لقد وقعتُ في الفخ.
ومن كل الناس… كان الفاعل هايدن.
“قال لي أنها دعوة إلى موعد… قال أننا سنأكل شيئاً لذيذاً يا هذا… فكيف انتهى بي الحال إلى—”
“الطعام بسيط لكنه من القلب، تفضلي.”
“لا أدري إن كان سيعجبك.”
“هايدن، ناول صديقتك هذا الطبق أيضاً.”
أنا الآن… أتناول العشاء مع والدي هايدن!
في هذا الموقف العبثي غير المعقول، التفتُّ بخفية إلى جانبي حيث يجلس هو.
لكن عوضاً عن أن يشعر بالحرج، أجاب بكل وقاحة:
“حسناً، أبي.”
ثم أخذ صحني بنفسه، ووضع لي بعض الدجاج بابتسامة جانبية ماكرة.
“هذا… هل هذا حقيقي؟!”
حسنا، كيف وصلت لوسي سانت إلى هذا المأزق؟
للإجابة، علينا أن نعود إلى عشرين دقيقة مضت.
***
في اليوم التالي مباشرة لطلب هايدن “الموعد”،
قادني من يدي خارج الأكاديمية. خطواته كانت واثقة، كأنه خطط لكل شيء مسبقاً.
“حسناً، دعه يتولى الأمر. هو على كل حال خبير في هذه الجهة…”
قررت أن أجاريه وأتابع خطاه.
مضينا نسير… ثم نسير… ثم نسير.
“إلى أين يأخذني هذا؟”
بدأنا نبتعد عن وسط المدينة شيئاً فشيئاً. الشوارع أصبحت أهدأ والناس أقل.
‘هل هو مطعم مخفي؟ مكان سري معروف بين العارفين؟’
بدأت أشكّ. صحيح أني لا أظنه سيفعل شيئاً سيئاً، لكن…
‘من بين كل الشخصيات الرئيسية، هذا أكثرهم غموضاً وصعوبة في التنبؤ.’
فقلت بلهجة متظاهرة باللامبالاة:
“إلى أين نحن ذاهبون بالضبط؟”
عندها فقط تذكر واعتذر بخفة:
“آسف، المسافة طويلة قليلاً. لكننا وصلنا تقريباً.”
ثم أضاف بابتسامة صغيرة:
“أمي لا تحب الأماكن المزدحمة.”
“آه، فهمتِ…”
… انتظري.
“أ… أمك؟”
ما معنى هذا فجأة؟
نظرت إليه باستفهام، فقال وكأنه تذكّر للتو:
“آه صحيح، نسيت أن أخبرك. والداي دعَوْك لزيارتنا.”
“…ماذا؟”
“ربما لأني ذكرتك أكثر من مرة من قبل. قلت لهم أنك صديقتي من الأكاديمية.”
إذن هذا…
“زيارة عائلية تحت ستار موعد غرامي!”
“آه، ملاحظة فقط: والداي يعتقدان أنني طالب مثالي في الأكاديمية. ستتعاونين معي في التمثيل، صحيح يا لوسي؟”
يا للوقاحة. ليم يخدعني ، بل يطلب مني التواطؤ معه أيضاً.
وقبل أن أفتح فمي للاعتراض—
“انتظر، إذن—!”
فُتح الباب أمامنا.
“أهلاً، وصلتما؟”
امرأة نحيلة ذات شعر بني خرجت لاستقبالنا.
ومن أول نظرة… نسخة طبق الأصل من هايدن.
“…أم هايدن؟”
“لطالما أردت رؤيتك يا لوسي! لابد أن الطريق كان متعباً، أليس كذلك؟”
كانت عيناها، الأعمق لوناً من عيني ابنها، تلمعان بفرح وهي تنظر إليّ.
ثم دعتنا إلى الداخل بحفاوة.
***
“هاها…….”
وعُدنا إلى الحاضر.
التفتُّ نحو هايدن الجالس بجانبي، يرفع رأسه بكبرياء وكأنه لم يفعل شيئاً.
“إذن الهدف كله كان أن يطمئن والديه بأنه يعيش حياة أكاديمية طبيعية…”
لم يكن غريباً إذن أنه فجأة دعاني إلى موعد.
‘غابة كراغ، وعضويته الشبحية في النادي… أجل، كنت أدين له ببعض، فقلت لنسايره هذه المرة…’
لكن بصدق، حتى الآن لا أستوعب ما حدث.
لو أخبرني مسبقاً، لكنت رفضت قطعاً. ولهذا تكتّم. واضح.
‘ما أذكاك يا هذا.’
غمزتُه بمرفقي. ارتجف قليلاً لكنه لم يُبدِ أي رد فعل آخر.
صرّيتُ أسناني بصمت.
وكنت على وشك أن أكرر الحركة—
“هل هناك طعام لا تحبينه؟”
“آكل كل شيء ما عدا البازلاء، يا سيدتي.”
أجبتُ بسرعة، قبل أن يسبقني هايدن.
لكن… ها هو يبتسم بخبث ويضع شيئاً إضافياً في صحني.
……بازلاء.
“هل تستهزئ بي؟”
نظرتُ إليه ببرود، فقال وهو يبتسم كالملاك:
“البازلاء مفيدة للصحة يا لوسي.”
لكنني لا آكل الطعام طلباً للصحة.
أنا آكله لأنه لذيذ.
“……”
لكن لم يعد لدي طاقة للنقاش.
بكل هدوء نقلتُ البازلاء من صحني إلى صحْنه.
‘ليته يحصل على بعض الصحة من هذا الطبق.’
ضحك هايدن بصوت خافت بجانبي، الأمر الذي زاد ضيقي، لكنني تجاهلتُه وأكملت نقل البازلاء حتى النهاية.
وحين رفعت رأسي…
“……ما هذا؟”
كان والدا هايدن ينظران إلينا بابتسامة دافئة، كأن المشهد أسعدهما.
“هل هناك ما تريدان قوله…؟”
“آه! هل حدّقنا بكما أكثر من اللازم؟”
لم أستطع أن أنكر.
ضحكتُ بخجل، فاعتذرا على الفور.
“المعذرة، فقط… المشهد مدهش.”
“لم نكن نتوقع أن يكون لابننا صديقة كهذه.”
هاه؟ هذا الولد؟
التفتُّ أنظر إلى هايدن، فأومأ وكأن الأمر طبيعي.
على ما يبدو، في قاموسه الأصدقاء لا يشملون الفتيات.
أما أنا، فمجرّد صديقة فتاة.
‘إذن حتى في هذا، مزاجه صعب.’
بينما كنت أستوعب الأمر، سألتني والدته فجأة:
“وكيف هي حياتك في الأكاديمية؟ ممتعة؟”
آه، السؤال البريء والقاسي في آن واحد.
‘بالنسبة للعامة، الأكاديمية حلمٌ ومجدٌ وأمل… لكن الواقع؟ عرق، تدريب شاق، ودروس ترهق العقل.’
ترددتُ قليلاً وأنا أستحضر مشاهد التدريب الأساسي 1 ومقدمة فنون القتال، ثم ابتسمتُ:
“بداية العام متعبة بعض الشيء… لكني أتعلم بجد.”
ثم أضفتُ عامدة:
“خاصة مع هايدن إلى جانبي.”
بما أنني قررتُ ردّ الدين، فلأقم بالمهمة كاملة.
ألقيتُ نظرة خاطفة على هايدن، فالتقط الإشارة وتدخل بسلاسة:
“لوسي تجتهد كثيراً لدرجة أني بالكاد أستطيع مجاراتها.”
“إذن هل تنوي أن تجتهد مثلها؟”
“ممم… لا أظن أنني أستطيع اللحاق بها.”
تهرّب بإجابة ماكرة، كعادته.
لكن والديه ظلّا ينظران إلينا بارتياح كبير.
على عكس ابنهما المراوغ، بدا والدا هايدن شديدَي الطيبة.
“أخبريني، كيف هو في الدروس؟ بصراحة، قبل أشهر فقط كان يرفض حتى دخول اختبار القبول! مع أن موهبته لا تُنكر! … آه، لا أقول هذا فقط لأنه ابني—”
بدأ والده يتحدث بحماسة، مفتخراً بابنه.
لكن والدته أوقفته بلطف قبل أن يطيل أكثر.
أما هايدن نفسه، فاكتفى بهز كتفيه كأن المشهد مألوف جداً.
تأملتُه مع والديه، وفكرتُ:
‘إنه حقاً نسخة من أمه وأبيه في آن واحد.’
شعره البني الفاتح وعيناه المرتفعتان قليلاً يشبهان أمه، أما ملامحه الدقيقة فنسخة من أبيه.
وفوق ذلك، والده أيضاً كان مستيقِظاً بقدرة علاجية، وإن لم يلتحق بالأكاديمية بسبب ظروفه.
ربما لهذا كان فضوله عنها كبيراً.
“لكن ما الفائدة؟ الابن الذي ربيناه لا يحدّثنا عنها أبداً…”
نظر إلى ابنه بعتاب، بينما هايدن يلتقط حبّة بازلاء ويأكلها ببرود.
ثم أجاب وهو يمضغ:
“يكفيكم أنكم فخورون بي لأنني اجتزتُ الاختبار، أليس كذلك؟”
يا له من وقح.
قالها وهو يبتسم بابتسامة مطابقة لابتسامة أبيه.
فتجمد الأب لحظة، عاجزاً عن الرد.
“…عزيزتي، ربما دلّلنا هذا الولد أكثر من اللازم.”
“بالطبع، لمَ قلتَ كلاماً ستخسر به؟”
“……؟! ع، عزيزتي!”
أصيب الأب بالذهول من زوجته، بينما هي تضحك وتُعدد مواقفه كأب مهووس بولده:
“أول كلمة نطقها فقلتَ أنه معجزة، أول سحر استخدمه فقلتَ أنه عبقري القرن…”
“لا، قلتُ ربما يصبح عبقرياً، ليس عبقرياً بالفعل!”
“أه؟ ألم تقلها بوضوح؟”
“…قلتها، نعم.”
“أرأيت يا أبي؟ لمَ تقول كلاماً بلا فائدة؟”
“اصمت.”
يا لها من أسرة متجانسة وسعيدة.
حين رأيتهم معاً، تذكرتُ أحداث الرواية الأصلية.
في النص الأصلي، لم يظهر والداه بشكل مباشر، لكن تأثيرهما على هايدن كان هائلاً.
كانا السبب في دخوله اختبار أكاديمية كرانڨيير،
والسبب في أنه ظل يتنقل خارجها ثم فجأة عاد إليها.
كل ذلك بسبب كلماتهما الأخيرة… كلمات كانت أقرب إلى وصية.
‘بعبارة أخرى… هذان الزوجان سيموتان قريباً.’
♤♧♤♧♤♧♤
ترجمة Nova
التعليقات لهذا الفصل " 39"