الفكرة المشؤومة التي بدأت تراودها، أصبحت أكثر إقناعًا وبدأت تتداخل، وفي النهاية شعرت حتى بالذنب وكأنها هي السبب.
لكن هلّ هذا مبرّرٌ للقتل؟ مستحيل.
…….
فلأجمع شتات نفسي. أنا بحاجةٍ لرؤية وجه بعضنا البعض وسماع ما سيقوله.
“بالمناسبة، كان كونت موند مثيرًا للريبة حقًا. استمعتُ إلى حديثه مع الخادم، ويبدو أنه لا يوضّح أرباح أعماله بشكلٍ صحيح.”
“إنه كافٍ لفعل شيءٍ كهذا.”
كتب كارل شيئًا على ورقةٍ مختلفةٍ عن ورقة العمل التي كان يقرأها. لم تفهم آفري، التي تتجوّل بين منازل النبلاء وتُقيم فقط في قصر غراهام، الوضع. ولكن بسبب العديد من الأسرار التي أفشت بها له، أصبح لدى العديد من العائلات النبيلة نقاط ضعفٍ بيد كارل.
لم تكن الشائعات خاطئةً تمامًا. في الواقع، كلّ لعنات منازل النبلاء كانت من عمل آفري.
في هذا الوقت، مع تقاريرٍ لا تنتهي تشبه الثرثرة، كان يجب أن ينزعج ويتجاهلها، لكن اليوم كان مختلفًا. أجابها وواكب حديثها، وبدأت آفري، التي ارتفعت معنوياتها، في الكلام أكثر.
“يبدو أن الآنسة نشأت دون مشاكل. عندما راقبتُها، كانت قليلة الكلام أيضًا.”
“……”
“هذا من منظور قراءة الوجه.”
“يبدو هذا صحيحًا.”
“هل تعتقد ذلك أيضًا، دوق؟”
اعتقدتُ أنه لا يؤمن بأشياء مثل قراءة الوجه، هذا مفاجئ؟
أدار كارل، الذي كان يضع فنجان الشاي، الفنجان بخفّة. كان شاي الآذريون منقوعًا بشدّة، لدرجة أن الشاي الأحمر كاد يفيض.
“بالنظر إليكِ، يبدو الأمر دقيقًا تمامًا.”
ماذا؟ لماذا أنا؟
“أنتِ تتحدّثين كثيرًا. معظم كلامكِ هراء.”
كلامي هراء؟ إنها أسرارٌ من الدرجة الأولى لا يمكن معرفتها إلّا بعد الفحص الدقيق بعين الصقر.
أرادت أن تصرّ على ذلك، لكن آفري كانت تعرف بالفعل. إذا تحدّثت عن النقاط الرئيسية فقط، كان يمكن إنهاؤها بجملةٍ واحدة.
إذا سمع، لن يصدّق، لكن في الحقيقة، آفري ليست شخصيةً كثيرة الكلام عادةً.
لأنها دائمًا مشغولةٌ في التحويل إلى أفعال.
تصبح كثيرة الكلام فقط أمام الأشخاص المقرّبين.
لكن هذا لا يعني أنني مُقرّبةٌ منه.
ببساطة، لم يكن لديها الآن سوى كارل لتتحدّث معه. لا يوجد أحدٌ يمكنه سماع كلامها كشبح. هناك أشباحٌ أيضًا، لكن بشكلٍ عام، هم ليسوا أشخاصًا يمكن إجراء محادثةٍ طبيعيةٍ معهم.
لم يسبّب لأشباح في القصر، باستثناء اليوم الأول، أيّ ضررٍ أو أذى لآفري، لكن لا يمكن معرفة متى قد يتغيّرون مرّةً أخرى. في الواقع، لقد شهدت أفعالهم غير الطبيعية في الأيام الأولى.
على سبيل المثال، لعب الكرة برأس شبح، أو منافسة مَن يمكنه كسر المفاصل بشكلٍ أفضل.
هل كلّما طالت فترة التجوّل كشبح، تختفي تدريجياً المهارات الاجتماعية التي يمتلكها الإنسان؟
عندما تحلّ كلّ شيءٍ وتعود إلى جسدها الأصلي، يجب أن تعود آفري دون أن تفقد أيّ شيءٍ تملكه. لا يجب أن تتغيّر أيٌّ من جوانبها التي يحبّها أحبّاؤها.
كان هذا ما فكّرت فيه بشكلٍ وسواسيٍّ حتى الآن. كان لدى آفري واجبٌ واضح. كان تكفيرها الخاص تجاه آفري الحقيقية وعائلتها.
بهذا المعنى، لعب كارل دورًا في منعها من فقدان إنسانيتها. لكنه لم يكن يعرف ذلك.
في تلك اللحظة، جذب انتباه آفري الغارقة في أفكارها.
“ولماذا تقدّمين لي تقارير؟”
عند السؤال الأساسي، نظرت إليه آفري بذهولٍ وأجابت.
ذلك لأن…
“لأنني ظننتُ أنكَ ستشعر بالفضول؟”
“أبدًا. أنتِ مخطئة.”
كان حازمًا، لكن آفري لم تستسلم.
“آه، لذلك أعتقد أنني سأُغادر القصر كثيرًا في المستقبل. خشيتُ أن تبحث عني.”
“لا داعي للقلق بشأن ذلك أيضًا.”
أرى. هل كان يجب عليكَ قول هذا؟
حسنًا، كيف يمكن للمرء أن يعيش وهو يقول كلّ ما يريد قوله؟
أغلقت آفري فمها بشدّةٍ وابتسمت، وتخيّلت محتويات فنجان الشاي الذي يمسكه ينسكب تمامًا على ملابسه. عندها فقط، تحسّنت حالتها المزاجية.
… أليس كارل هو الذي يمحو إنسانيتي بأسرع ما يمكن؟ بدلاً من الابتعاد عن الأشباح، هل يجب أن أبتعد عنه؟
“الأسبوع القادم، لن أكون هنا أيضًا.”
“إلى أين ستذهب؟”
“القصر الإمبراطوري.”
“آه، هل ستذهب إلى الاجتماع الدوري؟ أعرفه لأن والدي وأوليفر، لا، أخي يحضرانه بانتظام.”
عندما اصطحب أبي أوليفر لأوّل مرّةٍ إلى الاجتماع الدوري للقصر الإمبراطوري، كان يرفع كتفيه بفخر.
“……”
… هل سيقابل كارل والدي أو أوليفر هناك؟ إذا تحدّثوا وتطرّقوا إلى الحديث عني…
أغمضت عينيها بشدّةٍ للحظة، وشعرت بالصداع.
كان كلٌّ من أبي وأوليفر لا يستطيعان الكذب. يتصبّبان عرقًا، أو تتذبذب عدستا عينيهما، أو تتوسّع حدقتاهما. تظهر عليهما معظم خصائص الكذب دون استثناء. كان الأب والابن متشابهان.
إذا تمّ التطرّق إلى حديثٍ عنها، كان من الواضح كيف سيتصرّفان، وشخصٌ مثل كارل الذي يقرأ أفكار الآخرين بسهولةٍ لا يمكن إلّا أن يلاحظ الكذبة الخرقاء.
“… متى قلتَ أنكَ ستذهب؟”
“سيكون اليوم الثالث من الأسبوع القادم.”
“ألا يمكنكَ ألّا تذهب؟”
هذه المرّة، اختار تجاهلها بدلاً من الرّد. لأنه عرف أنها ستقول هراءً حتى دون أن يسمع.
“لديّ حدسٌ قويّ، لكنّني أشعر بشعورٍ سيئٍ حيال ذلك اليوم. أشعر بأنّ مكروهًا سيحدث لك، دوق.”
خفضت آفري نبرة صوتها عمدًا وحذّرته. كان صوتها متوسّلاً، وجبينها عابس. كان أداءً رائعًا إلى حدٍّ ما.
لكن، النتيجة معروفةٌ للجميع.
“أدّي عملكِ فحسب، يا آفري جراند.”
كارل غراهام القاسي.
***
“ماذا عن هذا؟”
“ليس جيدًا.”
“إنه جميل، آنستي.”
“لا أحد سيكون سيلفتُ الأنظار أكثر من الآنسة!”
“إذن ماذا عن هذا؟”
“هذا أيضًا ليس جيدًا.”
” يبدو الفستان ينبض بالحياة عندما ترتديه الآنسة.”
“لا أحد يمكنه تحمّل هذا الفستان مثل الآنسة.”
“هل عيني فقط غريبتان هنا؟”
كانت الخادمتان تمدحانها بلا توقف، لكن آفري التزمت برأيها بثقة.
“حقًا؟ إذن يجب أن أشتري كلاهما.”
للأسف، تم تجاهل جميع آراء آفري.
هذا المنزل يُجيد التملّق.
شعرت آفري بالملل واستلقت على الأريكة. لم يكن هذا مؤدّبًا تجاه صاحبة الغرفة، لكن كان لآفري أسبابها الخاصة.
نبيلة هذا المنزل كانت تقوم بعرض أزياءٍ وهي تبدّل فساتين لا حصر لها حتى قبل وصول آفري. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى تشعر بالضجر وهي تشاهد فساتين لا تعرف ما المختلف فيها خلال ساعاتٍ قليلةٍ فقط.
“أليس هناك أيّ شيءٍ آخر؟”
“نعتذر، كان هذا الأخير.”
وصلت الأخبار السارّة.
“آه، كان هناك واحدٌ آخر هنا.”
لا.
على عكس آفري التي كانت على وشك الانهيار، كانت النبيلة ذات الشعر البنيّ المجعد بنفس الحماس الذي بدأت به، دون أيّ علامةٍ على إرهاق، تقبّلت الخدمة.
هل هي مقاتلةٌ خفيّة؟ لياقتها البدنية لا تُصدَّق.
بينما كانت آفري تشكّ بشكلٍ معقول، كانت النبيلة المجهولة تنظر إلى الفستان الجديد.
كان الفستان الجديد أيضًا فستانًا جريئًا لم يجرّبه أحدٌ حتى الآن. لم يجرّبه أحدٌ حتى الآن، ولن يجرّبه أحدٌ في المستقبل.
“المصمم لديه روحٌ تجريبيةٌ عالية.”
“إنه فستانٌ مصنوعٌ لي.”
كانت النبيلة راضيةً هذه المرّة أيضًا. على أيّ حال، من الجيد أنه يناسب ذوقها.
أيّ نبيلةٍ كانت هذه؟
بمجرّد تضييق قائمة الضحايا المحتملين، لم تعد آفري، التي زارت العديد من منازل النبلاء، تحفظ أسماء النبيلات ولا تهتمّ بها.
يبدو أن اسمها كان كلارك. آه، سارة كلارك.
“يجب أن أبدو الأكثر تميّزًا.”
يبدو أن هذه العائلة لديها مواردٌ ماليّةٌ كافيةٌ لدعوة مصممٍّ خاص.
نظرت إلى الوضع بعينٍ نصف مفتوحة، ثم نهضت من مكانها. عندما نظرت إلى النافذة، كان يمكنها رؤية عربة غراهام متوقفةً في مكانٍ ليس بعيدًا عن القصر.
لم تُرِد آفري أن تستخدم طريقةً غير فعّالةٍ كهذه. لكن، لم يكن هناك طريقةٌ أخرى. كان عليها فقط التجوّل يوميًا في منازل النبلاء والمشاهدة.
اليوم أيضًا، لم يكن هناك اكتشافٌ خاص.
بصراحة، كانت تأمل في أن تتمكّن من التعرّف على الضحية فورًا.
حدس القارئ الذي قرأ الرواية الأصلية للتعرّف على الضحية فورًا. كانت تتمنّى هذا النوع من الاشياء.
“لم أكن أتوقّع أنني لن أتذكّر أيّ شيءٍ بهذا الشكل…”
لو عرفتُ ذلك، لكنتُ قرأتُ الرواية بعناية.
مشت آفري بخفّةٍ نحو الباب دون ندم. في تلك الأثناء، فقدت النبيلة اهتمامها بالفستان الجديد وبدأت في النظر إلى كتاب التصميم.
“ما هذا التصميم؟”
“آه، هذا فستانٌ لم يكتمل بعد.”
على عكس التردّد التي ظهر في نبرة الصوت، لم تستطع الآنسة كلارك أن ترفع عينيها عن التصميم.
“هل هو موجودٌ الآن؟”
“إنه موجود، لكنه لم يُزيَّن بعد ولن يلبّي توقّعات الآنسة.”
“أحضريه.”
فتح المصمم أنجيلو، من دار أزياء بيل مود، فمه ليرفض مرّةً أخرى بأدب.
لأن إظهار تصميمٍ غير مكتملٍ كان أمرًا نادرًا ما يحدث ما لم يكن فستانًا مخصّصًا، وكان أمرًا مُرهِقًا جدًا للمصمّم.
كيف سأصف هذا التقرير؟ جامع فساتين جريءٍ ذو روح تحدٍّ عالية؟
كانت موجزة، لكن يبدو أنها أوضحت الأمر جيدًا.
“مَن كانت التالية؟…”
“سأدفع الثمن مقابل طلبي غير المعقول. سأشتري جميع الفساتين التي ارتديتُها حتى الآن.”
فجأة.
توقّفت خطوات آفري عند الباب.
“آآه…”
على عكس المصمّم الذي وقف مذهولاً لا يستطيع قول أيّ شيء، تنهّد المساعدون بجانبه بإعجاب.
مَن يمكنه المغادرة بعد سماع هذا؟
ما الذي يحدث بحق السماء؟
استدارت آفري وعادت إلى مكانها بحماس، ونظرت إلى التصميم الذي كانت الآنسة تنظر إليه.
“……”
عندها عجزت عن الكلام.
“… هذا…”
في كتاب التصميم الذي نظرت إليه بدافع الفضول البسيط، كان فيه رسمًا لفستانٍ تعرفه بالفعل.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
انستا: le.yona.1
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 19"