“آه… زواج. ماذا يمكنني أن أقول أيضًا.”
إجابةٌ واضحةٌ وردّ فعلٍ خفيف. أظهرت آفري برودة أعصابٍ وابتسمت ببساطةٍ متجاوزةً الأمر.
“زواج؟ غراهام سيتزوّج؟”
لكن داخلها امتلأ بالذهول ولم يبق سوى التساؤلات. لأنه أجاب ببساطةٍ شديدة، كادت هي أيضًا أن تتقبّل الأمر وكأنه شيءٌ عادي.
من الجيد أنها لم تُظهِر علامات ذهولها. إذا أظهرت هنا أنها لا تعرف شيئًا، سيبدو الأمر غريبًا حقًا. لذا تظاهرت بالجهل وسألت متعمّدة.
“ليس هناك سببٌ محدّدٌ لزواجهما معًا… أليس كذلك؟”
“الأسباب كثيرة.”
تردّد الشبح ذو الشعر الأبيض لفترةٍ أطول ممّا فعل عند الحديث عن كارل غراهام قبل أن يفتح فمه. لكن بمجرّد أن بدأ الحديث، لم يعد هناك تردّد.
“لم تكن عائلة لاندر في الأصل عائلةً ذات سُمعةٍ مرموقة. كانت في منصبٍ غامضٍ ولم تّحقِّق إنجازاتٍ مميّزة. في الواقع، عندما حصلوا على اللقب لأوّل مرّة، لم يكن ذلك بسبب إنجازاتهم بل بسبب علاقاتهم الجيدة…”
بدأ يتحدّث بحماس وعيناه تلمعان، وكأنه يُلقي محاضرةً لآفري. بالرغم من أنها هي التي سألت، بدا هو أكثر حماسًا في الحديث.
المشكلة الوحيدة كانت أنه انغمس جدًا في المحاضرة لدرجة أنه نسي السؤال الأصلي وبدأ يتلو تاريخ العائلة، تمامًا كأُستاذٍ يحبّ الدراسة. من المستحيل أن يشعر الشبح بالنعاس، لكنها شعرت كأنها على وشك أن تنام في أيّ لحظة.
“… هل تستمعين؟”
“… نعم… نعم؟ نعم!”
نظر إليها الشبح العالِم بنظرةٍ مُشكّكة، ثم استدار للأمام وفتح فمه مرّةً أخرى. حتى توقّفه عن الكلام وجذب انتباه آفري كان يبدو كمُعلّم.
“ثم اكتشفوا منجمًا واحدًا في أرضٍ مجهولةٍ في الشمال واكتسبوا ثروةً هائلة. منذ ذلك الحين، تغيّر مصير لاندر تمامًا. كان أصغر عالمٍ بارزٍ وأعلى سلطةً في الأكاديمية في ذلك الوقت رئيس عائلة لاندر. منذ ذلك الحين، أصبحت تحرّكات لاندر ملحوظة.”
حاولت آفري تجاهل القصص غير المهمة التي كانت تسمعها. ولكن أثناء تفكيرها في أمورٍ أخرى، وصلت إلى آخر أخبار عائلة لاندر.
“في الإمبراطورية التي كان نظام حكمها أرستقراطيًا، دعمت العائلة المالكة الحالية. منذ ذلك الحين، أصبحت لاندر عائلةً ماركيزيّةً وقوية. بعد ذلك، استمرّت العائلة المالكة في الازدهار، ولم تنسَ لاندر التي ساعدت في توحيد النبلاء وتعزيز السلطة الإمبراطورية.”
توقّف الشبح العالِم، الذي كان يمشي بجانبها، فجأةً في مكانه.
“لوقتٍ طويل، ظلّت العلاقة بين العائلة المالكة ولاندر دون تغيير. لكن، ظهر صدعٌ في تلك العلاقة المتينة.”
لم يتبع الشبح العالِم آفري بعد الآن.
“ظهر متغيّرٌ مؤخّرًا. إنه غراهام.”
عندما كان يشرح، بدا تعبيره سعيدًا للغاية، لكن الآن خفت حماسه وتغيّرت تعابير وجهه.
“الآن هل فهمتِ؟”
كان لطيفًا، لكنه لم يعد يبتسم. بدا متأسّفًا إلى حدٍّ ما. قبل أن تتمكّن آفري من فحص تعبيره أكثر، اختفى بهدوءٍ كما لو أنه أدّى دوره.
***
“القاتل نبيل.”
أعلنت آفري بحزم. حاولت أن تجعل صوتها دراميًا، لكن لسوء الحظ، لم يساعدها التواجد في غرفة الطعام في ذلك.
لم يكن من اللائق إثارة مثل هذا الحديث أثناء تناول الطعام، لكن باستثناء الوقت الذي كان فيه كارل يؤدّي مهامه المهنية أو ينتقل إلى ساحة التدريب، كان الوقت المتاح للتحدث معه أقلّ مما توقعت. حتى مع إقامتها في القصر نفسه، كان كارل دائمًا مشغولاً.
“……”
بينما كانت تنطق الكلمات المُهمّة، لم تستطع منع عينيها من التجوّل باستمرارٍ نحو الطاولة الفاخرة الموضوعة أمامها.
شريحة لحم الضلع المشوي جيدًا، وشرائح لحم الضأن، وسلطة الدجاج… كلها كانت من أطباق آفري المفضلة.
دون وعي، لعقت شفتيها. على الرغم من أنها لم تشعر بالجوع منذ أن أصبحت شبحًا، إلّا أنها ما تزال قادرةً على شمّ الروائح اللذيذة.
كانت راضيةً عن وجبات الطعام في منزل الكونت كلّ يوم، لكن كم ستكون لذيذةً وجبات قصر الدوق؟
“لماذا؟”
“يبدو لذيذًا…”
“آفري جراند.”
“آه! نعم، نعم. سمعتُ ذلك. قبل موتي مباشرة.”
بصعوبة، انتزعت آفري عينيها من الأطباق الفاخرة ونظرت إلى كارل.
“قبل موتي مباشرة، تحدّث إليّ، وكانت لهجة حديثه تُظهِر اللكنة الأرستقراطية المميّزة. أعتقد أنه كان واثقًا من موتي فلم يأخُذ حذره.”
من المؤكد أن القاتل لم يتخيّل أبدًا أنها ستعود كشبحٍ وتُخبر كارل بهذا.
“ماذا قال؟”
قطع كارل اللحم بسكينه لكنه لم يضعه في فمه. كانت تتناول الطعام بشكلٍ شبه وهمي، وعندما وضع أدوات المائدة أخيرًا، تأوّهت آفري.
“يا للهدر…”
“……”
“آه… لا. كان يرتجف. لستُ متأكدةً من ذلك تمامًا، لكنني أعتقد ذلك.”
أومأ برأسه بخفّة، وساد صمتٌ للحظة.
ذلك لأن آفري، التي كانت جالسةً بجانب كرسي كارل مباشرة، شعرت بنظراته الثاقبة التي تحدّق بها بوضوحٍ شديد. بدلاً من النظر إلى وجهها، كانت عيناه منخفضتين قليلاً.
من ناحية الموقع، ربما عند شفتيها؟
أصبحت وجنتا آفري محمرّتين قليلاً. نادرًا ما نظر إليها رجلٌ طوال هذه المدّة. خاصّةً عندما يكون رجلاً وسيمًا مثل كارل، لم يكن لديها مناعةٌ ضد ذلك.
قبل أن يحمرّ وجهها أكثر مثل التفاحة، ابتعد عنها أولاً واتّكأ على ظهر الكرسي وهو يعقد ذراعيه.
“لعاب.”
“نعم؟”
“لعابكِ يسيل.”
الوجه الذي كان بالفعل أحمرًا أصبح الآن أكثر احمرارًا لسببٍ آخر. مسحت آفري شفتيها بسرعةٍ بكمّها بقوّة.
لستُ مُحرَجةً على الإطلاق. لستُ مُحرَجة.
“على أيّ حال! من المؤكد أن الجاني يفكّر في جريمته القادمة.”
آه، خرج صوتي بطريقةٍ خاطئة.
تظاهرت آفري بعدم المعرفة ولوّحت بيدها نحو وجهها. لم تنخفض الحرارة على الإطلاق.
“أنتِ متأكدة.”
“لا يوجد سببٌ لقتل نبيلةٍ شريفةٍ مثلي.”
لاحظت تعبير كارل وهو يتجعّد بشكلٍ طفيف. كان عليها أن تسبقه قبل أن يقول أيّ شيء.
“حتى لو كان هناك سبب، ليس من الضروري أن يتقدّم النبيل بنفسه للقتل. يمكنه استخدام شخصٍ آخر للقتل. لا داعي للمخاطرة بنفسه. والأهم من ذلك…”
اعتبرت آفري طول مفرش المائدة نعمة. لأنه أمكنها إخفاء يديها الصغيرتين المرتعشتين. لا يمكنها إظهار ضعفها فقط أمامه.
“لقد شعر بالبهجة وهو يطعنني. هذا يعني أنه يستمتع بالقتل.”
“……”
“مثل هذا الشخص لن يتوقّف عندي فقط. سيبحث عن هدفه التالي. إذا كانت لديه الجرأة لقتل ابنة كونت، فلن يكون من المفاجئ أن يقتل نبلاءً أكثر نفوذًا.”
كانت الوحشيّة التي أظهرها القاتل تدعو للتساؤل عما إذا كانت هذه جريمته الأولى. كان ماهرًا ولم يتردّد في إيذاء الناس.
ربما كانت القصة مختلفةً منذ البداية.
“لذلك…”
حسنًا، لقد انتهى البناء الدرامي. الآن جاء الجزء الرئيسي.
“هل يمكنكَ التحقّق من آنسات العائلات النبيلة رفيعة المستوى أو المتّصلة بعائلتك؟ آه، آنسات النبلاء الحاضرات لحفل رأس السنة الجديدة هذا.”
“كان هذا هو الهدف إذن.”
“هاها.”
“لماذا العائلات المتّصلة بي؟”
لأنكَ حضرتَ جنازة الضحيّة الثانية.
لا يمكنها قول ذلك.
“لأن العائلات المتّصلة بكَ ستكون ذات نفوذ…”
“وما سبب الشرط الثاني؟”
على الرغم من محاولة آفري تجنّب عينيه ورمي أعذارها، إلّا أنه لم يترك الأمر لم يمرّ ببساطة.
“إنه مجرّد احتمال، لكن حفلات القصر تجمع كلّ نبلاء الإمبراطورية، والأمن فيها صارمٌ للغاية. إذا تمكّن من اختراق ذلك الأمن وارتكاب جريمة قتلٍ مرّةً أخرى…”
“يمكنه بالتأكيد إظهار وجوده. بشكلٍ أكثر فعاليةٍ من قتل ابنة كونتٍ عادية.”
‘ابنة كونت عادية’، وافقت آفري على كلام دوق الإمبراطورية، كارل.
كان القاتل مهووسًا بدرجةٍ تدفعه للعودة إلى مسرح جريمته، وأراد إظهار وجوده من خلال علاماتٍ مثل زهرة الكركديه.
في القصة الأصلية، كان من المنطقي أنه ارتكب الجريمة في حفل رأس السنة الجديدة.
على عكس آفري الواثقة، طرح هو سؤالًا واحدًا فقط، ممّا خلق صدعًا صغيرًا آخر.
“لكن، إذا كان كلامكِ صحيحًا، أليس هناك حفلةٌ يجب التفكير فيها أولاً؟”
“مع نهاية العام، ستكون هناك العديد من الحفلات، لكن حفلةً بهذا الحجم هي فقط حفلة رأس السنة الجديدة.”
“لا، آفري جراند. هناك شيءٌ لا تعرفينه.”
حرّك إصبعه السبابة وبدأ ينقر على ذراعه المعقود بسرعةٍ ثابتة.
“التوقيت مبكّرٌ أكثر وليس بحجم حفلة رأس السنة الجديدة. لا، قد تكون أكبر.”
كان هذا غير منطقي. حفلة رأس السنة الجديدة هي واحدةٌ من الأحداث الرئيسية في حفلات القصر. لا يمكن أن تكون هناك حفلةٌ أخرى مثلها…
لكن في نفس الوقت الذي أنكرت فيه آفري ذلك، تذكّرت دعوةً واحدة.
لا يمكن.
“مأدبة الاحتفال بتنصيب ولي العهد.”
لم يكن شعور آفري بالشؤم الغامض من صوت كارل الذي ينقل الحقائق بهدوء مجرّد تخيّل. كان حدسًا.
حدسٌ بأن شيئًا لا تستطيع تحمّله سيحدث.
وفي نفس الوقت، كان المساعد ماكس في طريقه إلى القصر. حامِلاً خطابين.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
انستا: le.yona.1
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"