لكن ما إن حاولت دان آه أن تعتدل واقفة حتى ارتفعت من جديد يد أبيها وصفعتها مرة أخرى بقسوة، لترتطم بالأرض مصدرة جلبة عنيفة. وفي هذه المرة، إذ حاولت أن تستند بيدها، التوت معصمها فأحست بألم نابض يلسع عظامها.
“رئيس مجموعة جينسِونغ، باك هو-جون، اتصل بي بنفسه! أتدرين كم انحنيت وكم اعتذرت لذلك الحقير بسببك؟!”
آه…
بينما كانت تمسّد معصمها الذي بدأ ينتفخ سريعًا، أدركت دان آه السبب الحقيقي وراء استدعائها.
الفضيحة التي اندلعت في غرفة الطوارئ وصلت إلى أسماع مجموعة جينسِونغ. بل كان ذلك أمرًا بديهيًا؛ فالذي حدث هناك كاد يقلب المستشفى رأسًا على عقب. حتى لجنة العقوبات، التي كانت معروفة بالمماطلة، انعقدت على عجل وبسيفٍ مسلول.
لو لم يكن هو-كيون مجرّد شخص عادي بلا ظهر، لما تصاعدت الأمور إلى هذا الحد.
“هيا، أجيبي! في الواقع، لا حاجة لإجابتكِ! ستذهبين الآن على الفور إلى رئيس باك، وتركعين راجية الصفح منه!”
“…أطلب منه الصفح؟ ألهذا السبب استدعيتني؟”
رفعت جسدها شيئًا فشيئًا، متوجسة من صفعة جديدة، لكن يده لم تنهال عليها هذه المرة. بل على العكس، بدت هيئتها المبعثرة صادمة حتى لأبيها، فارتبك للحظة وهو يحدّق فيها.
“طبعًا! سيأخذكِ مدير المكتب بنفسه. اشتري ما شئتِ من الفاكهة والهدايا، واذهبي راكعة تطلبين عفوه!”
“ذلك مستحيل. من عليه أن يطلب الصفح هو باك هو-كيون، لا أنا.”
ترددت في صوتها حدّة مكبوتة، رفضٌ خرج من أعماقها، لكن أنَّى لأبيها أن ينصت!
“ومن طلب منك أن تميّزي الحق من الباطل؟! ما عليكِ إلا تنفيذ أمري! كيف يجرؤ أطباء أن يلوّحوا بالقبضات؟ جعلتِ وجهي يحترق خزيًا… كأن غرفة الطوارئ أصبحت وكرًا للبلطجية!”
عندها تسللت يون-جو، زوجة الأب، إلى الحديث بصوت ساخر:
“وهل تنتظر غير ذلك؟ لقد تبيّن أن معظم هؤلاء الأطباء ليسوا إلا أنصاف متعلمين جاؤوا من بيوت فقيرة… حتى رئيس القسم ذاك، والمرأة التي تشاجرت، كلهم أبناء قاعٍ وريفٍ حقير…”
شعرت دان آه بالدم يغلي في عروقها، فاندفعت قائلة:
“كفاكِ استهزاءً! ما علاقة الأصل والمنبت بهذا؟! كلٌّ من الـ(تشيف) و(جونها سنباي) تربَّيا في بيوتٍ أشرف من بيتكم! بل وأعظم!”
“ماذا؟! أتظنين أن الكلام يغيّر الحقائق؟!”
وإذا بيد يون-جو تهوي على وجهها، تخدشها حلقة من ذهبٍ منقوش. لسع الألم جانب فمها، وأحسّت بطعم الدم، فارتجفت شفتاها وهي تغمض عينيها قسرًا ثم تفتحهما.
وعلى منتصف الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي، لمحت سونغ-آه شقيقتها غير الشقيقة تحدّق مذعورة بملامح متصلبة. لكن ما إن التقت نظراتهما حتى أدارت رأسها مسرعة، كما فعلت دائمًا… كما كانت تفعل منذ الطفولة.
ابتسمت دان آه بسخرية مريرة. كم من السنوات قضتها بعيدة عن هذا البيت، متحررة منه، وها هي الآن تشعر كأن تلك السنوات تبخرت، لتعود إلى ماضيها البغيض كما لو لم تخرج منه قط.
“تثيرين الاشمئزاز! أنتِ علقة لا تنفك تلتصق!”
لم تكن تطلب سوى حب والديها. فبالنسبة للطفلة، الأبوان هما العالم كله. لكن كلما اقتربت من أمها بالتبني، صُدّت بقسوة، وبالصفعات أحيانًا. “علقة، طفيلي”… هكذا نُعتت مرارًا. ومع ذلك، لم تستطع التخلي عن الحلم بلمسة حنان، فعادت تقترب… لتُصفع مجددًا. وفي كل مرة، لم تكن سونغ-آه سوى متفرجة، تبتسم متشفية حين تراها تتوسل للحب، وتتظاهر بالعمى حين تراها تُضرب.
حتى بعد أن صارتا بالغتين، ما زال المشهد كما هو. لا شيء تغير: لا هي… ولا أختها غير الشقيقة.
“أنظر إليها يا زوجي! ألا تسمع؟ إنها تتبجح بالقول إن غيرنا من الآباء أنبل منا! هكذا يكون جزاؤنا على تربيتها! صدق من قال: لا تؤوي الحيوان ذا الشعر الأسود! كان عليّ أن أطردها حين حملت بــ سونغ-آه! لو أننا كشفنا أمر تبنيها يومها وتخلّصنا منها…”
“كفى! لمَ تنبشين الماضي الآن؟! ألم تكوني أنتِ من وافق على الأمر برضاكِ آنذاك؟!”
اندلع شجار جديد بينهما، وهما يتقاذفان المسؤولية.
أما دان آه، فلم يكن لها مكان في هذا النقاش أصلًا. كما لم يكن لها يومًا رأي في قرار أن تدخل هذا البيت طفلةً “ابنةً” بالتبني.
لكن جونغ-تايك سرعان ما تذكّر غرضه الأساسي، فعاد ليزمجر: “على أي حال، ستذهبين الآن إلى الرئيس باك وتعتذرين!”
“قلتُ لك إن هذا مستحيل! المخطئ هو ذلك الرجل، لا أنا!”
هزّت رأسها بعناد، وعضّت شفتها وهي تستعيد في ذهنها ما حدث ليلة الأمس.
“مخطئ؟ وأي خطأ تقصدين؟”
“…ذلك هو…”
أطبقت شفتيها، فلم تبح. كلمات هو-كيون ما تزال ترنّ في أذنها:
“ذلك الوغد… كان عليه أن يشكر حظه أنه لم يمت في حينه، وإلا لدفنته بيدي! كنت سأجعله يعيش منبوذًا، بلا أهل ولا نسب… ولهذا السبب تحديدًا، أولاد اللقطاء لا مكان لهم بيننا.”
هذا كان أصل البلاء. كانت تستطيع أن تصبر على كل شيء، إلا أن يُهان را-كيونغ بلسانه السام.
لكنها لم تستطع البوح بذلك أمام أبيها؛ إذ سرعان ما كان سيحوّله إلى سهام طعن جديدة في ذكرى را-كيونغ.
لقد مات بسببها، وما زال يُسحق ويُهان بسببها. حياته التي عاشها بجدٍّ وكفاح، طُمست وسُحقت وكأنها لم تكن.
“تكلمي! ما الخطأ الذي ارتكبه؟ أبوك يسألك وأنتِ تلوذين بالصمت؟!”
“……”
“إذًا لا حجّة عندكِ! ما كان إلا شجارًا تافهًا انتهى بقبضات! عارٌ عليّ أن يُذكر ذلك باسمنا!”
هزّ رأسه باستياء، ليزيد الطين بلة كلام يون-جو: “الطبع يغلب! إنها تشبه أهلها الحقيقيين… دمهم الفاسد! أولاد حرام، يتفلّتون باكرًا لينجبوا سفاحًا!”
“كفى… كفى أرجوكِ!”
شحب وجه دان آه حتى بدا كالرماد، وأحسّت صدرها يختنق من طعنهم حتى في أهلها الذين لم تعرفهم يومًا.
“إلى أين تذهبين؟! لن تخرجي قبل أن تعتذري لرئيس باك!”
زمجر أبوها بغضب، لكنها لم تلتفت. نزلت مسرعة عبر السلالم الحجرية، حتى وصلت إلى أسفل، فإذا بمدير المكتب يعترض طريقها.
“فلنذهب إلى المستشفى أولًا يا آنسة… وبعدها، أوصلكِ إلى منزل رئيس مجموعة جينسِونغ.”
“لماذا…….”
لكن كلمات مدير المكتب انقطعت، إذ ابتلعتها همهمة دان آه المتهدّجة.
“……لماذا كنتُ أنا بالذات؟”
“نعم……?!”
“أما كان الأجدر بكم أن تختاروا طفلاً وُلد لأبوين على قيد الحياة، أسرةٍ طبيعيةٍ مكتملة؟ لو فعلتم ذلك…….”
لا، لم يكن ليختلف شيء.
فمنذ البداية، وجود طفلةٍ بالتبنّي اغتصبت المقام الذي كان يجب أن يكون لابنتهم «الحقيقية»… ذلك جرمٌ لن يغفروه أبداً.
عضّت دان آه شفتَيها بأسى وسخرية من ذاتها، ثم تجاوزت مدير المكتب بخطوات مثقلة، ماضيةً نحو الخارج.
“آنسة!”
“لن أذهب. لا إلى المستشفى، ولا إلى مجموعة «جنسونغ». تقول إنك ستأخذني بالقوة؟ تفضّل جرّب. وسأريك أنا أيضاً، أمام الجميع، ما الذي أقدر على فعله.”
انتزعت ذراعها من قبضته بعنف، وصوتها يتقد بالحدّة والتمرّد. لعلّه صدّق أنها قد تفعل فعلاً لا يُحمد عقباه، إذ بدت في عينيه لحظة ارتباكٍ وتردّد.
رمقته بنظرة حادّة ثم استدارت، تجرّ ساقيها المترنّحة بخطى متعثّرة.
هبطت سلالم الحجر مسرعةً، لكن كاحلها التوى فجأة، لتغرز في كل خطوة شوكةَ ألمٍ لاذع.
خَدّها المتورّم، معصمها النابض بالوجع، كاحلها المتألم…… بل جسدها وروحها بأكملها لم تكن سوى فوضى محطّمة.
“هاه…… لم أتصوّر أن تنتهي الفوضى إلى هذا الحد.”
رفعت دان آه بصرها إلى السماء، بينما تتلقّى جسدها الصغير سيلاً هاطلاً كأن الدلو قد انكبّ من الأعالي. لم تمضِ دقائق على مغادرتها البيت حتى انشقت الغيوم، وانهمر المطر بجنونٍ كأن السماء تثأر.
لو كان على جانب الطريق متجرٌ واحد، لاحتمت بسقفه. لكن الحيّ خلا من كل مأوى، فلم تجد بُدّاً من استقبال المطر بجسدها العاري له.
“لعلّه…… أفضل بهذا الشكل.”
“مسحت خدّها المبتل بيدها وهي تتمتم بكلماتٍ مبعثرة. ورغم أنها مسحته مرة بعد مرة، ظلّت قطرات المطر تنساب على وجنتيها بلا توقف. وربما كان بعضها دموعًا لا مطرًا. لكن، ما دامت تستطيع التظاهر بأنها مجرد قطرات مطر، فذلك يعدّ نعمة في حد ذاته.
ابتسمت دان آه ابتسامة مُرّة، ثم مسحت خدّها المبتل مرة أخرى، قبل أن تتابع خطواتها مترنّحة وهي تجرّ قدمها العرجاء.”
التعليقات لهذا الفصل " 37"