‘موت، تقولين؟’
كانت كلمة غامضة،
خصوصًا في هذا العالم.
فحتى لو كان يُقال دائمًا نهاية العالم وما شابهها، كنتُ أظنه أمرًا بعيدًا، يخص المستقبل فحسب.
فلم تكن هناك وحوش تعيث فسادًا وتقتل من حولي الآن.
وفوق ذلك… أليس هذا مجرد عالم داخل رواية؟
“لكن بالنسبة لهؤلاء الناس….”
إنها الحقيقة.
في اللحظة التي أدركت فيها ذلك، شعرت بضيق في عنقي وكأن شيئًا يضغط عليّ، وجفّ حلقي بشدة.
“…….”
ابتلعت ريقي بصعوبة وأنا أتابع أسرة هايدن التي كانت لا تزال تتحدث بمرح.
وكان موضوع الحديث قد انتقل بالفعل إلى قصة لقائهما الأول، ذاك اللقاء القدري.
“تخيل، ظهر أمامي فجأة رجل أشقر وسيم يمر بجانبي… فما كان مني إلا أن أمسكت به على الفور وطلبت منه الخروج معي.”
“أما أنا فقد وقعتُ في سحر جرأتها على الفور.”
ضحكت والدته من القلب، وقد بدا أنها استمتعت باسترجاع ذكريات الماضي، فأخذت تتابع الحديث بحماس:
“في الحقيقة، كنت منذ صغري أعشق كل ما هو أشقر…”
لكنها توقفت فجأة. ثم بدأ سعالٌ حاد يقطع كلامها.
“كح! كح! كح!”
نهض الاثنان مذعورين على الفور.
“عزيزتي!”
“أمي!”
ورغم أن السعال بدا بسيطًا، إلا أن ملامح وجهيهما غدت شديدة الجدية.
“اليوم أرهقتِ نفسك كثيرًا…”
“اهدأا، أنا بخير.”
حاولت الأم تهدئتهما، رغم أن وجهها كان قد شحب قليلًا. لكن توترهما لم يزُل بسهولة.
وفي النهاية تقرر أنها بحاجة للراحة.
“خذها إلى الأكاديمية يا هايدن.”
“لا تقلقي يا أمي، ارتاحي أنتِ.”
“صحيح، لسنا بحاجة لأن تخرجي لتوديعنا.”
وانتهت وجبة العشاء على عجل، وتكفّل هايدن بمرافقتي حتى بوابة الأكاديمية، بما أني لم أعرف الطريق جيدًا.
وفي طريق العودة، ساد صمت قصير، قبل أن أقطعه أنا بالكلام:
“بهذا، انتهى دَينُك.”
رمش هايدن للحظة ثم انفجر ضاحكًا، قبل أن يبتسم بمكر ويغمغم:
“إذن، بأي طريقة سأجعلك تدينين لي المرة القادمة؟”
أوه، انظروا إليه، يريد أن يجعلني مُدانة دائمًا!
زفرتُ ساخرة، لكنه اكتفى بابتسامة هادئة.
مزعج، صحيح، لكنه بدا أفضل من وجهه المتجمد سابقًا.
“شكرًا لكِ على اليوم، لوسي.”
كانت نبرته هذه المرة جادة بعض الشيء.
“أمي كانت تتمنى حقًا أن تراكِ. لقد أعدت الطعام مع أبي.”
“لا عجب أنه كان لذيذًا.”
“رغم أن الحقيقة هي أن أبي من فعل أغلب العمل.”
أمي لا تجيد الطبخ على الإطلاق.
همس ضاحكًا وكأنه يكشف سرًا كبيرًا.
لكني لم أضحك… فأنا أيضًا لا أجيد الطبخ.
اكتفيتُ بهزة رأس باردة، ثم سألته بلهجة مستطلعة:
“لكن، هل والدتك بخير فعلًا؟”
“مم، مقارنةً بالمعتاد؟”
رفع كتفيه بعادة مألوفة وقال:
“أمي منذ ولادتها وهي ضعيفة البنية. وبعد أن أنجبتني، ازدادت حالتها سوءًا.”
أعرف ذلك. فقد ورد في الأصل أيضًا.
السبب الأكبر وراء تجوال هايدن الدائم لم يكن فقط روح المغامرة داخله، بل مرض والدته.
هو وأبوه، كلاهما كان كل ما يتمناه أن تستعيد الأم عافيتها.
ولذلك سعيا كلٌ بطريقته وراء أطباء أفضل وعلاجات أنفع.
لكن النتيجة النهائية كانت……
“هايدن.”
“مم؟”
“سمعت أن جماعة دينية مشبوهة بدأت تنتشر مؤخرًا.”
تغيرت ملامحه على الفور. لا بد أنه استغرب، ما علاقة هذا الآن؟
لكنني كنت أعلم أنها ستؤثر على مستقبله بشكل مباشر.
“يبيعون ما يسمونه دواءً لكل داء، ومعجزة إلهية، وما إلى ذلك.”
“أي هراء هذا.”
“صحيح. لكن، حين يكون المرء يائسًا… يتمسك حتى بالخرافات. خصوصًا إذا كان شخصًا نقيًا وصادقًا.”
قلت ذلك بنبرة خفيفة كأني أحاول تخفيف الجو المتوتر.
“رأيتُ أن والديك يصدقانك بسهولة، لذا أحببت أن أنبّهك فقط.”
“لا، لا تقلقي. إنهما ليسا بتلك السذاجة. على أي حال، أنا ابنهما.”
“حسنًا، هذا جيد.”
تابعتُ السير، ثم التفتُ إليه قائلة:
“إذا احتجتَ يومًا إلى المساعدة، فأخبرني.”
وسأضيفها إلى قائمة الديون.
ضحك هايدن بخفة، ثم أومأ برأسه:
“لو حصل ذلك حقًا.”
وكأن نبرته تقول إن الأمر مستحيل.
لكني لم أكرر كلامي مرة أخرى.
***
بعد ذلك تمامًا بأسبوع.
ظهر هايدن فجأة كعادته وقال:
“ساعديني، لوسي.”
…أليس هذا اختصارًا مفرطًا للأحداث؟
تفاجأت قليلًا، لكني على أي حال سحبته إلى قاعة الاستراحة.
فحالته لم تكن مستقرة إطلاقًا، ولم يكن مناسبًا أن أطلب منه التوضيح مباشرة.
أنفاسه أسرع من المعتاد.
إذن، فلأهدئه أولًا، ثم لأسأله عن التفاصيل بعد ذلك.
أجلسته بالقوة تقريبًا على أحد المقاعد، ثم صببت كوب ماء وناولته.
“اشرب.”
تردد قليلًا قبل أن يأخذ الكوب. بدا غير راغب، لكني رمقته بنظرة آمرة وكأنني أقول هيا بسرعة.
فرفع الكوب في النهاية إلى فمه.
جرعة واحدة، جرعة ثانية… ثم أنهى الكوب بأكمله دفعة واحدة.
“هاه… شكرًا.”
قال ذلك وهو يضع الكوب الفارغ على الطاولة. فاكتفيتُ بهزة رأس قصيرة جوابًا.
سقط صمت ثقيل بيننا.
وبعد بضع دقائق… بدا عليه أنه استعاد شيئًا من هدوئه، فقال:
“أبي… اختفى.”
…ماذا؟
نظرت إليه مصدومة، لكنه واصل الكلام ببرود غريب:
“مرّت ثلاثة أيام منذ أن لم يعد إلى البيت.”
“ثلاثة أيام؟”
قصيرة قليلًا ليُحكم على الأمر بالاختفاء.
لكن هايدن قالها بصرامة:
“أبي لا يترك أمي وحيدة أبدًا. حتى بوجودي في المنزل، لا يفعلها.”
ثم وصف أباه بابتسامة مرة: عنيد لا يثق حتى في ابنه الوسيم.
كان يحاول المزاح، لكن الوضع كان ثقيلًا للغاية فلا مجال للضحك.
بادرت أنا بالسؤال:
“هل ترك أي رسالة؟ أو حاول الاتصال؟”
“أبدًا.”
“وأمك؟ ألم تلمح إلى شيء؟”
“همم… البارحة لم تستطع النوم، ثم ارتفعت حرارتها… لم أتمكن من سؤالها كثيرًا.”
ضحك ضحكة بائسة، بدا ضعيفًا ومكسورًا.
لكن لم يكن عندي وقت لمواساته، فقد كنت مشغولة بترتيب أحداث الأصل مع ما يحدث الآن.
هذا لا بد أنه ذلك الحدث نفسه…
سألتُه مجددًا:
“هل كان لأبيك مكان يذهب إليه بانتظام؟ كاجتماع أو نادٍ أو حفلة ما؟”
أطرق قليلًا يفكر، ثم قال فجأة:
“حلقة أبحاث العقاقير؟”
هذا هو!
تظاهرتُ بالجهل وسألت:
“ما هذا؟”
فبدأ يشرح بتردد:
“إنها مجموعة صغيرة كان يحضرها منذ مدة… يجمعون فيها أعشابًا مختلفة ويجرون أبحاثًا بسيطة.”
كان شرحه واضحًا ومنظمًا، بفضل ذاكرته الجيدة.
لكن ما يهمني كان نقطتين فقط:
أنها في الأصل مجموعة محترمة قائمة بذاتها.
أن والده انضم إليها مصادفة منذ بضعة أشهر، واستمر في حضورها.
تعرف ماذا يعني ذلك؟
بيئة مثالية لتسلل جماعة دينية مشبوهة.
هكذا، اتضح كل شيء.
نحن الآن في الجزء المأساوي من ماضي عائلة هايدن، الذي ورد فقط في الرواية الأصلية.
لم يُذكر متى تحديدًا وقع، لكن يبدو أن هذا هو التوقيت.
كنتُ أظن أنه سيحدث في عطلة الصيف تقريبًا، قبل الفصل الدراسي الثاني، لكن يبدو أنني قلّلت من شأن الأمر.
على الأقل، خططتُ مسبقًا لسيناريو تقريبي.
كادت يدي أن تتحرك لفتح نافذة الحالة، لكنني التفت فجأة لأجد هايدن يحدق فيّ مباشرة.
“هل لديك فكرة ما، لوسي؟”
عيناه الغارقتان جعلتاني أتذكر لقائنا الأول… حين سألني: هل تعنين ذلك حقًا؟
لكن الآن النظرة أشد وأكثر حدة.
تبا… لقد شك بي.
ربما كنتُ صريحة أكثر من اللازم في أسئلتي.
لا بد أنه شعر أنني أملك وسيلة لمعرفة الحقيقة.
حين تأخرت في الرد، استبقني بالكلام بنبرة حاسمة:
“أنتِ من قال إنني أستطيع أن أضع مساعدتك كدين، يا لوسي سانت.”
…لقد نطق باسمي كاملًا لأول مرة.
عقدت حاجبيّ. أدركتُ ما يقصده فورًا.
إنه يريد الاستعانة بمكانة عائلة سانت ومصادر معلوماتها.
أتفهم ذلك. إنه موقف يائس، ومعلومات آل سانت تساوي ذهبًا.
لكن ما أزعجني هو…
“ومن قال أنني لن أساعدك؟”
كنت أنوي مساعدته على أي حال!
لم يكن بحاجة لصياغة الأمر كتهديد.
أنت لا تعرف كم أنت مهم، يا هذا.
مهارة الانتقال الفوري خاصتك ثمينة جدًا.
وفي ظل المهام غير المتوقعة القادمة، من الحكمة أن أبقيك قريبًا.
ثم إنك شخص يحفظ الديون بعناية. ما تدين به ستسدده يومًا.
سأستعمل ذلك كضمان لنفسي لاحقًا.
وفجأة…
[ المهمة الفرعية ]
: أنقِذي والد هايدن المفقود!
مكافأة النجاح: فتح نظام الألقاب، +3 نقاط قدرات، زيادة مودة هايدن بـ +100
عند الفشل: تقدم دمار العالم بنسبة 10% (ثابت)
…لقد ظهرت المهمة.
♤♧♤♧♤♧♤
الفصول لغاية الفصل 55 بقماتي بتلغرام الرابط كثبت في التعليقات
—
ترجمة Nova
التعليقات لهذا الفصل " 40"