[ريشا أميونيل]
“مستبعدة.”
[إيرينا لوسكا]
“مستبعدة.”
[ميا ديموند]
“مستبعدة.”
داخل مكتب العمل، احترق كلّ ذلك الحطب في المدفأة وتم استبداله عدّة مرّات، لكن آفري لم تغادر مكانها واستمرّت في البحث عن النبيلة التي تنطبق عليها الشروط.
في النهاية، بقيت آفري وحدها في مكتب العمل. غربت الشمس التي كانت في منتصف السماء، واستقبلتها سماءٌ سوداءٌ حالكة. حتى كارل، المُدمِن على العمل، قد غفا في ساعات الفجر المتأخّرة.
“آه، ستسقط عيناي.”
انحنت آفري التي كانت تحدّق في الأوراق بتركيز، وتمدّدت على الأريكة. وصلت إلى حدود تركيزها.
توقّفت آفري للحظة بينما كانت تضغط حول عينيها المغلقتين بأصابعها. لأنها شعرت بالأسف تجاه الكلمات التي أطلقتها دون قصد.
دعنا لا نقل أنها ستسقط، فهناك أشباحٌ فقدوا عيونهم حقًا.
على أيّ حال، متى كانت آخر مرّةٍ ركّزت فيها بهذا الشكل؟ أعتقد أنها كانت عندما درست العائلات النبيلة وآداب السلوك بعد أن أصبحت متجسّدة.
لم يكن التقدّم سيئًا. نظرت آفري إلى أكثر من نصف تلك الأوراق الكثيرة، واختارت عددًا لا بأس به من الضحايا المحتملين. كان الأمر يستحق البقاء طوال اليوم.
شيءٌ واحدٌ كان يزعجها، حقيقة أن النبيلات اللواتي حضرن حفل رأس السنة الجديدة، اللواتي نظرت إليهن حتى الآن، سيحضرن أيضًا حفل ذكرى ولي العهد الذي سيسبقه.
هل ظهر حفل تنصيب ولي العهد حقًا في القصة الأصلية؟
بغض النظر عن مقدار تفكيرها بذلك، لم يكن لديها أيّ ذكرى.
إذا ظهر في القصة الأصلية، فلماذا اختار القاتل حفل رأس السنة الجديدة وترك الحفل القريب؟ لأنه لم يكن مستعدًّا؟ إذاً، هل استعدّ لأجلي بشكلٍ مثاليٍّ وتمّ قتلي مرتين؟ هذا ليس صحيحًا أيضًا.
لم تستطع معرفة السبب.
“آه، لا أعرف. لا أعرف.”
المهم هو حفل رأس السنة الجديدة حيث ستظهر الضحية الثانية، وليس حفل ذكرى تنصيب ولي العهد.
أحتاج فقط إلى الاهتمام بمَهمتي. أُنقِذُ الضحية الثانية في حفل رأس السنة الجديدة، وأُمسِكُ بالقاتل، وأعود إلى جسدي الأصلي. كانت خطّةً مثالية.
“هيّا!”
نهضت فجأةً من الأريكة التي كانت ممدّدةً عليها واستأنفت عملية الاختيار. في الجزء العلوي من الورقة الأولى التي نظرت إليها آفري، كان مكتوبًا هناك اسمٌ مألوف. كان الشخص الذي واجهته كثيرًا مؤخرًا.
[بريانا لاندر]
من وجهة نظرٍ أخرى، أليست بريانا هي الأكثر ملاءمةً للشروط؟
نبيلةٌ رفيعة المستوى، ذات نفوذ، ومرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بكارل. نشأت بريانا دون أيّ نقصٍ في الثروة أو السلطة، ولا يمكن أنها لم تذهب في رحلة استجمامٍ إلى مملكةٍ أخرى مرّةً واحدةً على الأقل.
“لم تذهب؟”
لم يكن هناك سجلٌّ لبريانا بأنها سافرت إلى مملكةٍ أخرى. أمالت آفري رأسها أكثر، ونظرت إلى الورقة مرّةً أخرى. لأنها لم تستطع حمل الورقة، كان عليها أن تُحرِّك جسدها بنفسها.
هل هي ضعيفة الجسد نوعًا ما؟
كانت هناك ملاحظةٌ خاصّةٌ أخرى. توفّيت والدة بريانا بسبب نزيفٍ شديدٍ بعد الولادة، وابن لاندر البكر، فيكتوريان لاندر…
“توفّي أثناء الدراسة في الخارج.”
كان ذلك بسبب تدهورٍ مفاجئٍ في صحّته لمرضٍ مزمن. ما تبقّى هو الابن الأصغر إيليو، وبريانا، وماركيز لاندر. كانت هذه الخلفية العائلية المُظلمة لبريانا التي اعتقدت آفري أنها نشأت دون أيّ نقص.
تم استبعاد بريانا بالفعل من الشروط التي تبحث عنها آفري، وكان يمكنها الانتقال إلى الورقة التالية، لكن آفري لم تستطع الانتقال بسهولةٍ إلى الورقة التالية.
ربما يكون هذا ما يعنيه أن يلاحقكَ شيءٌ ما.
تذكّرت آفري بريانا التي كانت تزور القصر. عندما تأتي، كانت آفري تنظر إليها دون وعي.
بالطبع، كان جزءٌ من السبب هو أنها جميلة.
“هل هذا هو السبب…؟”
كان الخدم في القصر مشغولين بالثناء على ابتسامة بريانا التي بدت مرسومةً بعناية. لكن في عيون آفري، بدت تلك الابتسامة بالتحديد…
“…سأبقى مستيقظةً حتى الصباح بهذا المعدل.”
لم يكن هناك وقتٌ للاستغراق في أفكارها. إذا لم تجد الضحية في أسرع وقتٍ ممكن، فسوف تصبح هي نفسها صاحبة الخلفية العائلية المظلمة بدلاً من التأمّل.
بعد ذلك، مرّت آفري على الأوراق دون أيّ حركة، وكان عليها الاعتماد على ضوء القمر لأن الشمعة قد ذابت تمامًا.
أخيرًا، عندما بدأ الفجر، تمكّنت من رفع عينيها عن الورقة الأخيرة ومغادرة مكتب العمل.
في الممر، كانت هناك أشباحٌ صغيرةٌ عادت للتوّ بعد انتهاء نشاطها. كانت تلك الأشباح التي تعرّفت عليها أثناء التآمر.
مرحبًا.
“أوه…”
لم تصل تحيّتها كما يجب. بعد أن لم تفتح فمها طوال الليل، لم يخرج صوتها بشكلٍ صحيح.
“وااه!!”
لم تكن هناك حاجةٌ لآفري لفتح فمها مرّةً أخرى. لأن الأشباح الصغيرة ركضت مباشرةً إلى نهاية الممر واختفت.
“أوه…؟”
لا تستطيع آفري الشبح رؤية نفسها، لذا لم تكن تعرف، لكن مظهرها الحالي كان مرعبًا لأيّ شبحٍ يمرّ.
الشعر المجعّد الكثيف الذي كان مرتّبًا أصبح أشعثًا، والمظهر العام لا يحتاج إلى شرح. بالإضافة إلى ذلك، المشية المتعثرة غير المستقرة… كانت محطّ حسد أيّ شبحٍ متمرّس.
“هوهو.”
ومع ذلك، الشبح المخضرم، آفري، كانت في حالةٍ معنويةٍ جيدة. لقد قرأت كلّ الأوراق التي كانت تحت يديها، وبفضلها استطاعت تضييق قائمة الضحايا إلى حدٍّ ما. كلّ ما تبقى هو العثور على ضحيةٍ واحدةٍ فقط.
ابتسمت آفري بارتياح. لم يزد ذلك إلّا من رعب المنظر، لكنها لم تكن تعلم ذلك.
الآن حان وقت التحرّك.
***
لم يتمكّن لحارس الفخور لعائلة كونت موند سيمون، من أخذ نَفَسٍ واحدٍ من الراحة وحدّق في الأمام مباشرة.
ربما تكون هذه اللحظة هي الأصعب في حياته.
كان المحيط هادئًا لدرجة أنه كان عليه توخّي الحذر حتى عند السعال.
كان يخوض معركةً ذهنيةً شرسةً مع عربة تجرّها الخيول على الجانب الآخر من الشارع.
لا تهتم. لا تنظر. لا تُبعِد عينيك.
قضى سيمون وقتًا أبديًا وهو يحاول غسل دماغه. ولكن، كلّما حاول ألّا يهتم، كلّما ازداد اهتمامه أكثر.
في النهاية، لم يستطع التحمّل وحرّك عينيه لينظر إلى الجانب. إلى عربةٍ مجهولةٍ وقفت بكلّ جرأةٍ في مكانٍ ما بعيدًا عن منزل الكونت.
مرّة، مرّتان، ثلاث مرّات. لا يعرف كم مرّةً تحقّق. ولكن لم يتغيّر شيء. لم تحمل العربة شعار أيّ عائلةٍ نبيلة، وكانت مطليةً فقط بطلاءٍ رماديٍّ داكن. كانت تمامًا كما سمع.
انتشرت شائعةٌ مؤخّرًا في العاصمة. أن عربةً مجهولةً تدور حول حي النبلاء وتُلقي اللعنات.
كانت الشائعة طفولية، ولكن إذا نظرتَ إلى صحيفة اليوم التالي لمرور العربة بمنزل نبيل، لم تكن مجرّد نكتة. بدءًا من زنا العائلات، وكشف الأبناء غير الشرعيين، إلى الاختلاس، والتهرّب الضريبي، والاحتيال في التوظيف، كلّها كانت أسرار العائلات النبيلة التي عُرِفت في المجتمع الراقي بعد مرور العربة.
كانت العائلات النبيلة التي كُشِف عنها تنهار تدريجيًا بلا رحمة. عندما تتبع العائلة النبيلة المنتمين إليها خطوات الانهيار، فإن أكثر مَن يعاني من القلق هم الموظّفون. كان سيمون أيضًا كذلك.
ثم، قاد السائق العربة ببطءٍ نحو منزل الكونت موند.
أرجوك، مرّ فحسب. أرجوك.
ولكن، توقّفت العربة بكلّ وقاحةٍ أمام منزل الكونت مباشرة، ولم تتحرّك بعد ذلك. حتى لو حاول سيمون عدم إعطائها أيّ انتباه، كانت العربة أمامه مباشرة.
أمسك سيمون بدموعه. عمره ثمانيةٌ وثلاثون عامًا فقط. ظهرت أمام عينيه صورة زوجته وابنته، لكن الحُكم السريع فقط هو الذي يمكن أن يُعيل عائلته.
يبدو أنه يجب أن أجد وظيفةً جديدةً قبل فوات الأوان.
***
“كان منزل الكونت موند الذي ذهبتُ إليه اليوم أبعد ممّا توقعت. على الرغم من أنه داخل العاصمة، يبدو أنه قريبٌ جدًا من الحدود.”
“……”
“بالنسبة لموضعٍ بعيد داخل العاصمة، بدا الأمن ضعيفًا بعض الشيء. آه! كان هناك حارسٌ واحدٌ يحرس الباب، وكان وسيمًا جدًا.”
في اليوم السابق، تساقطت الثلوج وتراكمت في حديقة القصر أيضًا. الطقس لا يزال باردًا، لكن السماء كانت صافية. قضى كارل فترة بعد الظهر يشرب الشاي في الدفيئة، وليس في مكتب العمل. وكانت آفري جراند بجانبه أيضًا، وكانت الشبح تتحدّث دون كللٍ وعيناها البنفسجيّتان تلمعان.
أدركت آفري، التي كانت تتحدّث لفترةٍ طويلةٍ عن انطباعاتها عن الحارس، أنها خرجت عن الموضوع. بعد أن جلت حلقها عدّة مرّات، عادت إلى الموضوع الرئيسي.
“على أيّ حال، بمجرّد أن رأيتُ الآنسة موند، شعرتُ بذلك مباشرة.”
“……”
“ليس هي هذه المرّة أيضًا.”
“……”
“العينان الرقيقتان، والأنف المستقيم، وحتى الابتسامة الخفيفة التي تبدو مرسومة… تلك الآنسة كانت النبيلة المناسبة تمامًا لو كان هناك نموذجٌ مثاليٌّ للنبيلة.”
بطريقةٍ جيدة، كانت نبيلةً تُعتبر مثالًا في المجتمع الراقي، ولكن هل يمكن القول إنها لذلك لا تُلفِت الانتباه؟ لم تكن العيوب واضحةً بشكلٍ خاص، ولكن المزايا أيضًا لم تكن واضحة. لم تكن هناك عناصرٌ مميّزةٌ فيها قد تهمّ القاتل.
إذًا، ماذا عني؟
مرّت السنوات الثلاث الماضية، التي لم تكن قصيرة، مرورًا سريعًا.
عاشت حياةً صاخبةً يمكن القول إنها عكس حياة آفري الحساسة ضعيفة الجسد تمامًا. كانت المعلومات التي وجدها ماكس عن آفري مجرّد غيضٍ من فيض.
بالتفكير في الأمر، ربما كانت جريمة قتلٍ انتقاميّةٍ من شخصٍ يحمل ضغينةً ضدّي دون أن أعرف.
سال عرقٌ باردٌ على ظهرها.
“هاها…”
لا يمكن أن يكون ذلك صحيحًا… أليس كذلك؟
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
انستا: le.yona.1
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"