اقترحت أنجلينا أن يتناولا العشاء معًا، فوافق بليك بسرور دون تردُّد. لم يكن لديه سبب للرفض أصلًا.
لكنَّ رفاق بليك الذين اقتربوا ليفرغوا أمتعتهم و يساعدوا في التحضير، توقَّفوا فجأة مبهورين.
“هذا…”
أطلق بليك صوت إعجاب خافت و هو يرى اللحم يدور ببطء فوق نار سحريّة و يُشوى. كان صوته مفعمًا بالدهشة و الاستغراب.
بدت أنجلينا حائرة للحظة من ردَّة فعله، ثمّ تنهَّدت و كأنها تفهم متأخِّرة.
“آه، إنَّها المرّة الأولى التي ترى فيها ثور الغابة، أليس كذلك؟”
“…..”
لم يُجب بليك.
الحقيقة أنَّه صادف هذا الوحش عشرات المرّات في طريقه إلى هنا، لكنَّه لم يعلم أبدًا أنَّ اسمه “ثور الغابة” إلّا الآن.
“قالت هارلي إنَّه وحش يعيش فقط في غابة الظلام.”
“… أها.”
لا عجب أنَّه لم يره من قبل في أيِّ حملة تطهير أخرى.
“شكله كأنَّه خليط بين خنزير و دبّ، لكنَّ طعمه يشبه لحم البقر تمامًا.”
“هل جرّبتِه فعلًا؟”
“أكلته ليلة دخولي طريق البرج للمرّة الأولى. و بالصدفة تمّ اصطاد واحدًا آخر صباح هذا اليوم، لحسن الحظّ.”
لم يعرف بليك أيَّ تعبير يضعه على وجهه أمام شرحها الهادئ البسيط.
هل… تحاول اختباره؟
كان بليك يعرف جيِّدًا الألقاب و الشائعات التي تدور حوله بين الناس.
دوق مجنون. المجنون القاتل. الوحش الذي يشرب دماء الوحوش.
كانت تلكَ الترّهات تُضخَّم و تُشوَّه مع مرور الزمن حتّى صارت أكثر قسوة.
بالنّسبة لبليك الذي كان يُرمى منذُ طفولته في حملات تطهير بين الحياة و الموت بأمر الإمبراطورة، كانت تلكَ الأقوال ظالمة إلى أبعد حدّ.
لكنَّه تجاهلها جميعًا.
ما هي إلّا هراء، و لم يكن لديه وقت أو عاطفة ليهتمَّ بمثل تلك الأحاديث.
و مع ذلك، لا شكّ أنَّ هناك الكثيرين من الأشخاص الذين تشكَّلت لديهم تحيّزات ضده بناءً على تلك الشائعات.
لذا لم يستطع بليك إلّا أن يشكَّ.
النبلاء الذين يعرفهم يستمتعون باستكشاف الآخرين، و يحبّون الحكم عليهم تعسّفيًّا.
لو كان أحدهم مكانها، لكان اقتراح أكل وحش اختبارًا متعمَّدًا له.
لكنَّ الطرف الآخر كانت أنجلينا.
المرأة التي أنفقت مليارًا دون تردّد لمساعدة شخصٍ لا تعرفه، فقط لأنَّه طلب العون.
امرأة بريئة لكنَّها ليست غبيّة، كريمة لكنَّها ليست ساذجة…هكذا حكم عليها.
و الأهمّ من كلِّ ذلك، امرأة تملك شيئًا لا يستطيع حدسه قياسه.
لذا لم يعرف بليك كيف يردّ أصلًا.
خاف أن يردَّ الاستفزاز بمثله فيُخطئ، و لم يرد أن يبدو كأحمق لا يفهم شيئًا.
بقي واقفًا متجمِّد الوجه يحدِّق في ثور الغابة، فخاطبته مجدَّدًا.
“هل أنتَ ربّما تكره اللحم؟”
تجهّم وجهه بسببِ سوء الفهم الواضح.
‘غريب… في الرواية لم يُذكر أنَّه نباتي.’
لكن بما أنَّ الرواية سيّئة الشرح، ربّما أغفلوا مثل هذه التفاصيل.
أجاب بليك بهدوء.
“الأمر ليس كذلك. أنا معتاد على هذا النوع.”
كان جوابًا يحمل بعض الصّدق و الصراحة التي لم يكن ليبديها أمام نبيل آخر، لأنَّهم سيتشبَّثون بكلماته فقط.
لكنَّ تعبيرها و هي تسأل كان نقيًّا جدًّا.
لم يظهر عليها أدنى أثر على أنها تختبره، فأجاب بهمس.
“المهم أن يملأ المعدة، فما المهم في نوعه؟”
في حملات التطهير، كانت الإمدادات تنقطع و الطعام ينفذ لعدّة مرّات.
كانوا يصبرون و يتحملون ، ثمّ يلتفتون أخيرًا إلى جثث الوحوش.
كان عليهم أن يأكلوا ليبقوا أحياء.
كانت الرائحة الزنخة لا تُطاق، و لم يكن لذيذًا يومًا.
و من دون الإشارة إلى الطعم، كان يشعر في كلِّ مرّة أنَّ شيئًا ما خاطئ.
عندما يأكل كائنًا قتله مغطّى بدمائه، يشعر بشيءٍ يتلوَّى داخل صدره.
ما الفرق بينه و بين الوحش الذي يصطاد البشر و يأكلهم؟
كان يشعر أنَّه ينقصه الأخلاق التي يجب أن يتحلَّى بها الإنسان، و أحيانًا كان يمقُت نفسه.
لكن___
“صحيح، أليس كذلك؟ إذا أكلتَ و لم تمرض فهذا ربح، و إذا كان لذيذًا أيضًا فهو كنز بعينه.”
لماذا تتعاطف هذه المرأة مع كلامي المقزّز المريب؟
إنه ليس تعاطفًا بالضبط… بل شيء آخر قليلًا.
تفهُّم؟ تعزية؟
لا أعرف بصراحة.
من الواضح أنَّ النبلاء الذين كانوا يشيرون إليه و يشمئزون منه كـوحش ما كانوا ليُظهروا مثل هذا الموقف أبدًا.
ذلكَ جعل ريحًا غريبة تعصف في صدر بليك. ريح شائكة تدور داخل أحشائه.
شعور لا يجب أن يعرفه، شعور مزعج جدًّا.
لذا قام بتغيير الموضوع بسرعة.
“ألا تخشين أن تجذب الرائحة وحوش غابة الظلام الأخرى؟”
“لا داعي للقلق بشأنِ ذلك.”
أشارت أنجلينا إلى هارلي و هي تشرح.
“هارلي تتولَّى الأمر ببراعة.”
كانت هارلي تستخدم سحر الرياح بدقّة متناهية.
سحر رياح للتحكُّم في الروائح مع نار الطهي، إضافة إلى عدد لا يُحصى من تعاويذ الحماية و تعاويذ هجوميّة مخفيّة بمهارة.
إلى أيّ مدى تصل حدود هذه الساحرة؟
“كلَّما رأيتُها زاد إعجابي بها.”
قال بليك بصدقٍ تامّ.
ابتسمت أنجلينا ابتسامة خفيفة، فحتّى هي التي لا تفهم معظم تعاويذ هارلي كانت تتَّفق على أنَّها موهوبة جدًّا.
“تجنيدها مستحيل للأسف. إنَّها شخص ثمين أرسلها أخي بنفسه لحمايتي.”
ثمّ ألمحت بلباقة إلى كفاءة آنتي أيضًا لتترك انطباعًا جيِّدًا.
في تلكَ اللّحظة التي التقت فيها أنظارهما، رنَّ صوت هارلي في المخيَّم.
“انتهى الطهي!”
・ 。゚✧: *. ꕥ .* :✧゚. ・
عادةً كانت أنجلينا تجلس مع الفرسان حول النار للعشاء، لكن بما أنَّ بليك موجود اليوم، جهّزت مكانًا منفصلًا خاصًّا.
بليك أيضًا كان معتادًا على الأكل مع مرؤوسيه، لكنَّه لم يرفض المكان المنفصل.
“هل هو يناسب ذوقكَ؟”
كان الثعلب الوحشي بجانبها أيضًا. ملتفٌّ عند قدميها، واضعًا رأسه على ركبتها و هو نائم.
“أنا آكل كلَّ شيء.”
“و أنا أحبّ كلّ أنواع اللحم.”
وضعت أنجلينا قطعة لحم ساخنة في فمها و قالت.
‘كالعادة، هارلي مبدعة في الطهي.’
كان لذيذًا جدًّا اليوم أيضًا.
“الآنسة فلوبيرت”
بعد صمتٍ طويل أثناء الأكل، بدأ بليك الكلام أخيرًا.
“تفضَّل.”
“إذا لم يكن الأمر وقحًا… هل لي أن أسأل لماذا تتّجهين إلى برج السحر؟”
سؤال طالما تردّد في إخراجه حتّى شعر أنّه تأخَّر كثيرًا.
في الحقيقة، أراد بليك طرح هذا السؤال منذُ اللّحظة الأولى التي رآها فيها.
لماذا تأتي فتاة رقيقة نشأت في قصر الماركيز كزهرة في دفيئة إلى مكانٍ مظلم و مخيف كهذا؟
هل أرسلها الماركيز؟ أم جاءت بإرادتها لأنّها تحتاج شيئًا؟
في كلتا الحالتين، ما السّبب؟
إذا كان الماركيز يريد شيئًا من سيّد البرج، فالتواصل المباشر أجدى، و هو يعلم ذلكَ جيِّدًا، و هذه الفتاة لا تبدو مهتمّة ببناء قوّة خاصّة بها.
إذن، هل تحتاج خدمة أخرى من البرج؟
لو كان الأمر كذلك، لكان إرسال رسالة أسهل بكثير. لم تكن مضطرّة للحضور بنفسها.
أراد بليك منذُ لحظة لقائهما العَرَضيّ أن يكتشف هدفها. لكن مهما فكَّر، لم يصل إلى نتيجة.
فسأل أخيرًا. لم يكن هناك موضوع آخر للحديث، و التوقيت مناسب تمامًا.
“برج السحر…”
لم تجـب فورًا، بل صمتت قليلًا.
ارتشفت رشفة من النبيذ الذي حضَّرته لورا، ثمّ تابعت ببطء.
“لكلِّ إنسانٍ سرٌّ لا يستطيع البوحَ به، أليس كذلك؟”
كان ذلكَ بمثابة رفض للإجابة في النهاية.
لكنَّها بدلًا من ذلكَ رفعت يدها و نادت لورا.
“لكن هناك شيء واحد يمكنني قوله على الأقل.”
ثم همست شيئًا في أذن لورا. فذهبت لورا إلى العربة و أخرجت شيئًا منها.
التعليقات لهذا الفصل " 24"