“آنسة لاندر قد أتت مرّةً أخرى.”
كانت العربة، التي باتت مألوفةً الآن، واقفةً أمام البوابة الرئيسية للقصر. عربةٌ تحمل شعار عائلة لاندر، الوردة، وقد كانت تزور القصر منذ أيام.
راقبت آفري من النافذة بينما كان كارل يشرب الشاي. لم تكن هناك أوراقٌ بجانبه. كان يحرص على ألّا يقوم بأيّ عملٍ آخر أثناء شُربه للشاي. كانت هذه عادةً مختلفةً تمامًا عن عادته في مراجعة الأوراق وهو يحتسي أنواعًا مختلفةً من المشروبات.
كانت هذه التفاصيل من الأشياء التي لم تَرِد في الرواية. أدركت آفري أنها كانت تتعرّف عليه شيئًا فشيئًا من جديد.
“هل هذا مقبول؟”
“ماذا تقصدين بـ ‘هذا’؟”
“أن تظلّ هنا هكذا. لم تلتقِ بها أبدًا طوال فترة زيارات آنسة لاندر للقصر.”
كان اليوم الذي رأت فيه بريانا كارل مع آفري هو الأخير. لم يُبدِ أيّ اهتمامٍ ببريانا التي تزوره كلّ يوم. ومع ذلك، كان يتجنّب تمامًا الأماكن التي من المحتمل أن تكون فيها.
“إنها تأتي بمحض إرادتها فحسب.”
“لكنها رفيقتكَ في الحفل.”
ارتفع الحاجب الأيمن لكارل وتكوّنت تجاعيدٌ خفيفةٌ بين حاجبيه. على الرغم من أنها مجرّد تجاعيد بسيطة، إلّا أنها كانت واضحةً أكثر على وجهه الفارغ من التعبير عادةً. لقد كان كثير العبوس في الفترة الأخيرة.
كانت بداية ذلك قبل أيامٍ قليلة، مع الرسالتين اللتين أحضرهما ماكس. إحداهما من الآنسة رابورد، التي كان من المفترض أن يُرافقها في حفل تتويج ولي العهد، والثانية من ماركيز لاندر.
احتوت رسالة الآنسة رابورد على اعتذارٍ موجّهٍ إلى كارل لاضطرارها للتغيّب عن الحفل لأسبابٍ صحيّة، بينما طلبت رسالة ماركيز لاندر من كارل حضور الحفل مع ابنته.
كان توقيت ذلك متقنًا جدًا بحيث لا يمكن اعتباره صدفة.
حتى لو حاول الآن البحث عن فتاةٍ نبيلةٍ أخرى، فمن المؤكد أن جميع مرافقين الحفل قد تم تحديدهم بالفعل. باستثناء بريانا لاندر، التي لا تزال بلا رفيق. كان الوضع متعمّدًا بوضوح.
“ومع ذلك، ألستَ قاسيًا جدًا مع رفيقتك…”
“……”
“لا، لا أعتقد ذلك. يبدو الأمر مناسبًا تمامًا.”
حسنًا، لقد قلتُه بشكلٍ جيد.
لم يفعل سوى أن نظر إليها بهدوء، لكنها استطعت أن تفهم. كان في عينيه الزرقاوتين الداكنتين ضغطٌ صامتٌ يطلب منها عدم قول المزيد.
“… إذا كنتَ تكره الأمر لهذه الدرجة، فاذهب وحدكَ إذن.”
قد يكون حضور رجلٍ عازبٍ لحفلةٍ دون رفيقةٍ عيبًا بسيطًا، لكن كارل لن يهتمّ بذلك. فمن المستحيل أن تكون هذه الحادثة الصغيرة عيبًا بالنسبة له، الكامل في كلّ شيءٍ دون أدنى نقص. المكانة، المنصب، القدرة، والمظهر.
“لا يمكن.”
“لماذا لا؟”
“لأنه سُمعتي قد سائت كثيرًا طوال هذه الفترة عنده.”
“… عند مَن؟”
“عند لإمبراطور.”
كيف يمكن للمرء أن يسوء صيته لدى الإمبراطور؟
لا، بل هل ينبغي أن أسأل عن السرّ الذي يسمح لشخصٍ ما بأن يسيء إلى الإمبراطور ومع ذلك يواصل حياته وكأن شيئًا لم يكن؟
ثار فضول آفري النقي، لكنها لم ترتكب خطأ التلفّظ به.
“إذن، كحم… على حدّ وجود نوايا خفيّة، يبدو أنكَ لا تفعل شيئًا على الإطلاق.”
كما يعرف الجميع في الأوساط الاجتماعية باستثناء آفري، كانت عائلة لاندر تسعى للارتباط بآل غراهام، وكان كارل يرفض ذلك بتجنّبهم.
في هذا الجمود، أصبحت زيارات بريانا، التي أصبحت الآن رفيقته، مُبرَّرة، وفي الواقع كانت تزور القصر تقريبًا كلّ يوم.
لكن بريانا، عندما تزور القصر، لم تكن تفعل شيئًا في الحقيقة. إذا كان الطقس جميلًا، كانت تخرج إلى الحديقة لتشرب الشاي، وإذا لم يكن كذلك، كانت تقضي وقتها في غرفة الاستقبال ثم تعود.
كانت تسأل أحيانًا عن حاله، لكنها لم تطلب أكثر من ذلك. كارل أيضًا لم يبذل جهدًا لمنعها من المجيء.
على الرغم من أنه كان يمكنه بسهولةٍ منعها لو أراد.
هل سيتزوّج الاثنان حقًا؟
بفضل شرح الشبح العالِم المتحمّس، استوعبت آفري الوضع العام. لم تكن هذه الحقائق مذكورةً مباشرةً في الرواية، لكن ما قرأته كان كافيًا لاستنتاج السياق.
كانت روزيليا دي سيريوم، والدة كارل وإحدى الأميرات الإمبراطوريات، قد عقدت آنذاك قرانها على دوق بازل غراهام، زعيم الفصيل الأرستقراطي. وكانت تلك اللحظة التي مالت فيها كفّة توازن القوى، التي ظلت قائمة على نحوٍ هشّ، بالكامل نحو العائلة الإمبراطورية.
تساءل البعض إذا كانت العائلة الإمبراطورية قد أبرمت صفقةً مع عائلة غراهام، أو إذا كان الدوق غراهام قد تعرّض للابتزاز حتمًا.
بالنظر إلى الوضع، لم تعد العائلة الإمبراطورية بحاجةٍ كبيرةٍ لدعم لاندر. لأنها أصبحت تسيطر على عائلة غراهام.
في الواقع، أظهر الإمبراطور مؤخّرًا ابتعادًا عن ماركيز لاندر، الذي دعمه منذ أيام ولاية العهد. كان الوقت قد حان بالنسبة للاندر للعثور على حلٍّ بطريقةٍ أو بأخرى.
إذا كان هذا الحلّ هو الزواج السياسي مع غراهام، فكان ذلك منطقيًا. ظاهريًا، ما تزال عائلة غراهام جزءًا من الفصيل النبيل، لكن الحدود بينهم بدأت في الانهيار منذ زمن الدوق السابق وزوجته.
إذا تزوّج كارل غراهام، دوق غراهام الحالي وابن أخ الإمبراطور، من أحد أفراد عائلة لاندر، فسيتم حلّ وضعهم ومكانتهم المستقبلية.
وفقًا للنص الأصلي، لم يكن لكارل خطيبةٌ حتى التقى بهيلين.
في ذلك الوقت، هل كانا قد انفصلا بالفعل؟
عندما أعادت نظرها إلى النافذة، رأت بريانا تنزل من العربة وتتّجه نحو القصر.
كانت بريانا تدخل القصر مع خادمتها الخاصّة. كانت ترتدي فستانًا أزرقًا سماويًا بدرجة لونٍ فاتحةٍ وتتألّق اليوم أيضًا.
أصبحت متابعة فساتين بريانا والمجوهرات التي ترتديها أكبر متعةٍ لها مؤخّرًا.
بغض النظر عن كيف أنظر إليها، إنها تبدو جيدةً جدًا بالنسبة لكارل.
ولكن كانت هناك نقطةٌ يجب مناقشتها.
زواج كارل وبريانا.
بالطبع، زواجه لا يعني لها شيئًا، لكنه كان غير ملائمٍ في الوقت الحالي.
لم يكن ينبغي أن يحدث أيّ متغيّرٍ يمكنه تغيير مسار العمل الأصلي. فالمحتوى الأصلي نفسه لم يعد واضحًا في ذاكرتها أصلًا، وإذا تدخلّت المتغيّرات فستقلّ الأمور التي يمكنها توقّعها أكثر فأكثر.
“حسنًا، سيدي الدوق. هل…”
هل تحبّ آنسة لاندر؟
دق، دق
لم تستطع آفري أن تُكمل كلامها.
أليس من المفارقات أنه تتمّ مقاطعتنا فقط عندما أتحدّث؟
تنهّدت آفري ونظرت إلى الباب الذي سمعت منه صوت الطرق. انتظرت الشخص الآخر ليدخل، لكن مهما انتظرت، لم تصدر موافقة كارل.
عندما استدارت إليه محتارة، وجدته لا يزال ينظر إليها دون أن يحوّل بصره.
“قولي.”
“ماذا؟”
“قولي ما كنتِ ستقولين.”
هل كنتَ تنتظرني؟ هل أردتَ أن تسمع كلامي أولاً؟
نفس الرجل الذي كان يتجاهل آفري حتى وقتٍ قريب، كان الآن يُعطي أولويةً لها على الشخص الموجود خارج الباب. كان تغييرًا طفيفًا، لكنها لم تستطع كتم ابتسامتها.
“لا شيء. كان لا شيء.”
“ادخُل.”
حصل ماكس على موافقة كارل ودخل حاملًا كومةً من الأوراق. كانت وثائقٌ بسمكٍ لم يسبق رؤيته من قبل في مكتب كارل.
“يبدو أن منصب الدوق صعبٌ حقًا.”
لأوّل مرّة، شعرت آفري تجاهه بشيءٍ من التعاطف البسيط.
بالنظر إلى كمية العمل اليومية التي ينجزها، وجود هذه الكمية الضخمة تنتظره أيضًا؟ إنه أمرٌ مُرهِقٌ حقًا.
على الرغم من أن الأوراق التي يحملها ماكس تصل إلى ذقنه، فقد اقترب من مكتب كارل دون أن يبدو عليه أيّ اضطراب.
“هذه هي الأشياء التي ذكرتَها من قبل.”
“ضعها على الطاولة بجوار الأريكة وغادِر. افرِدها كلّ واحدةٍ على حِدة.”
على الرغم من أن أمر الدوق كان غامضًا، تحرّك ماكس فورًا. نظرًا لأن كمية الأوراق كانت كبيرةً حقًا، كان على ماكس البقاء في المكتب لفترةٍ طويلة. حتى أنه بدا وكأنها عقوبةٌ فرضها كارل على ماكس.
بعد خروج ماكس، اقتربت آفري من الطاولة بجوار الأريكة حيث انتشرت الأوراق على الأرض حتى، وانحنت لتنظر. كان مكتوبٌ عليها أسماءٌ ومعلوماتٌ إضافيةٌ مرتبطةٌ به.
“ما كلّ هذا؟ قائمة اغتيالات؟”
“ما طلبتيه.”
“قائمةٌ بمرشّحيّ للزواج؟”
“جميعهم فتياتٌ نبيلاتٌ مستوفياتٌ للشروط التي ذكرتيها.”
استمرّ في الشرح متجاهلاً حديثها التافه بلا اكتراث. شعرت بالضيق من تجاهله الكامل لها، وسعلت عدّة مرّاتٍ دون داعٍ، ثم نظرت إلى الأوراق.
“لم أتوقع أن تجمعهم لي بهذه السرعة.”
“يبدو أنكِ لا تتذكّرين أنكِ طلبتِها حتى التصقت قشرةٌ على أُذني.”
بالطبع كانت تتذكّر.
ابتسمت آفري ابتسامةً عابثةً ثم اتّخذت وضعيةً تمكّنها من رؤية الأوراق بوضوحٍ أكبر. الآن، ما عليها فعله هو استبعاد الفتيات اللاتي لم يذهبن للدراسة في الخارج أو الإجازات في ممالك أخرى، أو الفتيات الصغيرات جدًا.
لكن أليست القائمة طويلةً بعض الشيء؟
نظرت إلى كارل سرًّا من زاوية عينها. ربما في الماضي لم تكن لتجرؤ على طلب ذلك، ولكن مؤخّرًا بدا أن علاقتهما أصبحت جيدة. حتى أنه انتظرها لتُكمِل حديثها قبل قليل. لم يبدُ كشخص الذي سيتجاهلها تمامًا إذا طلبت المساعدة.
“أعتقد أن الأمر سينتهي بشكلٍ أسرع إذا ساعدني الدوق في المراجعة، إذا لم يكن هناك مانع…”
“اقرئي.”
من المؤكد أن الشخص اللطيف الذي أعطى أولويةً لكلامي قبل قليلٍ لم يكن كارل غراهام. وإلّا فهو يعاني من ازدواجٍ في الشخصية.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
انستا: le.yona.1
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 17"