مدينًا لها بشيء.
بعد صمتٍ طويل بدا فيه بليك غارقًا في التفكير بوجه مظلم، فتح فمه أخيرًا.
“بالفعل… قيمة الشيء تختلف بحسب الشخص.”
“أليس كذلك؟”
شعرت أنجلينا بالفخر لأنَّ كلامها المراوغ نجح.
“نعم. يبدو أنَّ قيمة المتعة التي شعرتِ بها، يا آنسة فلوبيرت، خارج نطاق تقديري.”
“تمامًا كما لا أستطيع أنا تقدير مدى الارتياح الذي شعرت به ذلكَ اليوم.”
أكَّدت مجدَّدًا أنَّ شعورهما بأنَّ أحدهما أعطى أقلّ و أخذ أكثر متساوٍ، ثمّ أشارت إلى هارلي.
“إن كنتَ انتهيت، هل أطلب الحلوى؟”
أرادت إنهاء الموضوع بأناقة قبل أن يتشبَّث به أكثر.
لحسن الحظ، تبع تدفّق الحديث دون اعتراض.
“حلوى؟”
في الحقيقة، لم يعجبه أن ينتهي الأمر هكذا. ما زال يشعر بأنه مدين لها.
لكن بما أنَّها قالت كلّ هذا، لم يبدُ له من اللطف أن يُصرَّ أكثر.
ربّما الأفضل أن ينتظر فرصة لردّ الجميل لوحده في المستقبل.
“همم، قد لا تكون بالضبط حلوى. لدينا زبادي.”
“كلُّ شيء جيّد.”
لم يرفض بليك.
إن كانت قد أعطته فعلًا فرصة لا تُقدَّر بثمن، فالأفضل له أن يقضي أطول وقت ممكن معها.
اقتربت كل من هارلي و لورا بسببِ إشارة أنجلينا، أزالتا الأطباق بسرعة، و أحضرتا الزبادي.
لكن هارلي لم ترحل بعد أن وضعت وعاء الزبادي.
“سيّدتي.”
بل طلبت الإذن من بليك بهدوء ثمّ نادت أنجلينا بصوتٍ خافت.
“نعم، ما الأمر؟”
“قال الماركيز إنَّ الاتصال عبر الكرة البلّوريّة سيكون صعبًا لبضعة أيّام اعتبارًا من اليوم.”
تغيّرت عينا أنجلينا، و تغيّرت عينا بليك أيضًا عند سماع ذلك.
“لماذا؟ هل حدثَ شيء؟”
ارتفع صوت أنجلينا درجة واحدة عمّا كان عليه.
فرق طفيف، لكنَّه كان كافيًا ليُدرك مدى اندهاشها.
التعليقات لهذا الفصل " 25"